أزمة سد النهضة: مصر ترفع سقف الرسائل الدبلوماسية مع إثيوبيا
تدخل أزمة سد النهضة الإثيوبي مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي، في ظل ارتفاع نبرة الخطاب المصري بشأن قضية الأمن المائي، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول القواعد المنظمة لملء وتشغيل السد. ويبدو أن القاهرة تسعى، من خلال رسائلها الأخيرة، إلى إعادة التأكيد على أن ملف مياه النيل لم يعد مجرد قضية تفاوضية قابلة للإدارة عبر المسارات الفنية وحدها، وإنما بات يرتبط مباشرة بمفهوم الأمن القومي المصري.
وجاءت أحدث هذه الرسائل على لسان رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أكد احتفاظ مصر بحقها في الدفاع عن أمنها المائي في مواجهة ما تعتبره إجراءات أحادية من جانب إثيوبيا. وتزامن ذلك مع تصريحات أكثر حدة من جانب وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، ووزير الخارجية بدر عبد العاطي، بما يعكس اتساقًا نسبيًا في الخطاب الرسمي المصري بشأن طبيعة الأزمة وحدود الخيارات المتاحة أمام القاهرة.
من التفاوض إلى تدويل الأزمة
على مدى أكثر من عقد، اتخذت أزمة سد النهضة مسارًا تفاوضيًا متدرجًا، شاركت فيه مصر وإثيوبيا والسودان، إلى جانب وساطات وتحركات دولية وإقليمية متعددة. إلا أن جولات التفاوض لم تنجح في الوصول إلى اتفاق ملزم ينظم بصورة نهائية قواعد ملء السد وتشغيله، ولا سيما خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.
وتعتبر القاهرة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في حق إثيوبيا في التنمية أو الاستفادة من مواردها المائية، وإنما في غياب قواعد ملزمة تحكم كيفية تشغيل السد بما يضمن عدم إلحاق ضرر جوهري بدولتي المصب.
في المقابل، تنظر إثيوبيا إلى مشروع السد باعتباره عنصرًا محوريًا في خططها لتوليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، وترفض ما تعتبره محاولات لتقييد حقها في استخدام مواردها الطبيعية.
ومن ثم، فإن جوهر الخلاف لم يعد يتعلق بالسد باعتباره مشروعًا هندسيًا فحسب، وإنما بمسألة أوسع تتصل بكيفية توزيع المخاطر والمنافع بين دول حوض النيل الشرقي.
الأمن المائي بوصفه قضية وجودية
تكشف التصريحات المصرية الأخيرة عن انتقال واضح في توصيف الأزمة من كونها نزاعًا مائيًا إلى قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي.
وقد استخدمت القاهرة في مناسبات متعددة تعبيرات تؤكد أن مياه النيل تمثل مسألة أمن قومي، وأنها لن تتعامل مع أي إجراءات يمكن أن تؤثر في حصتها أو في انتظام تدفقات المياه باعتبارها مجرد خلاف فني.
وفي هذا السياق، وصف وزير الموارد المائية والري المصري سد النهضة بأنه مشروع غير مشروع من وجهة نظر القاهرة، مؤكدًا أن جميع الخيارات القانونية المتاحة تظل مطروحة. كما تحدث مسؤولون مصريون عن حق الدولة في الدفاع عن أمنها المائي، بما يعكس توسيع نطاق الرسالة الموجهة إلى الجانب الإثيوبي والمجتمع الدولي في الوقت نفسه.
غير أن رفع سقف الخطاب لا يعني بالضرورة انتقال الأزمة إلى مواجهة مباشرة؛ إذ تظل القاهرة تؤكد، في الوقت ذاته، أهمية المسارات الدبلوماسية والقانونية والمؤسسات الدولية.
حدود الضغط الدبلوماسي
تواجه الاستراتيجية المصرية تحديًا أساسيًا يتمثل في مدى قدرة الضغوط الدبلوماسية والقانونية على دفع إثيوبيا إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وقبول اتفاق ملزم.
