الشرق الأوسط بعد الحرب إعادة تشكيل النظام الإقليمي أم تفكك قواعده؟
ليس الحديث عن «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» جديدًا. فقد ظهر المفهوم مبكرًا بعد اتفاق أوسلو، عندما طرح شيمون بيريز تصورًا لمنطقة جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والتعاون الإقليمي بدلًا من منطق الصراع. ثم عاد المصطلح إلى الواجهة خلال حرب لبنان عام 2006، حين تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كوندوليزا رايس عن «مخاض شرق أوسط جديد».
لكن الشرق الأوسط الذي يُعاد الحديث عن تشكيله اليوم يختلف جذريًا عن تلك التصورات. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمشروعات للسلام أو التكامل الاقتصادي، وإنما بإعادة توزيع القوة تحت ضغط الحرب، وتبدل التحالفات، وتراجع بعض مراكز النفوذ، وصعود أخرى. وإذا كانت مشاريع التسعينيات قد افترضت أن الاقتصاد يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة بناء الإقليم، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن القوة العسكرية والأمنية والجغرافيا الاستراتيجية هي التي أصبحت تحدد مسارات التغيير.
من حرب غزة إلى صراع على النظام الإقليمي
منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد المواجهة محصورة في قطاع غزة. فقد امتدت تداعياتها إلى لبنان وسوريا واليمن والبحر الأحمر، قبل أن تنتقل المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران إلى مستوى أكثر مباشرة، مع انخراط الولايات المتحدة في الصراع.
وبذلك أصبح من الصعب النظر إلى هذه التطورات باعتبارها أزمات منفصلة. فما يجري هو تداخل بين ساحات متعددة، تتقاطع فيها الحسابات الإسرائيلية والإيرانية والأميركية والتركية والخليجية، إلى جانب أدوار القوى المحلية المسلحة.
والسؤال لم يعد فقط: من ينتصر في هذه المواجهة أو تلك؟ بل أصبح أوسع نطاقًا: من يمتلك القدرة على الردع؟ ومن يستطيع التحكم في الممرات الاستراتيجية؟ ومن يملك التأثير في مستقبل الدول التي تتوزع فيها السلطة بين مؤسسات رسمية وتنظيمات مسلحة وقوى خارجية؟
هذه الأسئلة تكشف أن الصراع الحالي يتجاوز حدود الجبهات العسكرية إلى صراع على قواعد النظام الإقليمي ذاته.
تراجع النفوذ الإيراني لا يعني نهاية القدرة على التعطيل
أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب هو تراجع المحور الإيراني مقارنة بما كان عليه قبل سنوات. فقد تعرضت حركة حماس وحزب الله لضربات شديدة، وانتهى نظام بشار الأسد الذي كان يمثل حلقة جغرافية وسياسية مهمة في شبكة النفوذ الإيراني، فيما انتقلت المواجهة إلى الأراضي الإيرانية نفسها.
لكن اختزال المشهد في تراجع النفوذ الإيراني سيكون مضللًا. فضعف القدرة على إدارة شبكة الحلفاء لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على إرباك الخصوم.
فإيران لا تزال تمتلك أوراقًا استراتيجية، أبرزها موقعها الجغرافي على مضيق هرمز، وشبكة علاقاتها مع جماعات مسلحة في المنطقة، فضلًا عن قدرة هذه الجماعات على التأثير في الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي. وما يحدث في هرمز، إلى جانب استمرار التهديدات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، يؤكد أن طهران وحلفاءها ما زالوا قادرين على فرض تكلفة مرتفعة على خصومهم حتى في ظل تراجع بعض أدوات النفوذ التقليدية.
ومن هنا ينبغي التمييز بين النفوذ والقدرة على التعطيل. فقد تخسر دولة جزءًا من قدرتها على فرض ترتيبات سياسية مستقرة، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بقدرة كبيرة على منع خصومها من تحقيق أهدافهم بسهولة.
إسرائيل: تفوق عسكري لا يساوي نفوذًا سياسيًا
في المقابل، توسعت حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية بصورة واضحة. فقد أثبتت إسرائيل قدرتها على تنفيذ عمليات واسعة، وتدمير منشآت استراتيجية، واستهداف قيادات عسكرية وسياسية، وفرض ترتيبات أمنية ميدانية في أكثر من ساحة.
لكن هذا التفوق العسكري لا يترجم تلقائيًا إلى قدرة على بناء نظام سياسي بديل.
فالقدرة على تدمير بنية عسكرية لا تعني القدرة على إنتاج سلطة شرعية ومستقرة في غزة. والقدرة على إضعاف حزب الله لا تكفي وحدها لبناء دولة لبنانية قادرة على احتكار القوة. كما أن توجيه ضربات إلى إيران لا يضمن تغيير سلوكها على المدى الطويل أو إنهاء قدرتها على إعادة بناء أدوات الردع.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات المرحلة الراهنة: إسرائيل أصبحت أكثر قدرة على استخدام القوة، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة السياسية على تحويل نتائج القوة العسكرية إلى نظام إقليمي مستقر يخدم مصالحها على المدى الطويل.
فالقوة تستطيع خلق وقائع جديدة، لكنها لا تنتج بمفردها الشرعية السياسية، ولا تضمن القبول الإقليمي، ولا تحسم الأسئلة المتعلقة بالحكم وإعادة الإعمار وترتيبات الأمن المستقبلية.
قوى إقليمية جديدة في معادلة أكثر تعقيدًا
في الوقت نفسه، لا يجري التحول الإقليمي حول إسرائيل وإيران وحدهما. فتركيا تعمل على توسيع حضورها في سوريا والمشرق، فيما تسعى دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاستراتيجية وعدم الاعتماد حصريًا على المظلة الأميركية.
