المواجهة الأمريكية مع إيران وإعادة تشكيل معادلات أمن الملاحة في الخليج
شهدت منطقة الخليج خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا عسكريًا لافتًا بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب الهجوم الأمريكي على أهداف إيرانية. وقد تعددت المبررات التي طرحتها الإدارة الأمريكية لهذا التصعيد، حيث تراوحت بين دعم الاحتجاجات الداخلية في إيران، والسعي إلى إضعاف النظام الحاكم أو تغييره، وصولًا إلى استهداف البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية. غير أن تطورات الأزمة تشير إلى أن مسار الصراع لم يعد محكومًا بالحسابات الأمريكية وحدها، إذ يمتلك الطرف الإيراني القدرة على التأثير في مجريات المواجهة عبر أدوات غير تقليدية واستراتيجيات رد غير مباشر.
وقد جاء الرد الإيراني في اتجاه يستهدف أحد أكثر عناصر النظام الاقتصادي العالمي حساسية، وهو أمن الممرات البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة. فقد هددت إيران حركة ناقلات النفط والسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، كما نفذت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت إسرائيل وعددًا من دول الخليج العربية، بما في ذلك منشآت نفطية حيوية. ويشير هذا السلوك إلى إدراك إيراني واضح لطبيعة التأثير الاستراتيجي الذي يمكن أن يتركه تعطيل الممرات البحرية على الاقتصاد العالمي وعلى حسابات القوى الكبرى.
وفي موازاة ذلك، برز دور الحوثيين في اليمن بوصفهم أحد الفاعلين المرتبطين بالمحور الإيراني، حيث وسعوا نطاق التهديد ليشمل حركة الملاحة في مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر. ويعني ذلك أن إيران وحلفاءها قد يصبحون قادرين على الضغط على نقطتين بحريتين بالغتي الأهمية في حركة التجارة الدولية، هما مضيق هرمز وباب المندب، الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. إن هذا التطور يعكس انتقال الصراع من مستوى المواجهة العسكرية المباشرة إلى مستوى أوسع يتمثل في توظيف أدوات التأثير الاقتصادي والجيوسياسي في إدارة الصراع.
في المقابل، واجهت الاستراتيجية الأمريكية عددًا من التحديات السياسية والعسكرية. فقد بدا أن الإدارة الأمريكية لم تولِ اهتمامًا كافيًا للتشاور مع حلفائها بشأن قرار التصعيد العسكري، وهو ما انعكس لاحقًا في تردد بعض الدول الحليفة في الانخراط في العمليات المتعلقة بتأمين الملاحة في مضيق هرمز. كما أن الدعوة الأمريكية للحلفاء للمشاركة في حماية حركة ناقلات النفط اصطدمت بحسابات اقتصادية معقدة، إذ إن سوق النفط العالمية مترابطة بطبيعتها، وأي تعطيل في تدفقات النفط عبر المضيق سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها.
ويبرز البعد الاقتصادي للصراع بوضوح عند النظر إلى أهمية مضيق هرمز في حركة الطاقة العالمية. فجزء كبير من صادرات النفط العالمية يمر عبر هذا الممر البحري، كما أن نحو تسعين في المئة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر جزيرة خرج قبل عبورها المضيق. ومن ثم فإن أي استهداف للبنية التحتية النفطية الإيرانية أو محاولة السيطرة عليها عسكريًا قد يؤدي إلى اضطراب كبير في الأسواق العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط. وفي الوقت ذاته، فإن السيطرة العسكرية على منشآت التصدير لن تحل المشكلة الأساسية، إذ سيظل النفط بحاجة إلى المرور عبر المضيق ذاته الذي يمكن أن يبقى عرضة للتهديد في ظل استمرار التصعيد.
من الناحية العسكرية، تبدو الخيارات الأمريكية محدودة نسبيًا. فالقوات الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج، والتي يقدر عددها بما بين ستين وسبعين ألف جندي، قد لا تكون كافية لفرض سيطرة حاسمة على مضيق هرمز أو على السواحل الإيرانية المطلة عليه. وفي المقابل، تمتلك إيران قدرات عسكرية كبيرة تشمل قوات نظامية إضافة إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يمتلك ترسانة واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتتيح هذه القدرات لإيران إمكانية خوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد أي وجود عسكري أمريكي في المنطقة، سواء عبر المواجهة المباشرة أو من خلال استخدام الوكلاء الإقليميين.
كما أن احتمالات التصعيد قد تشمل خيارات أخرى، مثل محاولة استهداف أو السيطرة على المواد النووية الإيرانية. غير أن هذا الخيار يواجه بدوره تعقيدات كبيرة، إذ تشير المعطيات إلى أن إيران اتخذت إجراءات احترازية لحماية منشآتها النووية، بما في ذلك إخفاء المداخل وتعزيز الحماية العسكرية، وهو ما قد يجعل أي عملية من هذا النوع معقدة ومكلفة للغاية.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية مثالًا واضحًا على طبيعة الصراعات المعاصرة التي لا تُحسم بالتفوق العسكري وحده، بل تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية في آن واحد. فإيران تعتمد على استراتيجية الرد غير المباشر عبر تهديد الممرات البحرية الحيوية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على حرية الملاحة ومنع تعطيل تدفقات الطاقة العالمية. غير أن هذه المواجهة تكشف في الوقت ذاته أن تحقيق الأهداف السياسية للحروب يظل العامل الحاسم في تحديد نتائجها النهائية. وفي هذا السياق، يبدو أن هدف النظام الإيراني يتمثل في ضمان بقائه واستمرار قدرته على الردع، في حين لا تزال الأهداف الاستراتيجية للحرب التي تخوضها الولايات المتحدة أقل وضوحًا حتى الآن.
