مضيق هرمز بعد ستة أشهر: من الإغلاق البحري إلى إعادة تشكيل ميزان القوة

تقدير موقف - Foresight

بعد ستة أشهر من إغلاق إيران مضيق هرمز، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية مرتبطة بممر مائي استراتيجي، بل تحولت إلى اختبار لقدرة النظام التجاري العالمي على التكيف مع استخدام الممرات البحرية بوصفها أدوات للضغط الجيوسياسي. فالمضيق الذي يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال يشهد حركة ملاحة عند مستويات متدنية بصورة غير مسبوقة؛ إذ تراجعت رحلات سفن نقل السلع الأساسية من متوسط يقارب 95 رحلة يوميًا في شباط إلى نحو عشر رحلات فقط بعد الإغلاق في الأول من آذار، أي بانخفاض يقارب 85%.

وتكشف هذه الأرقام أن «إغلاق» هرمز لا يعني بالضرورة توقفًا ماديًا كاملًا للملاحة، وإنما يعني عمليًا تحويل المضيق من ممر تجاري طبيعي إلى منطقة عبور عالية المخاطر، لا تستطيع الشركات البحرية التعامل معها وفق قواعد التشغيل المعتادة. فالسفن التي تواصل العبور تواجه مخاطر الألغام والتشويش على أنظمة الملاحة واحتمال التعرض للهجمات، بينما تضطر سفن أخرى إلى تغيير مساراتها أو الانتظار داخل الخليج، بما يرفع تكلفة النقل والتأمين ويزيد الضغوط على سلاسل إمداد الطاقة والسلع الأساسية.

هرمز كسلاح جيوسياسي

تكمن أهمية التطور الحالي في أن إيران لا تستخدم المضيق فقط كورقة عسكرية، وإنما توظفه كأداة ضغط سياسية واقتصادية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد ربطت طهران إعادة فتح الممر البحري بقبول شروطها، بما في ذلك وقف العمليات العسكرية ورفع العقوبات وسحب القوات الأمريكية من محيط إيران.

وبذلك، انتقل مضيق هرمز من كونه ممرًا دوليًا للتجارة والطاقة إلى ورقة تفاوضية مباشرة في الصراع. وهذا التحول يغير طبيعة الأزمة؛ فكل يوم يستمر فيه انخفاض حركة الملاحة يرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية على الأطراف المقابلة، ويمنح إيران قدرة إضافية على التأثير في حسابات الخصوم، حتى في ظل إدراكها أن الإغلاق الكامل للمضيق قد يضر بمصالحها وبمصالح الدول الخليجية التي تعتمد عليها اقتصاديًا.

ومن هنا يمكن فهم إصرار طهران على عدم التعامل مع هرمز باعتباره مجرد ممر بحري ينبغي فتحه أو إغلاقه، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة تفاوضية أوسع. فإيران تحاول تحويل السيطرة الجغرافية التي يمنحها موقعها على المضيق إلى نفوذ سياسي، بحيث يصبح استئناف حركة الملاحة جزءًا من ثمن التسوية، وليس مجرد إجراء تقني منفصل عن مسار الحرب.

من الإغلاق إلى «الملاحة الانتقائية»

لكن التطور الأكثر دلالة ربما لا يتمثل في انخفاض عدد السفن فقط، وإنما في تحول طبيعة الحركة داخل المضيق. فالملاحة لم تتوقف بالكامل، وإنما أصبحت انتقائية ومحدودة، وهو ما يفسر استمرار بعض السفن في العبور رغم المخاطر.

وتشير بيانات «كبلر» إلى أن متوسط الحركة ارتفع مؤقتًا إلى 36 رحلة يوميًا بعد مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية في حزيران، قبل أن يتراجع إلى نحو 15 رحلة يوميًا مع تجدد القتال بصورة متقطعة بين 8 تموز و22 آب.

ويكشف هذا التذبذب أن حركة الملاحة أصبحت مرتبطة مباشرة بمستوى التصعيد العسكري والسياسي. فعندما تنخفض احتمالات المواجهة، تزداد استعدادات شركات النقل للمخاطرة؛ وعندما يتجدد القتال، تتراجع الحركة سريعًا. وبذلك لم يعد أمن الملاحة قائمًا على وجود قواعد ثابتة ومستقرة، وإنما أصبح تابعًا للتقييم اللحظي للمخاطر.

