عمر غازي

من التأثير إلى ريادة الأعمال.. كيف تتحول المكانة الاجتماعية الرقمية إلى قيمة اقتصادية؟

آراء حرة - عمر غازي
عمر غازي
أكاديمي وخيبر في الإعلام والاستراتيجيات الاتصالية

ماذا يملك صانع المحتوى قبل أن يملك شركته، في النموذج القديم كانت الشركة تأتي أولًا، رأس مال ومنتج وتوزيع، ثم تستدعي مشهورًا لتأخذ منه طريقًا أقصر إلى الجمهور، لكن الصورة بدأت تنقلب، ففي 20 أغسطس 2026 ناقشت النسخة الثالثة من "Ogilvy Creator Camp" في مانيلا انتقال صناع المحتوى من إنتاج المحتوى إلى إدارة العلامات والمشروعات، وبعد أقل من أسبوعين أعلنت "CreatorFi" حصولها على 45 مليون دولار من تمويلات الدين والأسهم، وبين الحدثين يبدو أن شيئًا أكبر من مصادر الدخل يتغير، فصانع المحتوى قد يصل اليوم إلى فكرة الشركة وفي يده جمهور يعرفه قبل أن يكون في يده المنتج أصلًا.

لكن الجمهور ليس هو المكانة، وكثرة المتابعين لا تعني بالضرورة قدرة مماثلة على تحويلهم إلى عملاء، فقد ميزت زيكسوان ميا تشينغ وزملاؤها عام 2024 في دراسة نشرتها مجلة "Psychology & Marketing" بين رأس مال الانتباه "Attentional Capital" والقدرة على الإقناع، فالإنسان قد يجذب عددًا هائلًا من الأنظار دون أن يمتلك الوزن نفسه في قرارات من يتابعونه، وهنا يبدأ الفرق بين أن يعرفك الناس وبين أن يمنحوك موقعًا يؤثر في اختياراتهم.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى كل مؤثر باعتباره صاحب مكانة اجتماعية رقمية، فقد يمتلك بعضهم انتشارًا واسعًا أو قدرة إعلانية كبيرة من دون أن يمنحه مجتمع محدد ذلك القدر من الاعتراف والوزن، فالمكانة الاجتماعية الرقمية هي الموقع النسبي الذي يمنحه مجتمع لشخص أو مؤسسة وما يصاحبه من احترام واعتراف، وعندما توجد هذه المكانة فإنها قد تصبح موردًا مختلفًا عن مجرد الانتباه، ويمكن أن تنتج قيمة اقتصادية إذا استطاع صاحبها تحويل ما راكمه اجتماعيًا إلى شراء أو شراكات أو استثمار أو وصول أسرع إلى السوق.

فكرة تحويل الموارد الاجتماعية إلى قيمة اقتصادية ليست جديدة في أصلها، فقد تناول بيير بورديو عام 1986 في دراسته "أشكال رأس المال" (The Forms of Capital) أشكال رأس المال الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وإمكان تحول بعضها إلى بعض بشروط وتكاليف مختلفة، لكن المكانة الاجتماعية الرقمية ليست اسمًا آخر لرأس المال الاجتماعي أو الرمزي، فهي تتعلق بالموقع الذي يمنحه مجتمع رقمي للفاعل، والسؤال هنا هو ماذا يستطيع أن يفعل اقتصاديًا بهذا الموقع.

وقد تناول ألكسندر إيدلينغ وسيمونه ويز عام 2024 في "International Journal of Research in Marketing" صعود ما أسمياه "Creatrepreneurs"، أي صناع المحتوى الذين يتحولون إلى رواد أعمال، كما قدمت تشينغ وزملاؤها في العام نفسه نموذجًا لمسار انتقال المؤثر إلى النشاط الريادي، لكن الظاهرة أوسع من أصحاب المكانة الاجتماعية الرقمية وحدهم، فالمؤثر قد يدخل السوق بفضل الانتباه أو الشهرة أو الثقة أو المكانة، وقد تجتمع هذه الموارد لديه أو يفقد بعضها.

