التصعيد الحوثي واختبار تحالف مكة

تقدير موقف - Foresight

لم يعد التصعيد بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن مجرد فصل جديد من الصراع اليمني الممتد، بل بدأ يفرض نفسه باعتباره اختبارًا أوسع لترتيبات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فمع انتقال المواجهة من ساحات القتال داخل اليمن إلى استهداف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية وطرق الملاحة في البحر الأحمر، تتسع دائرة المخاطر لتشمل أمن الطاقة والتجارة الدولية، وتضع في الوقت نفسه الترتيبات الدفاعية الإقليمية الجديدة أمام أول اختبار عملي لها.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس الماضي، والذي نص على أن يُنظر إلى أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجومًا عليها جميعًا. غير أن صياغة الالتزام، رغم دلالتها السياسية، تركت مساحة واسعة لتحديد طبيعة الاستجابة وفق ظروف كل أزمة وطلب الدولة المتعرضة للهجوم.

ومن هنا، فإن التصعيد الحالي لا يختبر قدرة السعودية على مواجهة الحوثيين فحسب، وإنما يختبر أيضًا مدى قدرة الترتيبات الأمنية الجديدة على الانتقال من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى التنسيق العملي.

من استهداف الحدود إلى الضغط على البنية التحتية

أحد أهم التحولات في المواجهة يتمثل في اتساع نطاق الأهداف التي تتعرض لها السعودية. فالهجمات الحوثية لم تعد تقتصر على أهداف عسكرية أو مناطق حدودية، بل باتت تستهدف أو تهدد منشآت حيوية ومصالح اقتصادية، في وقت تواجه فيه المملكة أصلًا بيئة أمنية إقليمية شديدة التعقيد.

وتزداد حساسية البنية التحتية النفطية السعودية بسبب اعتماد المملكة على شبكة واسعة من المنشآت وخطوط النقل والموانئ التي تربط مناطق الإنتاج بمراكز التصدير. ولذلك فإن أي استهداف لهذه المنظومة لا يحمل قيمة عسكرية فقط، بل يمكن أن تكون له انعكاسات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود السعودية.

وتبرز أهمية خط شرق-غرب، المعروف باسم "بترولاين"، في هذا السياق؛ إذ يوفر للمملكة مسارًا لتصدير النفط عبر ساحل البحر الأحمر، بما يقلل اعتماد جزء من صادراتها على طرق تمر عبر الخليج ومضيق هرمز. وبالتالي، فإن تهديد هذه البنية في ظل اضطراب أمني أوسع في المنطقة يضاعف الضغوط على قدرة المملكة على الحفاظ على مرونة صادراتها النفطية.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التصعيد: لم تعد المعركة تدور فقط حول إلحاق خسائر عسكرية بالطرف الآخر، وإنما حول التأثير في قدرته الاقتصادية وحركته الاستراتيجية.

البحر الأحمر: الجبهة التي تربط اليمن بأمن الطاقة العالمي

إذا كان استهداف الأراضي السعودية يمثل البعد المباشر للأزمة، فإن التطورات على الساحل الغربي لليمن تمنحها بعدًا إقليميًا ودوليًا أكبر.

فالبحر الأحمر وباب المندب لا يمثلان مجرد امتداد جغرافي للصراع اليمني، وإنما يشكلان أحد أهم الممرات البحرية التي تربط التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن امتداد نفوذ الحوثيين على أجزاء من الساحل اليمني، وما رافقه من سيطرة على ميناء المخا، يضيف بعدًا جديدًا إلى معادلة الصراع. وقد أفادت تقارير حديثة بسيطرة الحوثيين على المخا وتقدمهم على الساحل الغربي، بما زاد المخاوف بشأن الملاحة في باب المندب.

وتزداد أهمية هذا التطور في ظل الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز. فإذا أصبحت إحدى أهم نقاط عبور الطاقة في الخليج عرضة للاضطراب، ثم تزامن ذلك مع تهديد مماثل في باب المندب، فإن هامش المناورة أمام الدول المصدرة والمستوردة للطاقة يتقلص بصورة كبيرة.

ومن ثم، فإن معادلة الأمن السعودي لم تعد محصورة في حماية الحدود الجنوبية. إنها أصبحت مرتبطة في الوقت نفسه بحماية المنشآت النفطية، وتأمين طرق التصدير، والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومنع تحول الساحل اليمني إلى منصة ضغط دائمة على المملكة.

الحوثيون وإعادة تعريف ميزان الردع

تكشف التطورات الأخيرة أيضًا عن مشكلة أعمق تتعلق بميزان الردع في اليمن. فعلى الرغم من سنوات العمليات العسكرية والضغوط التي تعرضت لها جماعة الحوثيين، فإنها احتفظت بقدرة على شن هجمات بعيدة المدى واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة البحرية. وتشير تقارير حديثة إلى أن الجماعة طورت خلال السنوات الماضية قدرات صاروخية وبحرية أكثر تعقيدًا، وهو ما جعل احتواء تهديدها أكثر صعوبة.

