هل يمكن أن يتحول المحتوى الإبداعي إلى وصفة جاهزة، لها افتتاحية محفوظة، وطريقة تصوير ثابتة، وموسيقى متكررة، وخاتمة يعرفها المشاهد قبل أن تصل إليها؟ يبدو المشهد على المنصات وكأنه يجيب بنعم، فكلما نجح صانع محتوى في تقديم فكرة مختلفة، لم ينشغل كثيرون بفهم الأسئلة التي قادته إليها، بل راحوا يفككون شكلها الخارجي، يراقبون مدة المقطع، وزاوية الكاميرا، ونبرة الصوت، وطريقة كتابة العنوان، ثم يعيدون تركيب العناصر نفسها ظنًا منهم أنهم حصلوا على سر النجاح، بينما لم يحصلوا في الحقيقة إلا على قشرته الأخيرة، لأن المحتوى الإبداعي ليس مجموعة حركات يمكن حفظها، بل عملية تبدأ بملاحظة شيء لم يره الآخرون، وتنتهي بصياغته بطريقة لم يعتادوها.
ولا تقتصر هذه النزعة على صناعة المحتوى، إذ عرفتها الأسواق قبل ظهور المنصات بزمن طويل، فعندما يظهر مشروع يقدم تجربة مختلفة ويحقق نجاحًا واضحًا، تتجه الأنظار إلى الأشياء التي يمكن رؤيتها ونسخها، مثل الاسم، والديكور، وطريقة عرض المنتج، بينما تبقى العناصر الأعمق بعيدة عن التقليد، مثل فهم حاجة الجمهور، وتوقيت الدخول إلى السوق، وجودة الإدارة، والقدرة على التطوير، ولذلك تنتشر المشروعات المتشابهة، ثم تتشبع السوق، وتتوزع الأرباح، ويغلق كثير منها أبوابه، لا لأن الفكرة الأصلية فاشلة، بل لأن ما كان نادرًا تحول إلى مشهد مكرر، وقد أوضح جاي بارني في دراسته التأسيسية المنشورة عام 1991 في Journal of Management أن الميزة التنافسية المستدامة ترتبط بموارد وقدرات تكون ذات قيمة، ونادرة، وصعبة التقليد، ولا يمكن استبدالها بسهولة، فإذا أصبح العنصر الذي صنع التفوق متاحًا للجميع، فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على صناعة الفارق.
وهذا بالضبط ما يحدث للمحتوى الإبداعي، إذ يولد العمل مختلفًا لأنه خرج عن النمط السائد، ثم يحقق الانتشار، فتلتقطه الخوارزميات وتدفعه إلى جمهور أوسع، ثم يراه آلاف الصانعين بوصفه نموذجًا مضمونًا، فيبدأ الاستنساخ، وتنتقل الفكرة من مرحلة الابتكار إلى النجاح، ثم من النجاح إلى التقليد، ومن التقليد إلى التشبع، حتى يتحول الشكل الذي كان مفاجئًا إلى عادة بصرية لا تثير أحدًا، وهنا لا تكون الخوارزمية قد صنعت الإبداع أو قتلته، بل تكون قد كشفت نجاحًا قائمًا ووسعت رؤيته، أما البشر فهم الذين أخطأوا حين ظنوا أن ما ظهر أمامهم هو عملية الإبداع كاملة، مع أنه لم يكن سوى نتيجتها المرئية.
وقد كشفت تجربة ماثيو سالغانيك وبيتر دودز ودنكان واتس، التي أصبحت من أشهر التجارب المرجعية في دراسة تأثير الاختيارات الاجتماعية، والمنشورة في مجلة Science عام 2006، جانبًا مهمًا من هذه المسألة، إذ شارك فيها 14,341 شخصًا استمعوا إلى أغانٍ غير معروفة، وفي بعض مجموعات التجربة كان المشاركون يرون عدد مرات تحميل كل أغنية، فوجد الباحثون أن إظهار اختيارات الآخرين زاد التفاوت في النجاح وجعل النتائج أقل قابلية للتنبؤ، إذ أصبحت الأعمال التي بدأت بجذب الانتباه قادرة على جذب مزيد منه، ولم يعد النجاح انعكاسًا مباشرًا للجودة وحدها، وهذه النتيجة تفسر كيف تعمل المنصات اليوم، فما ينتشر يحصل على فرصة أكبر لمزيد من الانتشار، وما يراه الناس كثيرًا يبدو لهم أكثر استحقاقًا للتقليد، حتى لو لم يكن أكثر إبداعًا من غيره.