وتتحرك دول أخرى، مثل باكستان، بصورة أكثر وضوحًا في حسابات الردع والأمن الإقليمي، بينما تتزايد أهمية القوى المتوسطة التي تستطيع التحرك بين أكثر من محور بدلًا من الانتماء الكامل إلى تحالف واحد.
وهذا التحول يعكس انتقال المنطقة تدريجيًا من نموذج يقوم على محاور واضحة إلى نموذج أكثر سيولة، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية، ويمكن فيه للدولة نفسها أن تكون شريكًا لواشنطن في ملف، وأن تنسق مع بكين أو موسكو في ملف آخر، وأن تحتفظ بقنوات اتصال مع خصوم شركائها.
وبذلك يصبح الشرق الأوسط أقل قابلية للاختزال في ثنائية «إسرائيل وإيران» أو «أميركا ومحور المقاومة»، وأكثر قربًا من نظام متعدد المراكز ومفتوح على ترتيبات متغيرة.
الممرات البحرية تتحول إلى أدوات للقوة
من أكثر مظاهر التحول دلالة أن الممرات البحرية لم تعد مجرد بنية تحتية للتجارة العالمية، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من معادلة الصراع.
مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس تمثل نقاط اختناق استراتيجية تربط أمن الشرق الأوسط بحركة الطاقة والتجارة العالمية. وأي اضطراب طويل الأمد في هذه الممرات لا ينعكس فقط على الدول المحيطة بها، بل يمتد أثره إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم والتجارة الدولية.
وهذا يعني أن السيطرة على الجغرافيا لم تعد مقتصرة على امتلاك الأراضي أو الحدود البرية. فقد أصبح القدرة على تهديد طرق التجارة والطاقة أحد أشكال النفوذ الاستراتيجي التي يمكن أن تستخدمها الدول والقوى غير الحكومية في إدارة الصراع.
ومن هذه الزاوية، فإن البحر الأحمر والخليج العربي لم يعودا مجرد مسارح ثانوية للصراع، بل أصبحا جزءًا من مركز المعادلة الإقليمية.
هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟
إذا كان المقصود بـ«إعادة تشكيل الشرق الأوسط» تغير موازين القوة والتحالفات وأدوار الفاعلين، فإن التحول واضح بالفعل. أما إذا كان المقصود ظهور نظام إقليمي جديد ومكتمل، فإن هذا الاستنتاج لا يزال سابقًا لأوانه.
فلا يوجد حتى الآن منتصر حاسم قادر على فرض قواعده على المنطقة بأكملها. ولا تزال القضية الفلسطينية من دون تسوية سياسية نهائية، ولم تُحسم العلاقة المستقبلية بين إسرائيل وإيران، فيما تبقى سوريا ولبنان واليمن ساحات مفتوحة على احتمالات متعددة.
كما أن تراجع قوة طرف لا يعني بالضرورة صعود طرف آخر بصورة تلقائية. فالفراغات التي تنتجها الحروب قد تتحول إلى ساحات تنافس جديدة بدلًا من أن تتحول إلى مناطق نفوذ مستقرة.
لهذا، ربما يكون الوصف الأدق للمرحلة الراهنة هو أننا أمام شرق أوسط يعاد توزيع القوة فيه، وليس أمام نظام إقليمي جديد اكتمل بناؤه.
نحو نظام إقليمي متعدد المراكز
السيناريو الأكثر ترجيحًا هو اتجاه المنطقة نحو نظام متعدد المراكز، أكثر تسلحًا وأقل يقينًا.
ستظل إسرائيل واحدة من أقوى القوى العسكرية في المنطقة، لكنها ستواجه حدودًا سياسية أمام تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات إقليمية مستقرة. وستكون إيران أضعف مما كانت عليه في بعض ساحات نفوذها، لكنها ستحتفظ بقدرات تسمح لها بالتعطيل ورفع تكلفة أي محاولة لعزلها أو إخراجها من المعادلة.
أما تركيا ودول الخليج، فمن المرجح أن تستمر في توسيع أدوارها، ليس فقط باعتبارها قوى اقتصادية، وإنما باعتبارها أطرافًا أكثر استقلالًا في صياغة الحسابات الأمنية والسياسية للمنطقة.
وفي المقابل، ستظل الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، لكن طبيعة حضورها قد تتغير. فالمشكلة لم تعد فقط في حجم القوة الأميركية، وإنما في مدى ثقة حلفائها بأن واشنطن ستستخدم هذه القوة لحمايتهم في كل أزمة وبالشروط التي يتوقعونها.
هدم النظام القديم قبل بناء الجديد
في المحصلة، قد يكون من الأدق القول إن الشرق الأوسط يمر حاليًا بمرحلة تفكك لقواعد النظام القديم أكثر من كونه دخل مرحلة استقرار لنظام جديد.
فالحرب أعادت تعريف مفهوم الردع، ووسعت أهمية الممرات البحرية، وأضعفت بعض شبكات النفوذ، ودفعت قوى إقليمية إلى تنويع تحالفاتها، ورفعت من أهمية القوة العسكرية والأمنية في تحديد موازين المنطقة.
لكن إعادة توزيع القوة لا تعني بالضرورة إعادة بناء النظام.
ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط؟ فهذا يحدث بالفعل بدرجات متفاوتة. السؤال الأكثر أهمية هو: من يشارك في تشكيل النظام الإقليمي القادم، ومن يمتلك القدرة على التأثير في قواعده، ومن سيكتفي بدفع كلفة التحولات التي يقررها الآخرون؟
فما يتشكل في المنطقة اليوم لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل أيضًا القدرة على تحويل القوة إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار. وهذه هي المعركة التي لم تُحسم بعد.