بث تجريبي
إيميل أمين

واشنطن – بكين.. نافذة ديفيدسون وفخ ثيوسيديدس

آراء حرة - إيميل أمين
إيميل أمين
كاتب وباحث مصري مختص في الشؤون الدولية

على الرغم من أن أحداث الشرق الأوسط والخليج العربي، وبخاصة المواجهة الأميركية–الإيرانية، تكاد تشغل القاصي والداني، فإن قضية العلاقات الصينية–الأميركية، سلماً أو حرباً، لا تزال تحتل موضعاً متقدماً ضمن دائرة الاهتمامات الدولية، بخاصة إذا اعتبرنا الولايات المتحدة القطب القائم عالمياً، والصين القوة الصاعدة بلا شك.

لماذا الحديث الآن عن مسارات ومدارات العلاقات بين القطبين الكبيرين؟

المؤكد أن هناك أكثر من سبب. في المقدمة، لفت انتباه العالم خلال الأسبوع الماضي أنباء المناورة العسكرية الكبرى التي ستُجرى بالقرب من الصين، والمرتقب أن يشارك فيها نحو سبعة عشر ألف عنصر عسكري ينتمون إلى الولايات المتحدة وأستراليا واليابان وكندا وفرنسا ونيوزيلندا، وتُعرف باسم مناورات "باليكاتان"، والتي تعني "كتفاً إلى كتف" باللغة التاغالوغية المعروفة في الفلبين.
تبدو هذه المناورات، التي ستُجرى في الفترة ما بين 20 أبريل و8 مايو، مثيرة وخطيرة، وذلك في ظل العديد من المعطيات، وفي مقدمتها التوترات مع الصين، والحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، عطفاً على الملفات الشائكة المفتوحة دوماً بين واشنطن وبكين، وفي مقدمها جزيرة تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ناهيك عن النفوذ والسطوة في منطقة الإندو–باسيفيك، ومؤخراً المخاوف المتزايدة من اندلاع صراع بين اليابان والصين، والأولى حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية. ما يعني إمكانية الوقوع في دائرة ما يُعرف ب"فخ ثيوسيديدس" من جهة، والاقتراب بمخاوف بالغة من "نافذة ديفيدسون" من ناحية أخرى. فماذا نعني بهذين المصطلحين اللذين يحملان دلالات عميقة؟
منذ سنوات، حذر عالم السياسة الأميركي غراهام أليسون، في عباراته الشهيرة، من أن الصين والولايات المتحدة قد تقعان فيما أسماه "فخ ثيوسيديدس"، استناداً إلى فكرة أن الحرب تصبح مرجحة عندما تهدد دولة صاعدة بإزاحة القوة المهيمنة. وقد استلهم هذه الفكرة من المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس، الذي وثّق حرباً كبرى بين أثينا وإسبرطة في القرن الخامس قبل الميلاد.
غير أن هذا الطرح، رغم أهميته، أغفل جانباً محورياً من التحذير التاريخي. فبحسب قراءة البروفيسور جوشوا روفر، مؤلف "الاستراتيجية" و"الاستراتيجية الكبرى"، لم يكن الصراع نتيجة انتقال حتمي للسلطة، بل جاء بعد فترة من التوازن المستقر بين أثينا، القوة البحرية، وإسبرطة، القوة البرية. لكن مع تفاقم الأزمة السياسية وانهيار الدبلوماسية، توهم الطرفان قدرتهما على حسم الحرب سريعاً. وعندما اندلع القتال، تكشفت هذه الآمال بوصفها أوهاماً، لتجد القوتان نفسيهما غارقتين في حرب طويلة ومدمرة. ذلك هو «فخ ثيوسيديدس» الحقيقي.
هل تقف الصين والولايات المتحدة اليوم على حافة هذا الفخ؟