وهذا يفرض على شركات النقل إعادة تعريف مفهوم «المسار الآمن». فالمسار الذي كان معروفًا ومحددًا وفق قواعد المنظمة البحرية الدولية لم يعد بالضرورة المسار الذي تختاره السفن، إذ أصبحت الحسابات الأمنية تتداخل مع الاعتبارات الملاحية التقليدية.

حرب المسارات داخل المضيق

أنتج الصراع أيضًا جغرافيا جديدة للملاحة داخل هرمز. فقبل الحرب كانت السفن تعتمد بصورة أساسية المسار المعتمد من المنظمة البحرية الدولية، والذي يمر في وسط الممر المائي. أما بعد اندلاع الحرب، فقد برز مساران رئيسيان: مسار شمالي بمحاذاة الساحل الإيراني، ومسار جنوبي بين الساحل العُماني ومناطق يُحتمل وجود ألغام فيها.

وتكشف هذه المسارات عن مفارقة استراتيجية مهمة: حتى عندما تستمر الملاحة، فإن طبيعة استخدامها للمضيق تكون قد تغيرت. فالسفن لم تعد تتحرك وفق معيار الكفاءة الملاحية وحده، وإنما وفق توازن بين القرب من مصادر التهديد، وإمكانية الحماية، واحتمالات وجود الألغام، ومدى موثوقية بيانات الملاحة.

وأصبح الأمر أكثر تعقيدًا مع ارتفاع نسبة السفن التي يصعب تحديد مساراتها. فبحسب «كبلر»، أصبحت نحو ثلثي عمليات العبور «مجهولة المسار» منذ انهيار وقف إطلاق النار في 8 تموز، مقابل أقل من 1% قبل الحرب.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن ثلثي السفن فقدت مساراتها بصورة فعلية، وإنما يشير إلى صعوبة مراقبة الحركة البحرية نتيجة إيقاف أجهزة التتبع أو التشويش على الإشارات أو نقص صور الأقمار الصناعية. وهذه النقطة ذات أهمية استراتيجية؛ لأن غياب المعلومات أصبح في حد ذاته جزءًا من الأزمة الأمنية.

فكلما تقلصت قدرة الأطراف الدولية على معرفة مواقع السفن ومساراتها، زادت صعوبة تقييم المخاطر والتخطيط لعمليات الإنقاذ والحماية، كما يصبح من الأصعب التمييز بين حركة تجارية عادية وحركة مرتبطة بالعمليات العسكرية أو بتجاوز مناطق الخطر.

المذكرة الأمريكية–الإيرانية تكشف هشاشة الاستقرار

ويقدم التحسن المؤقت الذي شهدته الملاحة بعد مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية في حزيران مؤشرًا مهمًا على أن الأزمة ليست تقنية ولا مرتبطة بالبنية المادية للمضيق، وإنما سياسية في جوهرها.

فبمجرد تحسن البيئة السياسية، ارتفع متوسط العبور إلى 36 رحلة يوميًا. لكن هذا التحسن لم يستمر، وعادت الحركة إلى الانخفاض مع تجدد القتال.

وهذا يعني أن أي حل مستدام لأزمة هرمز لا يمكن أن يقوم فقط على ترتيبات بحرية أو نشر مزيد من وسائل المراقبة والحماية، وإنما يحتاج إلى تسوية سياسية تقلل احتمالات استخدام المضيق كسلاح في الصراع.

فالقدرة على فتح المضيق ماديًا لا تعني بالضرورة استعادة الملاحة الطبيعية. والسفينة قد تكون قادرة تقنيًا على المرور، لكن الشركة المالكة قد تعتبر المخاطر الأمنية والتأمينية والتجارية مرتفعة إلى درجة تجعل المرور غير اقتصادي.

