لا يزال هناك فارق زمنى كبير بين استخدام السياسيين عندنا لمنصات التواصل الاجتماعى، وما يجرى فى الغرب. لم تعد السوشيال ميديا تقتصر على البيانات الرسمية والمبادرات وبعض الفيديوهات الخاصة بالمؤتمرات والأنشطة السياسية، كما يحدث عندنا. بل أصبح السياسى صانع محتوى يشارك الناس أفكاره وقراراته وطموحاته. منذ توليه رئاسة الحكومة البريطانية قبل أسبوع واحد، أغرق آندى برنهام السوشيال ميديا بفيديوهاته الحية التى يتواصل فيها مع المواطنين العاديين فى الشوارع والحانات ووسائل المواصلات. حاولتُ أن أتابع كل ما يبثه من فيديوهات قصيرة، لكنى لم أستطع. خوارزميات الإنترنت جعلته ضيفا دائما لا أستطيع الفكاك منه.
مقاطع فيديو تصوره يركض عبر شوارع لندن، أو يقود أتوبيس نقل عام مُعلنا خفض أسعار التذاكر. يتحدث مع مرتادى حانة بريطانية مُعلنا عزمه خفض الضرائب على الحانات. مقطع فيديو ثالث عنوانه: «اسألوا آندى عن أى شىء؟. يتحدث عن المشردين والرعاية الاجتماعية وفواتير الكهرباء والغاز. هذا الأسلوب العفوى يتيح له الظهور أمام جماهير لا تعرفه، فى محاولة منه لبناء صورة ذهنية عنه باعتباره زعيماً قريبا من الناس. يصل إليهم مباشرة دون وسيط سواء كان صحافة أو إعلام أو بيانات رسمية. كان عُمدة نيويورك زُهران ممدانى أول من بدأ «ثورة» استخدام السوشيال ميديا فى السياسة. لم تعد فقط للتواصل الشخصى والاستمتاع والتأملات. أصبحت أداة أساسية فى التواصل المباشر مع الناس. هنا، لا حاجز بين السياسى (صانع القرار) والجمهور. يظهر المسؤول على طبيعته. لا يتخفى وراء ستار أو وسيلة إعلامية. يكتشف الناس هل هو سياسى حقيقى أم فقاعة؟.
التكنولوجيا الجديدة ووسائل التواصل غيرت تماما من طبيعة السياسة. لم يعد شعار: «دعونا نعمل فى صمت» يصلح. الفعل الذى لا يراه أحد من خلال السوشيال ميديا، كأنه لم يحدُث. نعم، الأفعال هى الأساس «الخرسانى» للبيت. لكن شاشة الموبايل هى الطلاء الذى يُظهر ما إذا كان هذا البيت جميلا أم قبيحاً؟. فى كتابه الصادر عام ١٩٦٧ بعنوان: «مجتمع الاستعراض»، يقول الفيلسوف الفرنسى جى ديبور: الحياة فى المجتمعات المعاصرة لم تعُد تُعاش بشكل مباشر بل تحولت إلى صور ومشاهد مستهلكة. حل الاستعراض محل الواقع الحقيقى. لم تعد هناك قيمة للأيديولوجيا أو البرامج السياسية والاقتصادية. الكاريزما وطريقة التقديم وعناصر الإبهار ودغدغة المشاعر هى الأهم. الآن، يخرج السياسى فى فيديو مدته ٣٠ ثانية ليتكلم فى كل شىء.. من الضرائب للرعاية الصحية والتعليم إلى الإسكان. حدث تقزيم للفكر والنقاش الجاد لصالح مثل هذه الفيديوهات.
ومع ذلك، فإن الناس لن تأكل فيديوهات وتحصل على علاج من جولات السياسيين عبر التيك توك. الواقع وحده هو الحكم. آندى برنهام يُطلق عليه حاليا رئيس وزراء التيك توك من كثرة استخدامه له. ارتفعت نسبة متابعته بشكل غير مسبوق. عمليات البحث عنه على جوجل زادت ٢٠٠٠٪ فى يوم واحد. الناخب لا يعنيه ذلك كثيرا. سؤاله الأهم: هل يستطيع زيادة قدراتى على مواجهة أعباء الحياة أم لا؟. الأيام المقبلة وحدها الكفيلة بالإجابة، وليس السوشيال ميديا.
نقلا عن المصري اليوم