يرى كثير من المراقبين أن الإجابة تميل إلى الإيجاب، لا سيما في ضوء ما جرى في فنزويلا، أحد أبرز موردي النفط للصين، وكذلك التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، بما يوحي بأن واشنطن تسعى إلى خنق مصادر الطاقة الحيوية لبكين، إذ إن النفط يمثل شريان الحياة للصناعة والزراعة وبقية مناحي الاقتصاد.
في هذا السياق، كان من المتوقع أن تنزلق بكين نحو التصعيد، غير أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي أشار فيها إلى التزام الصين بوقف تصدير الأسلحة لإيران، توحي بأن بكين تحاول تجنب الصدام، بل وتسعى إلى لعب دور الوسيط لإنهاء الأزمة بين واشنطن وطهران.
ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات لا تكفي لتبديد المخاوف من انزلاق القوتين إلى مسار تصادمي، خاصة أن كلاً منهما يمتلك تفوقاً نوعياً في مجال مختلف. فالصين تُعد قوة برية كبرى، في حين تتمتع الولايات المتحدة بتفوق بحري واسع النطاق. وبينما يثير المحللون تساؤلات حول قدرة الصين على تنفيذ عمليات إنزال برمائية واسعة، لا يشك أحد في قدرتها الدفاعية البرية. في المقابل، تمتلك واشنطن قدرة فريدة على بسط نفوذها البحري عبر مسافات شاسعة. غير أن كلاً منهما يفتقر إلى وسيلة حاسمة للتعامل مع نقاط قوة الآخر.
هل يعني ذلك أن "نافذة ديفيدسون" تقترب بالفعل؟
في 9 مارس (آذار) 2021، وخلال جلسة رفيعة المستوى في مجلس الشيوخ الأميركي، أشار الأميرال فيليب ديفيدسون، قائد القيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ آنذاك، إلى أن التطور العسكري الصيني وطموحات بكين قد يشكلان تهديداً لتايوان خلال السنوات الست التالية، أي بحلول عام 2027. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا التقدير يُعرف ب"نافذة ديفيدسون"، في إشارة إلى احتمال اندلاع صراع عسكري حول تايوان ضمن هذا الإطار الزمني.
تعززت هذه الرؤية مع التطورات العسكرية الصينية، بما في ذلك العروض العسكرية التي أظهرت تقدماً لافتاً في مجالات التسليح، فضلاً عن التوسع في الترسانة النووية، التي يُتوقع أن تصل إلى نحو ألف رأس نووي بحلول عام 2030، إلى جانب تطوير الأسطول البحري ليضاهي نظيره الأميركي.
وسط هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن أن تنزلق الأوضاع نحو مواجهة، في وقت يستعد فيه الطرفان لزيارات متبادلة قد تحمل فرصاً لتهدئة التوتر؟
كان من المقرر أن يقوم الرئيس ترمب بزيارة إلى الصين في أوائل أبريل (نيسان)، غير أن التطورات المرتبطة بالأزمة الإيرانية أدت إلى تأجيلها إلى 14 مايو (أيار)، على أن يقوم الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة مماثلة لاحقاً.
ليس خافياً أن العلاقات بين بكين وواشنطن تتسم بتشابكات اقتصادية عميقة وتوازنات سياسية دقيقة، تجعل من خيار الصدام المباشر أمراً غير مفضل. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال وقوع حوادث عرضية قد تؤدي إلى تصعيد غير مقصود، يتدحرج سريعاً نحو مواجهة أوسع.
هل من خلاصة؟
في الوقت الراهن، تبدو الولايات المتحدة والصين وكأنهما تسيران على الدرب ذاته الذي سلكته أثينا وإسبرطة. كل منهما يراهن على أن التقنيات الجديدة قد تمنحه تفوقاً حاسماً يتيح تحقيق نصر سريع بتكلفة محدودة. غير أن التاريخ يُحذر من أن مثل هذه الرهانات قد تقود إلى العكس تماماً: صراع طويل ومكلف.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل تحمل الزيارات المرتقبة بارقة أمل للخروج من هذا المأزق، وتجنب الوقوع في فخ ثيوسيديدس أو العبور عبر نافذة ديفيدسون، أم أن العالم مقبل على فصل جديد من فصول الصراع بين القوى الكبرى؟