ومن هنا يصبح الفرق جوهريًا بين «فتح المضيق» و«استعادة أمن الملاحة». الأول قرار سياسي أو عسكري يمكن اتخاذه في لحظة، أما الثاني فهو عملية تحتاج إلى استعادة الثقة، ووضوح قواعد الاشتباك، وتراجع مخاطر الألغام والهجمات والتشويش.

أزمة تتجاوز النفط

عادة ما يُنظر إلى مضيق هرمز من زاوية أسواق النفط، لكن الأزمة الحالية تكشف أن تداعياته أوسع بكثير.

فالمضيق يمثل شريانًا رئيسيًا لحركة الطاقة، لكن اضطراب الملاحة يؤثر أيضًا في حركة السفن والسلع والتأمين وإمدادات الشركات والموانئ، فضلًا عن حركة العمالة البحرية. ولهذا فإن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يحولها من أزمة طاقة إلى أزمة لوجستية إقليمية ذات آثار عالمية.

وتكشف أرقام المنظمة البحرية الدولية البعد الإنساني لهذه الأزمة بوضوح. فنحو ستة آلاف بحّار ونحو 500 سفينة ما زالوا عالقين في الخليج، فيما تشير حصيلة الأشهر الستة الماضية إلى مقتل ما لا يقل عن 20 بحارًا وعاملًا في موانئ نتيجة حوادث أو هجمات في المنطقة.

وهنا تنتقل الأزمة من مستوى الجغرافيا السياسية إلى مستوى أمن الإنسان. فكلما طال أمد إغلاق المضيق، أصبحت المخاطر التي يواجهها البحارة جزءًا من تكلفة الحرب، وليس مجرد نتيجة جانبية لها.

وكانت المنظمة البحرية الدولية قد أطلقت في حزيران مبادرة لإجلاء أكثر من 11 ألف بحار عالقين في الخليج، قبل أن تتعطل الجهود عقب هجوم على سفينة. كما غادرت 57 سفينة مضيق هرمز في إطار خطة لإجلاء البحارة العالقين، وكان على متنها نحو 1100 شخص.

لكن بقاء نحو 500 سفينة وستة آلاف بحار في الخليج يوضح أن عمليات الإجلاء الجزئية لم تعالج جوهر المشكلة، وإنما خففت من آثارها الإنسانية مؤقتًا.

هل تستطيع الأسواق تجاوز هرمز؟

الدرس الأهم الذي تقدمه الأزمة هو أن الأسواق قادرة على التكيف مع تعطيل أحد الممرات الاستراتيجية، لكنها لا تستطيع إلغاء أهميته.

فشركات النقل تستطيع تغيير مساراتها، والدول تستطيع البحث عن طرق بديلة، ويمكن لأسواق الطاقة إعادة توزيع بعض الإمدادات، لكن هذه البدائل تأتي بتكاليف أعلى وبقدرة محدودة على تعويض الحجم والأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز.

ولهذا فإن انخفاض الحركة بنسبة تقارب 85% لا يعني أن الاقتصاد العالمي توقف، وإنما يعني أن تكلفة استمرار النشاط الاقتصادي ارتفعت. وكلما طال أمد الأزمة، ازدادت احتمالات انتقال هذه التكلفة إلى أسعار الطاقة والنقل والتأمين والسلع، مع اختلاف حجم التأثير من سوق إلى أخرى.

كما أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع بعض الدول والشركات إلى إعادة تقييم استثماراتها في البنية التحتية للطاقة والنقل، وتسريع مشروعات خطوط الأنابيب والموانئ البديلة ومخزونات الطاقة الاستراتيجية، في محاولة لتقليص الاعتماد على الممرات البحرية التي يمكن أن تتحول فجأة إلى ساحات صراع.

إيران بين الضغط والارتداد

ورغم أن إغلاق هرمز يمنح إيران ورقة ضغط مهمة، فإن استخدام هذه الورقة ينطوي أيضًا على مخاطر استراتيجية بالنسبة إلى طهران.

فالمضيق ليس مجرد منفذ لصادرات دول الخليج، بل يقع في بيئة اقتصادية تعتمد فيها إيران نفسها على حركة التجارة والطاقة. وكلما طال تعطيل الملاحة، زادت احتمالات أن تتحول الورقة الإيرانية من وسيلة ضغط على الخصوم إلى مصدر ضغط على الاقتصاد الإقليمي الذي تتحرك فيه إيران نفسها.