ويرى عدد من الخبراء المصريين أن الموقف المصري أصبح أكثر وضوحًا وحزمًا، لكنه لا يزال يتحرك ضمن إطار سياسي وقانوني يترك مساحة أمام التفاوض. ويشير هذا التوجه إلى أن القاهرة تحاول الجمع بين توضيح خطوطها الحمراء وبين تجنب إغلاق الباب أمام أي مسار يمكن أن يقود إلى تسوية.
وتزداد أهمية هذا التوازن في ظل الطبيعة المعقدة للنزاع؛ فالقضية لا تتعلق بعلاقة ثنائية بين مصر وإثيوبيا فقط، بل ترتبط بالسودان، ودول حوض النيل، والاتحاد الأفريقي، والمؤسسات الدولية، فضلًا عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
السياق الداخلي الإثيوبي وتأثيره في المفاوضات
يأتي تصعيد الخطاب المصري في وقت تواجه فيه إثيوبيا تحديات داخلية متعددة، وهو ما قد يؤثر في قدرتها أو رغبتها في الانخراط في جولة جديدة من المفاوضات.
وتشير تحليلات مصرية إلى أن التوترات الداخلية في مناطق مثل أمهرة وتيغراي وعفار، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية، تجعل الملف الداخلي يحتل موقعًا متقدمًا في حسابات الحكومة الإثيوبية.
لكن ربط مستقبل المفاوضات حصريًا بالوضع الداخلي الإثيوبي قد يكون مضللًا؛ إذ إن سد النهضة أصبح منذ سنوات جزءًا من تصور إثيوبي أوسع للسيادة والتنمية وإدارة الموارد الطبيعية، وهو ما يمنح الملف أهمية تتجاوز الحسابات الحكومية الآنية.
ومن ثم، فإن أي تغيير في البيئة السياسية الداخلية قد يؤثر في أسلوب إدارة الملف، لكنه لا يعني بالضرورة تغييرًا جذريًا في جوهر الموقف الإثيوبي.
البعد الدولي للأزمة
تسعى مصر، بالتوازي مع خطابها الثنائي تجاه إثيوبيا، إلى إبقاء أزمة سد النهضة ضمن أجندة المؤسسات الدولية.
وتكتسب الأمم المتحدة أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها منصة تسمح للقاهرة بإعادة طرح القضية باعتبارها مسألة تتعلق بالقانون الدولي، وعدم الإضرار بالدول المشاطئة، والتعاون في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
كما ظهرت بين الحين والآخر مبادرات من دول أخرى للمساعدة في تقريب وجهات النظر، ومن بينها استعداد إيطاليا للاضطلاع بدور في الوساطة. غير أن نجاح أي وساطة جديدة سيظل مرتبطًا بمدى استعداد مصر وإثيوبيا لتقديم تنازلات متبادلة حول القضايا الجوهرية.
العودة إلى أفريقيا
لا تنفصل أزمة سد النهضة عن إعادة تعريف مصر لعلاقاتها مع القارة الأفريقية، ولا سيما دول حوض النيل.
فالقاهرة تحاول، إلى جانب المسار القانوني والدبلوماسي الدولي، التأكيد على أهمية التعاون بين دول حوض النيل، بما في ذلك تطوير آليات مشتركة لإدارة الموارد المائية وتحقيق التنمية دون الإضرار بمصالح دول أخرى.
وتفرض هذه المقاربة على الدبلوماسية المصرية العمل في مسارين متوازيين: الأول يتعلق بإدارة النزاع المباشر مع إثيوبيا، والثاني ببناء شبكة أوسع من العلاقات والشراكات داخل أفريقيا يمكن أن تدعم مفهوم التعاون المائي الإقليمي.
هل تضيق مساحة التسوية؟
رغم ارتفاع مستوى الخطاب السياسي المصري، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن فرص التسوية قد انتهت. فالخلافات المتعلقة بسد النهضة لا تزال قابلة، من الناحية النظرية، للمعالجة من خلال اتفاق يحدد قواعد واضحة للملء والتشغيل، وآليات التعامل مع فترات الجفاف، وتبادل البيانات، وإدارة المخاطر المستقبلية.
