الدور الذي لعبته فرنسا في ميلاد الولايات المتحدة
في الرابع من يوليو/تموز 1776، أعلنت المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة انفصالها عن التاج البريطاني وإعلان استقلالها، في حدث يُعدّ أحد أهم المنعطفات في التاريخ الحديث. غير أن الدعم الذي قدمته فرنسا للثورة الأمريكية لا يحظى، في الغالب، بالقدر الذي يستحقه من الاهتمام لدى عامة الأمريكيين.
فحتى قبل توقيع إعلان الاستقلال، كانت ملكية لويس السادس عشر تنظر إلى تمرد المستعمرات الثلاث عشرة بوصفه فرصة سانحة لإضعاف غريمتها التقليدية، بريطانيا. وبعد مرور قرنين ونصف القرن على ذلك الحدث التأسيسي، لا تزال ظروف نشأة الولايات المتحدة تثير اهتمام المؤرخين والباحثين، إذ تداخلت فيها حسابات الانتقام الجيوسياسي مع أفكار عصر التنوير، لتجعل من الدور الفرنسي عاملاً محورياً، وإن كان كثيراً ما يُغفل، في ولادة الدولة الأمريكية.
خلف إعلان الاستقلال... صراع أوروبي طويل
وراء إعلان الاستقلال الأمريكي تختبئ قصة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في التنافس التاريخي بين أكبر قوتين أوروبيتين في ذلك العصر: فرنسا وبريطانيا.
فعلى الرغم من أن الثوار الأمريكيين أعلنوا استقلالهم السياسي، فإنهم كانوا لا يزالون بعيدين عن حسم الحرب لصالحهم. وفي المقابل، كانت فرنسا تتابع تطورات التمرد عبر الأطلسي باهتمام متزايد.
وبالنسبة للملك الشاب لويس السادس عشر، لم يكن تمرد المستعمرات مجرد حركة تحرر، بل فرصة غير متوقعة للانتقام من الخصم التاريخي لفرنسا. ولذلك، لم يكن الدعم الفرنسي في بدايته تعبيراً عن تعاطف مع ثورة ديمقراطية ناشئة، بقدر ما كان امتداداً لصراع استراتيجي استمر عقوداً بين باريس ولندن.
الإنجليز في أمريكا... الذين أرادوا البقاء إنجليزاً
منذ القرن السابع عشر، تنافست فرنسا وإنجلترا على السيطرة على أمريكا الشمالية، وجزر الكاريبي، والهند، وطرق التجارة العالمية.
وفي ذلك الوقت، امتدت فرنسا الجديدة من خليج سانت لورانس شمالاً حتى خليج المكسيك جنوباً، وكانت تسيطر على نحو نصف الأراضي الواقعة شرق نهر المسيسيبي.
وبالنسبة للملكتين الفرنسية والإنجليزية، لم تكن أمريكا سوى إحدى ساحات الصراع العالمي الدائر بينهما.
ومع ذلك، لم يمنع هذا التنافس استمرار العلاقات التجارية بين الجانبين. فمنذ القرن السابع عشر، ازدهرت التجارة بين مستعمرات نيو إنجلاند البريطانية وجزر الهند الغربية الفرنسية، حيث كانت الأخشاب، والمواد الغذائية، والماشية، ومواد البناء تعبر المحيط الأطلسي بصورة منتظمة.
وبذلك، نشأت علاقات اقتصادية وثيقة بين المستعمرين الفرنسيين والأمريكيين حتى قبل الاستقلال.
لكن في تلك المرحلة، لم يكن أحد يتصور الانفصال عن لندن، إذ كان سكان المستعمرات يعتبرون أنفسهم، قبل كل شيء، إنجليزاً يعيشون في أمريكا، ويرغبون في البقاء كذلك. كما أن المستعمرات الثلاث عشرة، التي بلغ عدد سكانها نحو 2.5 مليون نسمة، لم تكن ترى نفسها بعد أمة واحدة أو شعباً موحداً.
صدمة حرب السنوات السبع
تغير كل شيء مع اندلاع حرب السنوات السبع عام 1756، التي جمعت بريطانيا وبروسيا في مواجهة فرنسا والنمسا وروسيا.