إن الخوارزمية لا تدخل إلى عقل صانع المحتوى لتقيس عمق فكرته، ولا تعرف مقدار البحث الذي سبقها، ولا تستطيع التمييز بصورة كاملة بين ابتكار حقيقي ومصادفة عابرة، فهي تقرأ إشارات قابلة للقياس، مثل المشاهدة، ومدة البقاء، والمشاركة، والتعليق، ثم تمنح ما يحقق هذه الإشارات فرصًا إضافية، ولهذا فإن ما ترصده الخوارزمية هو النجاح، أما ما يصنعه المبدع فهو الاختلاف، والمشكلة تبدأ حين يخلط الصانع بين الاثنين، فيتوقف عن البحث عن فكرة تستحق أن تقال، ويبدأ البحث عن قالب أثبت أنه يجذب المشاهدات، وحينها يصبح هدفه أن يشبه العمل الناجح بدل أن يصنع عملًا جديدًا، ولا يتعارض ذلك مع حقيقة أن بعض القوالب قد تنجح لفترات طويلة، لكنه نجاح ناتج عن تكرار ما أثبت فاعليته، لا عن إنتاج فكرة جديدة، وهو الفرق بين تحسين الوصفة وابتكارها.
ولا يعني ذلك أن الإبداع في صناعة المحتوى انفلات من كل قاعدة، لأن الفكرة الجديدة وحدها لا تكفي إذا كانت بلا معنى أو قيمة، وتدعم هذا الفهم دراسة حديثة أجراها شيويه يانغ وانغ وزملاؤه، ونشرت في Communications Biology عام 2024، إذ وجدت أن الجدة والملاءمة عنصران أساسيان في تكوين الفكرة الإبداعية، وأن إنتاج الأفكار الأكثر جدة يرتبط بدرجة أكبر بالقدرات الترابطية التي تصل بين مفاهيم متباعدة، بينما ترتبط ملاءمة الفكرة بدرجة أكبر بالوظائف التنفيذية التي تختبرها وتنظمها، وهذا يعني أن المحتوى الإبداعي ليس غرابة مجانية، بل اختلاف يستطيع أن يجد صلته بحاجات الجمهور، فالفكرة التي لا تضيف شيئًا ليست إبداعًا، كما أن الفكرة المفيدة التي تكرر ما سبق ليست إبداعًا كاملًا.
لكن الصانع الذي يطارد القوالب الرائجة يضع نفسه داخل دائرة تضيق كل يوم، لأنه ينظر باستمرار إلى الخارج ليرى ما الذي كافأته المنصة، بدل أن ينظر إلى الداخل ليسأل ما الذي يريد أن يقوله، وقد وجدت تيريزا أمابيل في دراستها التأسيسية حول الدافعية والإبداع، المنشورة عام 1985 في Journal of Personality and Social Psychology، والتي شارك فيها 72 شخصًا يمارسون الكتابة الإبداعية، أن توجيه المشاركين إلى التركيز على الدوافع الخارجية ارتبط بإنتاج أعمال أقل إبداعًا من التركيز على الدوافع الداخلية، وهي نتيجة لا تعني تجاهل الجمهور أو الأرقام، بل تحذر من أن يصبح التفاعل هو نقطة البداية الوحيدة، لأن من يبدأ بالسؤال عما يرضي الخوارزمية قد يصل إلى عمل قابل للانتشار، لكنه نادرًا ما يصل إلى العمل الذي يغير شكل المحتوى نفسه.
يمكن تقليد طريقة المونتاج، وتكرار العنوان، واستنساخ الإيقاع، بل يمكن إنتاج مئات المقاطع التي تبدو كأنها خرجت من الحساب نفسه، لكن لا يمكن استنساخ اللحظة التي رأى فيها المبدع ما لم يره غيره، ولا الأسئلة التي دفعته إلى إعادة بناء الفكرة، فالإبداع عملية وليس وصفة، وإذا أصبح قابلًا للتكرار بالحركات نفسها فقد تحول إلى قالب، وعندما يصبح هذا القالب هو النمط السائد يفقد صفته الإبداعية وينتظر من يكسره، ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي كيف نصنع محتوى يشبه ما نجح، بل كيف نرى ما لم تره الوصفة بعد؟