مضيق هرمز ونقطة الاختناق الخفية: السلاح المالي في مواجهة إيران
لا تبدو المواجهة مع إيران في الشرق الأوسط محصورة في المجال العسكري أو في أمن الممرات البحرية. فخلف التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز، تتشكل معركة أخرى أقل وضوحًا، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل: معركة السيطرة على شبكات التمويل والتجارة الدولية التي تعتمد عليها إيران للحفاظ على قدرتها الاقتصادية.
تكشف التطورات الأخيرة أن واشنطن لا تكتفي بإعادة إنتاج سياسة العقوبات التقليدية، بل تتحرك باتجاه أكثر دقة يتمثل في استهداف الشبكات المالية التي تسمح لإيران بالالتفاف على القيود المفروضة عليها. فقد استهدفت إجراءات أميركية في أغسطس/آب 2026 شبكات مالية وشركات ووسطاء مرتبطين بما وصفته وزارة الخزانة الأميركية بنظام الظل المصرفي الإيراني، قبل أن تتبعها حملة أوسع تحت عنوان «عملية المنبوذ الاقتصادي»، ركزت على تضييق القنوات التي تتيح للاقتصاد الإيراني الاستمرار رغم العقوبات.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: بينما يتركز الاهتمام السياسي والإعلامي على مضيق هرمز باعتباره نقطة الاختناق الجغرافية الأهم في المنطقة، قد تكون نقطة الاختناق الأكثر تأثيرًا موجودة في مكان آخر؛ داخل البنية التحتية المالية العالمية.
من تجميد الأصول إلى التحكم في الشبكات
تعود جذور استخدام الأدوات المالية ضد إيران إلى أزمة الرهائن عام 1979، عندما أمر الرئيس الأميركي جيمي كارتر بتجميد ممتلكات الحكومة والبنك المركزي الإيراني الخاضعة للولاية القضائية الأميركية. كان ذلك نموذجًا تقليديًا للعقوبات يقوم على السيطرة على الأصول الموجودة داخل نطاق قانوني محدد.
لكن طبيعة القوة المالية الدولية تغيرت بصورة جوهرية خلال العقود التالية. فلم يعد التأثير مقتصرًا على تجميد الأموال، بل انتقل تدريجيًا إلى التحكم في الشبكات التي تمر عبرها الأموال والمعلومات المالية.
ويمثل نظام «سويفت» أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فالنظام ليس بنكًا ولا ينفذ عمليات الدفع بصورة مباشرة، لكنه يوفر البنية الأساسية للرسائل التي تعتمد عليها المؤسسات المالية لتنفيذ المعاملات الدولية. وبحكم موقعه المركزي في النظام المالي العالمي، أصبح الوصول إليه مصدرًا مهمًا من مصادر القوة الجيو-اقتصادية.
ومن هنا تكتسب نظرية «الاعتماد المتبادل المُسلَّح» التي طورها هنري فاريل وأبراهام نيومان أهمية خاصة في فهم طبيعة الصراع المالي. فالشبكات الاقتصادية العالمية لا تتوزع بصورة متساوية، وإنما تميل إلى التركّز حول عقد مركزية تتحكم في تدفقات واسعة. وعندما تمتلك دولة أو مجموعة دول نفوذًا قانونيًا أو مؤسسيًا على هذه العقد، فإنها تستطيع تحويل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى مصدر للضغط السياسي.
وتأخذ هذه القوة شكلين أساسيين: القدرة على مراقبة التدفقات التي تمر عبر الشبكة، أو ما يسميه الباحثان «تأثير البانوبتيكون»، والقدرة على قطع بعض الأطراف عن الشبكة، وهو «تأثير نقطة الاختناق».
سويفت: عندما تتحول البنية التحتية إلى أداة نفوذ
تاريخ العلاقة بين إيران و«سويفت» يكشف كيف تطورت هذه الآلية.
بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، تمكنت وزارة الخزانة الأميركية، في إطار برنامج تتبع تمويل الإرهاب، من الوصول إلى رسائل مالية مخزنة في موقع أميركي تابع لـ«سويفت»، وهو ما وفر للولايات المتحدة قدرة مهمة على تتبع جزء من التدفقات المالية العالمية. وبعد الكشف عن البرنامج عام 2006، دفعت الاعتراضات الأوروبية المتعلقة بحماية البيانات إلى وضع إطار تفاوضي لتنظيم عمليات نقل البيانات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
أما الوجه الآخر للقوة، أي القدرة على الاستبعاد، فقد ظهر بوضوح أكبر عام 2012، عندما قرر الاتحاد الأوروبي حظر تقديم خدمات المراسلة المالية إلى المؤسسات الإيرانية الخاضعة للعقوبات. وفي مارس/آذار من العام نفسه، تم فصل عدد من البنوك الإيرانية عن «سويفت».