كما أن استمرار تهديد الملاحة قد يوفر مبررًا لتكثيف الوجود العسكري الدولي في الخليج، وهو ما قد يتعارض جزئيًا مع أحد الأهداف التي أعلنتها طهران، والمتمثل في دفع القوات الأمريكية بعيدًا عن محيطها.

وهنا تظهر المفارقة: كلما نجحت إيران في جعل هرمز أكثر خطورة، زادت الحاجة الدولية إلى تأمينه، وكلما زاد الحضور العسكري الدولي لتأمينه، تعقدت البيئة الأمنية التي تتحرك فيها إيران.

لذلك، فإن استراتيجية إغلاق المضيق تبدو أكثر فاعلية باعتبارها ورقة تفاوضية مؤقتة منها باعتبارها سياسة طويلة الأجل.

المعركة الحقيقية: من يملك قرار العودة إلى الوضع الطبيعي؟

في نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال الاستراتيجي الأساسي في ما إذا كان مضيق هرمز «مفتوحًا» أم «مغلقًا». فالمعطيات تشير إلى وضع أكثر تعقيدًا: المضيق مفتوح بصورة محدودة، لكنه لم يعد يعمل باعتباره ممرًا تجاريًا طبيعيًا.

المشكلة الحقيقية هي من يملك القدرة على تحديد شروط العودة إلى الوضع الطبيعي.

إيران تريد أن تجعل استعادة الملاحة جزءًا من ثمن التسوية السياسية، بينما تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها منع طهران من تحويل ممر دولي حيوي إلى أداة ابتزاز استراتيجي. أما شركات الملاحة، فتتحرك وفق معيار مختلف تمامًا: الربحية مقابل المخاطر.

وهذا يخلق ثلاثة مستويات متداخلة للأزمة: مستوى عسكري يتعلق بالسيطرة والردع، ومستوى سياسي يتعلق بشروط التسوية، ومستوى اقتصادي–تجاري يتعلق بقرار الشركات ما إذا كان العبور يستحق المخاطرة.

هرمز بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها

حتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق يعيد فتح المضيق، فمن غير المرجح أن تعود حركة الملاحة فورًا إلى مستويات ما قبل الحرب.

فالثقة التي كانت موجودة قبل الأزمة تعرضت لضربة قوية. وشركات النقل التي أعادت حساباتها الأمنية والتأمينية ستحتاج إلى وقت قبل العودة إلى أنماط التشغيل السابقة. كما أن استمرار المخاوف المتعلقة بالألغام والتشويش والهجمات سيجعل العودة الكاملة إلى المسار التقليدي عملية تدريجية، لا قرارًا فوريًا.

ولهذا، فإن الأثر الأبعد للأزمة قد لا يتمثل في عدد السفن التي توقفت خلال الأشهر الستة الماضية، وإنما في إعادة تعريف المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز في الحسابات الاستراتيجية والتجارية العالمية.

فقد أثبتت الأزمة أن السيطرة على ممر بحري ضيق يمكن أن تتحول إلى نفوذ يتجاوز حجمه الجغرافي بكثير، وأن أمن التجارة العالمية لا يتوقف على قدرة السفن على الإبحار فقط، وإنما على قدرة النظام الدولي على ضمان أن تظل الممرات البحرية مفتوحة وقابلة للاستخدام في أوقات الحرب والأزمات.

وبذلك، أصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر للطاقة. لقد تحول إلى مؤشر على طبيعة النظام الأمني في الخليج، ومقياس لمدى قدرة القوى الكبرى على حماية حرية الملاحة، واختبار مباشر لحدود القوة الإيرانية في توظيف الجغرافيا كسلاح سياسي.

والسؤال الذي سيحسم مستقبل الأزمة ليس فقط: متى يُفتح هرمز؟ بل: بأي شروط، وتحت أي ترتيبات أمنية، ومن يضمن ألا يتحول إغلاقه مرة أخرى إلى أداة لإعادة رسم قواعد الصراع الإقليمي؟