وانتهى هذا الصراع العالمي، الذي غذّته المنافسة الاستعمارية، بتوقيع معاهدة باريس عام 1763، التي اضطرت فرنسا بموجبها إلى التخلي عن عدد كبير من ممتلكاتها لصالح بريطانيا، بما في ذلك كندا، وأجزاء من لويزيانا، وبعض جزر الهند الغربية، والسنغال، ومعظم مستعمراتها في الهند، باستثناء عدد محدود من المراكز التجارية مثل بونديشيري وتشانداناغور.
وقد اعتُبرت تلك الهزيمة إهانة وطنية قاسية لفرنسا.
ومنذ ذلك الحين، ترسخت داخل قصر فرساي قناعة مفادها أن الأولوية القصوى تتمثل في منع بريطانيا من الانفراد بالهيمنة العالمية.
ورغم أن لويس السادس عشر كان بطبعه ميالاً إلى السلام، فإنه تعامل مع الأمر بحذر، إذ كانت فرنسا قد خرجت من الحرب منهكة، واضطرت إلى إعادة بناء أسطولها البحري.
ومع ذلك، ظل الهدف الاستراتيجي واضحاً: استعادة النفوذ الفرنسي وتقويض القوة البريطانية. ومن المنظور الفرنسي، فإن خسارة بريطانيا جزءاً من إمبراطوريتها ستكون الرد الطبيعي على الإذلال الذي تعرضت له فرنسا عام 1763.
الضرائب البريطانية... الشرارة التي أشعلت الثورة
في الوقت نفسه، فرض التاج البريطاني سلسلة من الضرائب الجديدة على مستعمراته الأمريكية لتعويض التكاليف الباهظة التي تكبدها خلال حرب السنوات السبع، وشملت الضرائب السكر، والشاي، والأوراق الرسمية.
وكان قانون الطوابع (Stamp Act) من أكثر هذه الإجراءات إثارة للغضب، إذ فرض رسوماً على جميع الوثائق المطبوعة.
ولأن المستعمرين لم يكن لهم أي تمثيل داخل البرلمان البريطاني، فقد رفضوا دفع الضرائب، ورفعوا شعارهم الشهير:
«لا ضرائب من دون تمثيل.»
ومنذ عام 1774، بدأ شارل غرافييه، كونت دو فيرجين، الذي عُين وزيراً للخارجية في عهد لويس السادس عشر، متابعة التوترات المتصاعدة بين الإمبراطورية البريطانية ومستعمراتها الثلاث عشرة عن كثب.
وجاءت نقطة التحول في ربيع عام 1775، عندما اندلعت أولى المواجهات المسلحة بين المتمردين والقوات البريطانية في ليكسينغتون بولاية ماساتشوستس، لتبدأ بذلك حرب الاستقلال الأمريكية.
بين الواقعية السياسية وأفكار التنوير
بالنسبة لفيرجين، مثلت هذه الأزمة فرصة تاريخية يجب استثمارها بحكمة، من دون التسرع في إدخال فرنسا في حرب جديدة.
لكن المفارقة كانت واضحة: كيف يمكن لملكية مطلقة أن تدعم متمردين يثورون على ملكهم؟
في البداية، كان الدافع فرنسياً بحتاً، يقوم على منطق الواقعية السياسية (Realpolitik)، إذ أرادت باريس استخدام الأمريكيين لإضعاف عدوها التاريخي.
وفي جوهر الصراع، كان هناك أيضاً تنافس حضاري وثقافي طويل بين فرنسا وبريطانيا، الأمر الذي جعل الدعم الفرنسي يستند، أولاً وقبل كل شيء، إلى حسابات استراتيجية.
ولهذا اتسم الموقف الفرنسي بازدواجية واضحة؛ فلويس السادس عشر لم يكن قادراً، رسمياً، على تأييد تمرد ضد نظام ملكي، لكنه كان يدرك، في الوقت ذاته، أن كل انتكاسة تتعرض لها بريطانيا تخدم المصالح الفرنسية.
غير أن اختزال السياسة الفرنسية في الحسابات الجيوسياسية وحدها سيكون تبسيطاً مخلّاً.
فمنذ عقود، كانت أفكار عصر التنوير تنتشر في الصالونات الفكرية الباريسية، حيث أسهم مفكرون مثل مونتسكيو، وفولتير، وجان جاك روسو في نشر مفاهيم الحرية، وفصل السلطات، وسيادة الشعب، وهي الأفكار التي استلهم منها عدد من قادة الثورة الأمريكية رؤيتهم السياسية.