وبالتالي، فإن استمرار الهجمات لا يعني بالضرورة أن الحوثيين يمتلكون قدرة على تحقيق حسم عسكري شامل، لكنه يشير إلى قدرتهم على رفع تكلفة الأمن السعودي وخلق حالة من عدم اليقين المستمر.

وهذا النوع من الردع غير المتكافئ يمثل تحديًا للدول التي تمتلك تفوقًا تقنيًا وعسكريًا أكبر؛ إذ لا يحتاج الطرف الأضعف إلى تدمير الخصم حتى يحقق أثرًا استراتيجيًا، بل يكفيه أحيانًا إبقاء منشآته الحيوية وطرق تجارته تحت التهديد.

اتفاق مكة أمام أول اختبار عملي

في هذا السياق، تكتسب اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية خاصة. فقد أُعلن عند توقيعها في مكة أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا عليها جميعًا، مع التأكيد على تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي.

لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في نص الاتفاق وحده، وإنما في كيفية تفسيره عند وقوع أزمة حقيقية.

فالالتزام بالدفاع المشترك لا يعني بالضرورة أن الاستجابة لكل هجوم ستكون إرسال قوات أو الدخول في حرب مباشرة. وقد أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن طبيعة الدعم ستُحدد من خلال المشاورات وبناءً على طبيعة الهجوم واحتياجات الدولة المعنية.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق يتمثل في السؤال الآتي: هل يمكن للدول الثلاث أن تطور آلية استجابة مشتركة لا تجعل الالتزام بالدفاع الجماعي مرادفًا تلقائيًا للدخول في حرب مفتوحة؟

المعضلة الباكستانية

تواجه باكستان في هذه الأزمة معادلة دقيقة. فمن ناحية، ترتبط بإرث طويل من العلاقات الدفاعية والاستراتيجية مع السعودية، ومن ناحية أخرى تحاول الحفاظ على مساحة دبلوماسية تسمح لها بالتعامل مع مختلف أطراف البيئة الإقليمية.

ولهذا فإن الدخول المباشر في مواجهة عسكرية مع الحوثيين يمكن أن يحول الالتزام الدفاعي من أداة ردع إلى تورط عسكري واسع في حرب إقليمية معقدة.

وقد أكد وزير الدفاع الباكستاني في سبتمبر أن اتفاق مكة يمكن أن يصبح فعالًا في حال استمرار الهجمات على السعودية، ما يعكس وجود التزام سياسي واضح، لكنه لا يحسم وحده شكل التدخل العسكري أو مستواه.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص التحالف: الالتزام السياسي قد يكون أكثر سهولة من الالتزام العسكري.

فالدول تستطيع إصدار بيانات التضامن والإدانة بسرعة، لكن تحويل هذه المواقف إلى عمليات عسكرية مشتركة يعني تحمل تكاليف استراتيجية وسياسية يصعب فصلها عن حسابات كل دولة ومصالحها الإقليمية.

تركيا بين الشراكة مع السعودية والحسابات الإقليمية

الموقف التركي أكثر تعقيدًا بدوره. فأنقرة ترتبط بعلاقات دفاعية واقتصادية متنامية مع الرياض، لكنها في الوقت ذاته تحرص على إدارة علاقاتها مع إيران، ولا تريد أن يتحول اتفاق مكة إلى إطار صدام مباشر مع طهران.

ومنذ توقيع الاتفاق، شددت تركيا على أنه دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، كما أكد فيدان أن إيران ليست محددة باعتبارها تهديدًا مشتركًا في نص الاتفاق.

وهذا التوضيح مهم لفهم حدود الاتفاق. فوجود التزام بالدفاع الجماعي لا يعني بالضرورة وجود تصور مشترك للتهديد. وقد تكون هذه إحدى نقاط القوة السياسية للاتفاق، لأنها تسمح للدول الثلاث بالتعاون دون الاتفاق على خصم مشترك، لكنها قد تصبح في الوقت ذاته مصدرًا للغموض عندما تتعرض إحدى الدول لهجوم من جهة ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالح دولة أخرى في المنطقة.

واشنطن وحدود الضمانات الخارجية

التطورات الحالية تثير كذلك سؤالًا أوسع حول مستقبل الاعتماد السعودي على المظلة الأمنية الأمريكية. فالتقارير الأخيرة تشير إلى أن واشنطن تتعامل بحذر مع طلبات الانخراط العسكري المباشر في المواجهة، في ظل انشغالها بأزمات إقليمية متعددة.

