بث تجريبي

ما الذي يكشفه غياب مجتبى خامنئي عن جنازة والده بشأن الجمهورية الإسلامية الجديدة؟

تقارير وملفات - فرود بيجان
فرود بيجان
محرر إقليمي أول في غرفة الأخبار المركزية الناطقة بالإنجليزية في إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية (RFE/RL)، ويقود تغطية شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى.

أقامت إيران مراسم تشييع ضخمة امتدت أسبوعًا كاملًا حدادًا على المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في بداية الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وشهدت الفعاليات العامة التي نظمتها الدولة مشاركة مئات الآلاف من المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية الإسلامية. إلا أن شخصًا واحدًا كان غيابه لافتًا للنظر: مجتبى خامنئي.

فابن الزعيم الإيراني الراحل وخليفته ظل بعيدًا عن الأنظار طوال مراسم العزاء والتجمعات الجماهيرية التي اختُتمت في 9 يوليو. وتشير التقارير إلى أن مجتبى خامنئي أُصيب في الغارة الجوية الإسرائيلية نفسها التي أودت بحياة والده، ولم يظهر علنًا منذ توليه منصب المرشد الأعلى في مارس.

ويرى خبراء أن غيابه عن مراسم التشييع وجه ضربة إضافية لشرعيته، وعزز التساؤلات حول الجهة التي تدير هذا البلد الشرق أوسطي الذي يبلغ عدد سكانه نحو 90 مليون نسمة. ووفقًا للسلطات الإيرانية، فإن عدم مشاركته في جنازة والده جاء لدواعٍ أمنية.

وقال أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: «إن غيابه يحمل دلالة سياسية مهمة لأنه يسلط الضوء على المعضلة الأساسية لعملية الخلافة. فمجتبى يستطيع أن يرث المنصب، لكنه لا يستطيع أن يرث سلطة والده وهيبته».

وكان اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى محل جدل واسع. ففي حين اعتُبر اختياره تجسيدًا لاستمرار النظام خلال فترة الحرب، فإنه أثار أيضًا استياء بعض أنصار الحكومة الذين رأوا أن انتقال السلطة بالوراثة يتعارض مع الجذور المناهضة للملكية التي قامت عليها الثورة الإسلامية عام 1979.

وأضاف فاتانكا، مؤلف كتاب «معركة آيات الله في إيران»: «إن إبقاءه بعيدًا عن الأنظار قد يخفف من تلك الاتهامات، لكنه في الوقت نفسه يجعل انتقال الشرعية يبدو غير مكتمل بصورة واضحة. فالنظام قادر على إخراج مشهد الاستمرارية، لكنه لا يستطيع أن يصنع سلطة شخصية بين ليلة وضحاها».

وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، لا يزال مجتبى خامنئي شخصية غامضة. فرغم أن الرجل البالغ من العمر 56 عامًا أصدر بيانات مكتوبة، فإنه لم تُنشر له حتى الآن أي صورة أو تسجيل مصور أو تسجيل صوتي.

وقال فرزان ثابت، الخبير في الشأن الإيراني بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف، إن الشرعية في الجمهورية الإسلامية، كما هو الحال في الأنظمة السلطوية الأخرى، تكتسب أهميتها أساسًا لدى القاعدة التي يرتكز عليها النظام.

وأضاف: «بالنسبة إلى معظم الإيرانيين، من المرجح أن يتمتع مجتبى بشرعية أقل حتى من والده، وأن يبدو أضعف منه، لكنه يستطيع ترسيخ سلطته بين القاعدة الصلبة للنظام، خاصة إذا أصبح أكثر ظهورًا بعد تعافيه من إصاباته أو عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك. ومن ثم فإن هذا التحدي يمكن تجاوزه في نهاية المطاف».

تغير ديناميكيات السلطة

على مدى عقود، تركزت السلطة في إيران بيد علي خامنئي، الذي كانت له الكلمة الأخيرة في جميع القضايا الجوهرية للدولة، وحكم البلاد بقبضة حديدية منذ عام 1989 وحتى اغتياله في 28 فبراير.

لكن منذ مقتله وتولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، شهدت آليات صنع القرار في طهران تغيرًا ملحوظًا.

وقال فاتانكا: «إيران لم تستبدل منصب المرشد الأعلى بقيادة جماعية، لكن علي خامنئي أمضى عقودًا في بناء مؤسسات قادرة على إدارة شؤون الدولة إلى جانب المرشد».

وأضاف أن مكتب المرشد الأعلى، والحرس الثوري الإيراني، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو الهيئة الرئيسية لصنع السياسات في البلاد، «يتقاسمون الآن أعباء اتخاذ القرارات اليومية، بينما يضطلع المرشد الأعلى بصورة متزايدة بدور التحكيم بين المؤسسات، بدلًا من توجيه كل قضية رئيسية بنفسه».

ورغم غيابه عن الحياة العامة، تشير معلومات الاستخبارات الأمريكية إلى أن مجتبى خامنئي لا يزال يؤدي دورًا بارزًا في رسم الاستراتيجية الحربية وإدارة محادثات السلام مع الولايات المتحدة.

ويؤكد خبراء أن الحرس الثوري الإيراني، وهو نخبة القوات المسلحة الإيرانية، كان دائمًا لاعبًا رئيسيًا في الحياة السياسية، إلا أنه أصبح اليوم القوة السياسية المهيمنة داخل الجمهورية الإسلامية.

كما يظل المجلس الأعلى للأمن القومي، برئاسة محمد باقر ذو القدر، القائد السابق في الحرس الثوري، أحد أبرز مراكز النفوذ.

ويشير الخبراء أيضًا إلى أن شخصيات مدنية بارزة، مثل الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يتولى أيضًا مهمة كبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، تؤدي أدوارًا مؤثرة في عملية صنع القرار.

وقال ثابت: «كان الحرس الثوري اللاعب الأقوى داخل الدولة عندما كان علي خامنئي على قيد الحياة، ولا يزال اليوم القوة الأكثر نفوذًا، بل إنه أصبح أقل تعرضًا للقيود داخل النظام وفي إطاره بعد غياب خامنئي».

وأضاف: «ومع ذلك، لا تزال هناك محاولات لبناء توافق بين الأطراف الرئيسية الفاعلة داخل النظام، ويؤدي الحرس الثوري دورًا يفوق حجمه الطبيعي في هذه العملية».

ويرى الخبراء أن النتيجة هي أن القرارات أصبحت تُتخذ بصورة متزايدة عبر توافق مؤسسي، بدلًا من الاعتماد على السلطة الشخصية لرجل واحد.

واختتم فاتانكا قائلًا: «هذا يجعل عملية صنع السياسات أبطأ وأكثر حذرًا، لكنه يمنحها أيضًا قدرًا أكبر من الصلابة، لأن المسؤولية أصبحت موزعة على مؤسسات النظام، بدلًا من أن تقع بالكامل على عاتق المرشد الأعلى وحده».

نقلا عن: أوراسيا ريفيو