وتكشف هذه الواقعة عن طبيعة مختلفة للقوة الاقتصادية الحديثة: فالدولة لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على المؤسسة حتى تتمكن من التأثير في قراراتها؛ يكفي أحيانًا امتلاك موقع مركزي داخل شبكة تجعل تكلفة تجاهلها مرتفعة للغاية بالنسبة إلى الأطراف الأخرى.
وقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018. ففي حين حاول الاتحاد الأوروبي حماية الشركات الأوروبية من العقوبات الأميركية ذات الطابع خارج الإقليم، واجهت المؤسسات المالية الدولية خطر فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي إذا استمرت في التعامل مع الجهات الإيرانية المستهدفة بالعقوبات.
وكانت محاولة أوروبا إنشاء آلية «إنستكس» للتجارة مع إيران مثالًا على صعوبة بناء بديل عملي عن البنية المالية العالمية القائمة. فقد تأسست الآلية عام 2019، لكنها انتهت عام 2023 بعد تنفيذ معاملة واحدة فقط، بما عكس الفجوة بين الرغبة السياسية في الاستقلال الاقتصادي والقدرة الفعلية على إنشاء بنية مالية بديلة.
هرمز: نقطة اختناق جغرافية لا مالية
في خضم هذه التطورات، اكتسب مضيق هرمز أهمية متزايدة بوصفه أحد أهم الممرات التي تمر عبرها تجارة الطاقة العالمية. وقد أدى استهداف ناقلة داخل المضيق، بالتزامن مع إغلاق خط أنابيب سعودي يمتد من الشرق إلى الغرب، إلى إعادة تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
لكن مساواة هرمز بنقاط الاختناق التي تتحدث عنها نظرية «الاعتماد المتبادل المُسلَّح» تحتاج إلى قدر من الدقة المفاهيمية.
فمضيق هرمز يمثل نقطة اختناق جغرافية، ترتبط قيمتها بموقعه الطبيعي وبالقدرة العسكرية على التأثير في حركة السفن عبره. أما نقاط الاختناق في الشبكات الاقتصادية العالمية، مثل البنية التحتية للمدفوعات، فتتكون نتيجة تراكم طويل من القرارات الاقتصادية والمؤسسية التي تجعل بعض الشبكات أكثر مركزية من غيرها.
والفرق لا يتعلق فقط بمصدر القوة، وإنما أيضًا بطبيعة العائد الناتج عنها. فالسيطرة على الممر البحري تمنح قدرة على التأثير في حركة التجارة وتوليد ما يمكن وصفه بعائد المرور، في حين تمنح السيطرة على الشبكات المالية قدرة على معرفة التدفقات الاقتصادية والتأثير في الوسطاء الذين يمر عبرهم النشاط التجاري.
ومن ثم، فإن هرمز وسويفت يمثلان نموذجين مختلفين من نقاط الاختناق: الأول جغرافي ومادي، والثاني شبكي ومؤسسي. غير أن النموذج الثاني قد يكون أكثر قابلية للاستخدام المستمر؛ لأنه لا يتطلب إغلاق ممر مائي أو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما يعتمد على إعادة تشكيل الحوافز والمخاطر التي تواجهها البنوك والشركات والدول.
لماذا يصعب على إيران بناء بديل؟
تكمن إحدى أهم نتائج هذه الاستراتيجية في أن إيران لم تتمكن، رغم عقود من العقوبات، من بناء بديل متكامل للبنية الأساسية للمدفوعات الدولية.
فقد طورت طهران قنوات مالية وتجارية بديلة، كما عمقت علاقاتها الاقتصادية مع روسيا وغيرها، لكن هذه القنوات لا تزال محدودة مقارنة بالبنية المالية الدولية التي تعتمد عليها التجارة العالمية. وفي الوقت نفسه، أصبحت صادرات النفط الإيرانية تعتمد بدرجة أكبر على شبكات معقدة وغير شفافة، وهو ما جعل هذه الشبكات نفسها هدفًا للعقوبات الأميركية الأخيرة.
وهنا تتضح طبيعة المعضلة الإيرانية: الالتفاف على العقوبات ممكن، لكنه يرفع تكلفة التجارة ويزيد درجة عدم الشفافية ويقلل عدد الوسطاء القادرين على التعامل مع إيران. ومع اتساع العقوبات، لا يصبح السؤال فقط: هل تستطيع إيران بيع النفط؟ بل يصبح أيضًا: كيف يمكنها تحصيل عائداته، ونقل الأموال، وتسوية المدفوعات، والحفاظ على شبكة من المؤسسات مستعدة لتحمل مخاطر العقوبات الثانوية؟
وبذلك تنتقل العقوبات من استهداف المعاملة الاقتصادية نفسها إلى استهداف القدرة على تنفيذ المعاملة.