لكن التحدي الرئيسي يكمن في الفجوة بين تصورات الطرفين بشأن طبيعة الاتفاق المطلوب.
فمصر تطالب باتفاق قانوني ملزم، بينما تتمسك إثيوبيا بدرجة أكبر من المرونة في إدارة السد، وترفض ما تعتبره قيودًا دائمة على حقها في استخدام مواردها المائية.
وهنا تتحدد صعوبة استئناف المفاوضات: فالمشكلة ليست في غياب قنوات الحوار فحسب، وإنما في اختلاف تعريف كل طرف لما ينبغي أن تنتجه تلك المفاوضات.
ما الذي يمكن أن يعيد المفاوضات إلى مسارها؟
قد يتطلب استئناف المفاوضات توافر مجموعة من الشروط السياسية والفنية، في مقدمتها وجود صيغة مقبولة من الطرفين بشأن قواعد تشغيل السد خلال فترات الجفاف، وآلية واضحة لتبادل البيانات، ونظام للتعامل مع النزاعات المحتملة.
كما يمكن أن تلعب الأطراف الإقليمية والدولية دورًا في توفير ضمانات سياسية أو فنية تساعد على تقليص مخاوف الطرفين.
ويظل السودان طرفًا مهمًا في أي ترتيبات مستقبلية، نظرًا إلى موقعه الجغرافي وتأثره المباشر بتدفقات النيل الأزرق وبعمليات تشغيل سد النهضة.
ومن شأن إدماج المصالح السودانية بصورة أكثر وضوحًا في أي مسار تفاوضي أن يساعد في الانتقال من صيغة الصراع الثنائي إلى مقاربة إقليمية أكثر شمولًا.
بين الدبلوماسية والردع
تكشف التصريحات المصرية الأخيرة عن محاولة لتحقيق توازن دقيق بين الدبلوماسية والردع.
فمن ناحية، تستمر القاهرة في التأكيد على الحلول السلمية والقانون الدولي والمؤسسات الدولية. ومن ناحية أخرى، تسعى إلى توضيح أن استمرار الإجراءات الأحادية لن يُنظر إليه باعتباره وضعًا يمكن أن يستمر بلا نهاية.
وتكمن أهمية هذا التوازن في أن الرسائل الموجهة إلى إثيوبيا ليست هي نفسها الرسائل الموجهة إلى المجتمع الدولي. ففي الحالة الأولى، تسعى القاهرة إلى التأكيد على حدود قدرتها على تحمل المخاطر المائية؛ وفي الثانية، تحاول تثبيت تصورها القانوني والسياسي للنزاع وإبقاء القضية ضمن إطار الشرعية الدولية.
النيل واختبار التعاون الإقليمي
تتجاوز أزمة سد النهضة حدود الخلاف المصري الإثيوبي؛ فهي تمثل اختبارًا أوسع لقدرة دول حوض النيل على إدارة مورد طبيعي مشترك في ظل تفاوت كبير في احتياجات التنمية ومصادر القوة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة دخلت مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات المائية مع الحسابات السياسية والأمنية والإقليمية. وكلما طال أمد غياب الاتفاق، ازدادت احتمالات تحول السد إلى عنصر دائم في معادلات الأمن الإقليمي في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
ولهذا، فإن السؤال المركزي لم يعد فقط: هل ستستأنف مصر وإثيوبيا المفاوضات؟ وإنما أيضًا: هل تستطيع الأطراف التوصل إلى صيغة تجعل التنمية الإثيوبية والأمن المائي لدولتي المصب جزءًا من معادلة واحدة، بدلًا من التعامل معهما باعتبارهما مصلحتين متعارضتين بالضرورة؟
وتظل الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء نظام مستدام للتعاون المائي، وهو مسار يتطلب ترتيبات قانونية واضحة، وآليات فنية للشفافية وتبادل البيانات، وإرادة سياسية تسمح بالتعامل مع مياه النيل باعتبارها موردًا مشتركًا يحتاج إلى إدارة جماعية، لا مجرد أداة في التنافس الإقليمي.