في الإعلان التقليدي يحصل المؤثر على أجر مقابل إتاحة جزء من انتباه جمهوره لشركة أخرى، أما عندما يصبح مالكًا للمشروع فهو يحاول أن يبني فوق هذا الانتباه قيمة تبقى داخل شركته، أي أنه ينتقل من تأجير قدرته على الوصول إلى امتلاك جزء أكبر من العائد الذي تنتجه، وفي السعودية تقدم سارة الودعاني مثالًا قريبًا لهذا التحول، فبعد حضور رقمي ارتبط لسنوات بصناعة المحتوى والإعلان، أطلقت علامتها السعودية لمستحضرات التجميل "سُكرة"، وأصبح حضور العلامة جزءًا من محتواها، وهنا لم يعد الوصول إلى الجمهور مساحة تستفيد منها علامات الآخرين فقط، بل أصبح قادرًا على العمل لمصلحة علامة ترتبط بصاحبة الحضور نفسها.

وتكشف "CreatorFi" جانبًا آخر من هذا التحول، وهي شركة أمريكية تقدم لصناع المحتوى تمويلًا مقدمًا مقابل حصة من إيراداتهم الرقمية المستقبلية، وقد أعلنت في 2 سبتمبر 2026 حصولها على 45 مليون دولار من تمويلات الدين والأسهم، وهي لا تنظر إلى عدد المتابعين وحده، بل إلى الإيرادات الرقمية المتكررة وقوة الملكية الفكرية وتفاعل الجمهور، وتقدم عادة تمويلات تتراوح بين 500 ألف و5 ملايين دولار، وهذا لا يعني أن السوق بدأ في تمويل المكانة الاجتماعية الرقمية نفسها، لكنه يعني أن بعض الموارد التي يبنيها صانع المحتوى حول جمهوره أصبحت قابلة للقياس والتمويل.

وهذه القيمة لم تظهر مجانًا يوم تأسيس الشركة، فصانع المحتوى قد يكون أمضى سنوات يبني حضوره وعلاقته بجمهوره قبل أن يفكر أصلًا في المنتج، ولذلك فإن ما يبدو عند الإطلاق ميزة بلا تكلفة قد يكون حصيلة وقت وعمل وثقة دُفعت تكلفتها قبل وجود الشركة.

لكن المكانة تستطيع أن تختصر الطريق إلى السوق، ولا تستطيع أن تلغي السوق، ولعل "Prime" تقدم مثالًا واضحًا على المسافة بين الاثنين، فقد ارتبط إطلاق العلامة بنجمي يوتيوب KSI ولوغان بول ورافقتها ضجة رقمية واسعة، ووفق الحسابات الرسمية لشركة "Prime Hydration UK" المودعة لدى سجل الشركات البريطاني "Companies House"، انخفضت إيراداتها من نحو 112.2 مليون جنيه إسترليني في 2023 إلى 32.9 مليونًا في 2024، بتراجع يقارب 71%، ولا يعني ذلك أن مكانة صاحبيها تراجعت، لكنه يكشف المسافة بين دفع الناس إلى تجربة منتج والاحتفاظ بهم كمشترين.

وهنا يظهر الفرق بين نجاح إطلاق المنتج ونجاح الشركة، فقد يمنح الحضور الرقمي صاحبه فرصة لا يملكها مؤسس يبدأ من الصفر، لكنه لا يجعل المنتج أفضل ولا يصلح سعرًا سيئًا، ولذلك يصبح الشراء الثاني أكثر دلالة من الأول، ففي الأول قد تختلط الثقة بالشخص مع الفضول تجاه المنتج، أما في الثاني فيبدأ المنتج بالدفاع عن نفسه.