وهكذا، تعايش داخل فرنسا مساران متوازيان: الأول يمثله الملك لويس السادس عشر، الذي تحرك بدافع المصلحة الاستراتيجية وإضعاف بريطانيا، والثاني يجسده قطاع من النخبة الفرنسية، الذي رأى في الثورة الأمريكية تجسيداً عملياً لمبادئ التنوير.
وتجسدت هذه الثنائية بوضوح في شخصيتين بارزتين؛ فبينما سعى لويس السادس عشر إلى تحقيق أهداف جيوسياسية، اعتبر الماركيز دو لافاييت، الذي أصبح لاحقاً أشهر شخصية فرنسية في الثورة الأمريكية، أن دعم الأمريكيين يمثل قضية أخلاقية وفكرية قبل أن يكون خياراً سياسياً.
الدبلوماسية في الظل
قبل إبرام أي تحالف رسمي، اختارت الحكومة الفرنسية العمل بسرية تامة.
ففي الثاني من مايو/أيار 1776، فوّض لويس السادس عشر وزير خارجيته فيرجين بإرسال الأسلحة والذخائر والمؤن إلى المتمردين بصورة سرية، عبر الكاتب ورجل الأعمال بيير أوغستان كارون دو بومارشيه، الذي أنشأ شركة واجهة حملت اسم «رودريغ هورتاليز وشركاه» لإخفاء الدور الرسمي للحكومة الفرنسية.
وأصبح بومارشيه الوسيط السري الأساسي بين فرساي والثوار الأمريكيين، حيث تولى تمويلهم وتزويدهم بالإمدادات طوال الفترة التي امتنعت فيها فرنسا عن إعلان دعمها بصورة رسمية.
وكان هذا الحذر الفرنسي مدفوعاً باعتبارين رئيسيين:
أولاً، لم يكن واضحاً بعد ما إذا كان المتمردون سيعلنون الاستقلال فعلاً، أو سيتمكنون من الصمود أمام القوة العسكرية البريطانية.
وثانياً، كان التدخل المبكر ينذر بجرّ فرنسا إلى حرب جديدة قد تنتهي بكارثة مالية ودبلوماسية أخرى.
وبعد شهرين فقط، في الرابع من يوليو/تموز 1776، أصبح الانفصال بين التاج البريطاني ومستعمراته الثلاث عشرة أمراً واقعاً، مع اعتماد إعلان الاستقلال، الذي غيّر اسم الكيان الجديد من «المستعمرات المتحدة» إلى «الولايات المتحدة الأمريكية».
إلا أن الحرب لم تنتهِ عند هذا الحد.
ففي سبتمبر/أيلول 1776، تمكنت القوات البريطانية من السيطرة على مدينة نيويورك، الأمر الذي جعل القادة الأمريكيين بحاجة ماسة إلى حلفاء جدد.
وفي محاولة لتسريع التقارب مع فرنسا، أوفد الكونغرس الأمريكي بنجامين فرانكلين إلى باريس مبعوثاً خاصاً.
وعندما وصل فرانكلين إلى العاصمة الفرنسية في ديسمبر/كانون الأول 1776 طالباً دعم لويس السادس عشر، سرعان ما تحول إلى شخصية تحظى بشعبية واسعة داخل الأوساط الباريسية.
فقد أبهر الفرنسيين باختراعاته وشخصيته الكاريزمية، وأصبح ضيفاً دائماً على الصالونات الفكرية، حيث رأى فيه كثيرون تجسيداً للمثل الجديدة القادمة من العالم الجديد.
ورغم ذلك، ظل وزير الخارجية فيرجين متمسكاً باستراتيجيته القائمة على انتظار اللحظة المناسبة لتحويل الدعم السري إلى تحالف معلن.
ولم تأتِ تلك اللحظة إلا في أكتوبر/تشرين الأول 1777، عندما حققت قوات جورج واشنطن انتصاراً حاسماً على الجيش البريطاني في معركة ساراتوغا بولاية نيويورك، وأجبرت نحو ستة آلاف جندي بريطاني على الاستسلام.
وأقنع هذا الانتصار العسكري حكومة فرساي بأن المتمردين باتوا قادرين على الانتصار.
وبعد أشهر قليلة، وقّعت فرنسا معاهدة تحالف مع الولايات المتحدة، وأعلنت دخولها الحرب رسمياً ضد بريطانيا، وهو القرار الذي غيّر بصورة جذرية مسار حرب الاستقلال الأمريكية.