إعادة فتح هرمز: المعركة الاقتصادية جزء من الثمن
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى الشروط التي طرحتها إيران لإعادة فتح مضيق هرمز. فقد تضمنت مطالبها تعويضات عن أضرار الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، بما يجعل البعد المالي جزءًا مباشرًا من أي تسوية محتملة بشأن المضيق.
وهذا يعني أن التفاوض حول هرمز لا يمكن فصله عن التفاوض حول النظام الاقتصادي الذي يحيط بإيران. ففتح الممر البحري قد يكون قرارًا عسكريًا أو جيوسياسيًا في ظاهره، لكنه يرتبط في جوهره بسؤال أوسع حول قدرة إيران على استعادة مواردها المالية وإعادة دمج اقتصادها في النظام التجاري العالمي.
ومن هذه الزاوية، تصبح العقوبات المالية أداة تفاوضية تتجاوز وظيفتها التقليدية كوسيلة لمعاقبة السلوك. إنها تتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة تكلفة الخيارات الإيرانية، وإلى عنصر يمكن استخدامه في تحديد شروط أي تسوية مستقبلية.
من العقوبات إلى هندسة الاعتماد المتبادل
تكشف الحالة الإيرانية عن تحول أوسع في طبيعة القوة الاقتصادية الدولية. فالعقوبات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على منع دولة ما من الوصول إلى أصول أو أسواق بعينها، وإنما تسعى إلى تحديد العقد التي لا يستطيع الاقتصاد المستهدف العمل من دونها.
وهذا التحول مهم من منظور السياسة الدولية؛ لأنه ينقل المنافسة من السيطرة على الموارد إلى السيطرة على الشبكات التي تربط الموارد بالأسواق.
وفي حالة إيران، يبدو أن واشنطن تراهن بصورة متزايدة على أن الضغط على شبكات التمويل والوسطاء والمراسلين الماليين قد يكون أكثر استدامة من مجرد استهداف الصادرات أو الأصول. وتؤكد الإجراءات الأميركية الأخيرة هذا الاتجاه من خلال التركيز على الشركات والأفراد والوسطاء الذين يشكلون حلقات في شبكة أوسع للتمويل والتجارة.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مفارقة. فكلما اتسع استخدام الشبكات المالية كسلاح جيوسياسي، ازدادت الحوافز لدى الدول المستهدفة وحلفائها للبحث عن بدائل. وقد لا تكون البدائل الحالية قادرة على منافسة النظام القائم، لكنها قد تتراكم تدريجيًا لتنتج بنية مالية أكثر تجزؤًا وأقل اعتمادًا على المراكز الغربية.
ومن ثم، فإن نجاح العقوبات في المدى القصير قد يحمل في المدى الطويل تكلفة استراتيجية محتملة تتمثل في دفع بعض الدول إلى الاستثمار في بنى مالية موازية.
الخلاصة: نقطة الاختناق التي لا تُرى
تكشف أزمة هرمز والمواجهة الاقتصادية مع إيران عن تحول مهم في مفهوم القوة في النظام الدولي. فالدولة التي تسيطر على ممر بحري تستطيع التأثير في حركة السلع، لكن الدولة التي تمتلك نفوذًا على الشبكات المالية تستطيع التأثير في قدرة الفاعلين على إجراء المعاملات التي تجعل حركة السلع ممكنة أصلًا.
لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى العقوبات المالية باعتبارها مجرد امتداد للسياسة الخارجية الأميركية التقليدية، بل باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على البنية التحتية للنظام الاقتصادي العالمي.
مضيق هرمز هو نقطة الاختناق الأكثر وضوحًا؛ إذ يمكن رؤية السفن والتهديدات العسكرية وإغلاق الممرات. أما نقطة الاختناق المالية فهي أقل ظهورًا، لكنها تعمل في مستوى أعمق: مستوى الحسابات المصرفية، والوسطاء، والمراسلات المالية، والوصول إلى العملات والأسواق.
وفي هذا المستوى تحديدًا، يبدو أن مستقبل المواجهة مع إيران لن يتحدد فقط بمن يسيطر على الممرات البحرية، وإنما أيضًا بمن يمتلك القدرة على التحكم في الشبكات التي تجعل التجارة الدولية ممكنة.
ومن ثم، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم لم يعد فقط: متى يُعاد فتح مضيق هرمز؟ وإنما: بأي شروط اقتصادية ومالية يمكن أن يُعاد دمج إيران في الشبكة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي؟
وهنا تكمن نقطة الاختناق الحقيقية: ليس في المضيق الذي تفصل بين ضفتيه المياه، وإنما في الشبكة المالية التي تربط الاقتصاد الإيراني بالعالم.