وفي مصر يقدم صانع المحتوى كريم السيد حالة مختلفة، فقد أطلق مؤخرًا علامته للملابس "ICON" مع تركيز واضح على ملابس الكتان ووضعها في شريحة سعرية مرتفعة، لكن الإعلان عن المنتجات وأسعارها تحول في جانب من تفاعل متابعيه إلى اعتراض وسخرية من أسعار رأوا أنها لا تناسب واقعهم الاقتصادي، ولا تخبرنا هذه الردود إن كانت العلامة ناجحة أو فاشلة تجاريًا، لكنها تكشف فجوة لا تظهر في عدد المتابعين، فالجمهور الذي يعرف صانع المحتوى ويتفاعل معه ليس بالضرورة هو السوق القادر أو الراغب في شراء ما يقدمه.

وتصبح المسألة أدق عندما يكون لدى صانع المحتوى مكانة اجتماعية رقمية فعلًا، فقابلية تحويلها لا تعتمد فقط على قوتها، بل على التوافق بين المجتمع الذي منحها والسوق الذي يحتاجه المنتج، فقد تمنح المكانة وصولًا واسعًا وثقة كبيرة، لكنها لا تمنح الجمهور قدرة شرائية جديدة، ولا تجعل كل من يحترم صاحبها عميلًا محتملًا.

وهنا يظهر أيضًا الفرق بين قابلية تحويل المكانة وقابلية انتقالها، فقد يستطيع صاحب المكانة تحويل موقعه إلى مبيعات أو استثمار أو شراكات، لكن ذلك لا يعني أن مكانته ستنتقل كاملة إلى المنتج أو الشركة، كما أن قدرة العلامة على جذب المشترين في بدايتها لا تعني أنها اكتسبت المكانة نفسها التي يملكها مؤسسها.

والعلاقة قد تسير في الاتجاه الآخر أيضًا، فكما تمنح مكانة المؤسس شركته بداية مختلفة، تستطيع الشركة أن تعيد تشكيل مكانة صاحبها، وقد يفصل المجتمع بين الاثنين أو يربط أحدهما بالآخر، وهنا يظل السؤال مفتوحًا، متى تنتقل مكانة المؤسس إلى شركته، ومتى تعود سمعة الشركة إلى مؤسسها.

ثم تأتي اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها الشركة عن استعارة مكانة مؤسسها وتبدأ في بناء مكانتها الخاصة، ففي البداية قد يشتري الناس لأنهم يعرفون صاحبها، لكن المؤسسة لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد امتدادًا لحسابه، فالمنتج يحتاج إلى جودة مستقلة، والعلامة إلى ثقة خاصة بها، والمجتمع إلى سبب للعودة إليها حتى عندما لا يكون المؤسس أمام الكاميرا.

ولهذا قد تؤدي المكانة الاجتماعية الرقمية وظيفة تشبه رأس المال السابق على الشركة دون أن تصبح رأس مال اقتصاديًا بالمعنى المباشر، فهي قد تغير شروط البداية وتخفض بعض تكاليف الوصول وتفتح أبوابًا للتجربة والشراكات والتمويل، لكنها لا تحمل معها القدرة الشرائية لجمهورها ولا تضمن انتقال مكانة صاحبها إلى منتجه، فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما يبتعد المشروع قليلًا عن صاحبه.

كان المشهور في الاقتصاد القديم يقف غالبًا قرب نهاية رحلة المنتج، بعد أن تصنعه الشركة وتوزعه ثم تستدعيه لتستعير بعضًا من انتباه جمهوره، أما صانع المحتوى فقد أصبح قادرًا في بعض الحالات على الوقوف عند بداية الرحلة، يحمل معه جمهورًا عرفه قبل أن توجد الشركة نفسها، وإذا كان قد اكتسب داخله مكانة حقيقية فإنه يحمل موردًا إضافيًا، لكن لا الجمهور يتحول كله إلى سوق، ولا المكانة تنتقل كلها إلى الشركة، وربما لهذا لا يكون السؤال الأصعب كم تساوي مكانة صانع المحتوى عندما يؤسس شركته، بل كم يستطيع منها أن يحول إلى قيمة، وكم يبقى عندما يصبح على الشركة أن تقف وحدها.