وهذا لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة في العلاقة الأمنية بين الرياض وواشنطن، لكنه يعكس تحولًا مهمًا في التفكير السعودي: هل يمكن الاعتماد على الشراكات الخارجية التقليدية وحدها في بيئة أمنية تتعدد فيها مصادر التهديد؟

وقد يكون إنشاء ترتيبات إقليمية مثل اتفاق مكة جزءًا من محاولة بناء طبقة إضافية من الأمن الجماعي، بحيث لا تبقى الاستجابة للأزمات الإقليمية مرتبطة حصريًا بالقوى الدولية الكبرى.

لكن بناء هذه الطبقة الجديدة يحتاج إلى أكثر من توقيع اتفاقية. فهو يتطلب آليات واضحة للتشاور، وتنسيقًا استخباراتيًا، وتكاملًا في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتحديدًا مسبقًا لأشكال الدعم التي يمكن تقديمها في كل سيناريو.

اختبار التحالف يتجاوز مسألة إرسال القوات

لذلك، فإن قياس نجاح اتفاق مكة فقط من خلال سؤال: "هل سترسل تركيا وباكستان قوات إلى السعودية؟" قد يكون تبسيطًا للمشكلة.

فالردع الجماعي يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة، من تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي إلى الدفاع الجوي والصاروخي، وتأمين المنشآت الحيوية، وحماية الملاحة البحرية، والتعاون الصناعي والعسكري.

وتشير الاتفاقية نفسها إلى توسيع مجالات التعاون الدفاعي، وليس فقط الالتزام بالقتال المشترك.

ومن هذه الزاوية، قد يكون التصعيد الحالي فرصة لاختبار البنية المؤسسية للاتفاق أكثر من كونه اختبارًا لمبدأ التدخل العسكري المباشر.

معركة تتجاوز اليمن

في جوهرها، تكشف الأزمة السعودية-الحوثية عن تحوّل الصراع اليمني إلى جزء من معادلة أمنية إقليمية أوسع. فاليمن لم يعد مجرد ساحة نزاع داخلي أو مواجهة سعودية-حوثية؛ بل أصبح موقعًا تتقاطع فيه قضايا أمن الخليج، وأمن الطاقة، والملاحة الدولية، والتنافس الإقليمي، وإعادة تشكيل التحالفات.

وتزداد خطورة الوضع عندما تتزامن الضغوط على باب المندب مع اضطرابات هرمز. ففي هذه الحالة، يصبح أمن الطاقة مرتبطًا بممرين استراتيجيين في وقت واحد، بينما تواجه السعودية تحديات من اتجاهات متعددة. وقد وصفت تحليلات حديثة الوضع بأنه ضغط متزامن على المملكة من عدة جبهات، مع تأثير مباشر على إنتاج النفط وقدرات التصدير.

ولهذا فإن القضية لم تعد فقط: كيف ترد السعودية على الحوثيين؟

السؤال الأوسع هو: كيف يمكن بناء منظومة أمن إقليمي قادرة على التعامل مع تهديدات عابرة للحدود، دون أن يؤدي الرد عليها إلى توسيع نطاق الحرب؟

خاتمة

يمثل التصعيد الحالي بين السعودية والحوثيين اختبارًا مبكرًا لمنظومة الأمن الإقليمي الجديدة التي بدأت تتشكل في الشرق الأوسط. فالمواجهة تكشف هشاشة الحدود بين الأمن الداخلي والأمن الإقليمي، وتوضح أن استهداف منشأة نفطية أو طريق ملاحي يمكن أن يتحول سريعًا إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية ودولية.

أما اتفاق مكة، فإن قيمته المستقبلية لن تتحدد فقط بما ورد في نصه، وإنما بقدرته على إنتاج آليات عملية للردع والتنسيق وإدارة الأزمات. فالمعضلة ليست في إعلان التضامن، وإنما في تحديد حدود الالتزام عندما يصبح تنفيذ التعهد مكلفًا سياسيًا وعسكريًا.

وفي هذا السياق، تبدو المصالح الوطنية لكل من السعودية وتركيا وباكستان عاملًا حاسمًا في تحديد طبيعة الاستجابة. فلكل دولة حساباتها تجاه إيران، واليمن، والولايات المتحدة، وأمن الطاقة، وموازين القوى الإقليمية.

وعليه، فإن التصعيد الحوثي لا يختبر فقط قدرة السعودية على حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، بل يختبر أيضًا ما إذا كانت الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة قادرة على الانتقال من التضامن السياسي إلى الردع المنظم، ومن الاتفاقات المعلنة إلى آليات فعلية لإدارة الأزمات.

وقد يكون هذا هو الاختبار الأهم لاتفاق مكة: ليس ما إذا كان سيتحول إلى تحالف يخوض حربًا جديدة، وإنما ما إذا كان قادرًا على منع الأزمات من التحول أصلًا إلى حروب إقليمية أوسع.