القرن الأفريقي بين تنافس القوى الإقليمية وتداعيات أزمة البحر الأحمر
لم تعد التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي قابلة للفصل عن التحولات الأوسع في أمن البحر الأحمر والتنافس الإقليمي على الموانئ وممرات التجارة والنفوذ السياسي. فقد أصبحت منطقة تضم إثيوبيا وإريتريا والصومال وأرض الصومال والسودان وجيبوتي جزءًا من بيئة أمنية مترابطة، تتقاطع فيها النزاعات المحلية مع المصالح الخليجية والدولية.
ويزداد تعقيد المشهد مع استمرار التوتر حول مضيق باب المندب، وتداخل تداعيات الحرب في اليمن مع أزمات السودان وإثيوبيا والصومال. وفي هذا السياق، لا تبدو أزمات القرن الأفريقي مجرد نزاعات داخلية منفصلة، بل تتأثر بدرجات متفاوتة بشبكة من التفاعلات العابرة للحدود، تشمل الأمن البحري، وتجارة الطاقة، والاستثمارات في الموانئ، والتنافس على الموارد، والدعم العسكري والسياسي لأطراف محلية.
وتبرز دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه المعادلة باعتبارها أحد الفاعلين الخليجيين الذين وسعوا حضورهم الاقتصادي والسياسي والأمني في القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة. وتثير طبيعة هذا الحضور نقاشًا متزايدًا حول الحدود الفاصلة بين الاستثمار الاقتصادي واستخدام البنية التحتية التجارية والموانئ باعتبارها أدوات للنفوذ الجيوسياسي.
البحر الأحمر والموانئ: عندما يتداخل الاقتصاد مع الجغرافيا السياسية
يمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط، وهو ما يمنح الموانئ الواقعة على جانبيه أهمية تتجاوز وظائفها التجارية المباشرة.
وفي هذا السياق، توسعت استثمارات الشركات الإماراتية، ولا سيما «موانئ دبي العالمية» (DP World)، في عدد من الموانئ والمنشآت اللوجستية في منطقة القرن الأفريقي. وتشير المادة الأصلية إلى مواقع مثل بربرة وبوصاصو وعصب باعتبارها مكونات مهمة في شبكة الحضور الإماراتي على الساحل الغربي للبحر الأحمر وخليج عدن.
ولا يعني الاستثمار في الموانئ بالضرورة، في حد ذاته، تحول هذه المنشآت إلى أدوات عسكرية أو سياسية. إلا أن أهمية هذه المواقع الجغرافية، مقترنة بالتنافس الإقليمي على أمن البحر الأحمر، تجعل الاستثمارات في البنية التحتية البحرية ذات آثار جيوسياسية محتملة.
ومن هنا يمكن فهم الموانئ باعتبارها جزءًا من مفهوم أوسع للقوة الاقتصادية؛ إذ تستطيع السيطرة أو النفوذ على عقد لوجستية مهمة أن تمنح الدولة أو الشركة المعنية قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق، والتأثير في مسارات التجارة، وتعزيز العلاقات مع الحكومات المحلية.
وتصبح هذه الوظيفة أكثر أهمية في بيئة تعاني فيها بعض دول القرن الأفريقي من ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة، حيث يمكن للاستثمارات الخارجية أن تتقاطع بصورة مباشرة مع الاعتبارات الأمنية والسياسية.
اليمن والقرن الأفريقي: ضفتا أزمة واحدة
لا يمكن تحليل أمن البحر الأحمر بمعزل عن الحرب في اليمن. فالتوتر في الضفة العربية للبحر الأحمر امتد تأثيره إلى الضفة الأفريقية، ولا سيما مع تصاعد الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثيين على الملاحة في منطقة باب المندب والبحر الأحمر.
وقد أدى ذلك إلى إعادة تعريف أمن البحر الأحمر باعتباره منظومة واحدة تتأثر فيها التطورات على جانبي الممر البحري بعضها ببعض. فاضطراب الملاحة في باب المندب لا ينعكس فقط على دول الخليج واليمن، وإنما يؤثر أيضًا في الدول الأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
وتشير المادة إلى أن التنافس السعودي-الإماراتي في اليمن ساهم في إعادة تشكيل الحسابات الأمنية في القرن الأفريقي، خصوصًا في السودان والصومال وإريتريا. ووفق هذا الطرح، انتقل جزء من التنافس الخليجي من الساحة اليمنية إلى المجال الأفريقي، حيث أصبحت العلاقات مع الحكومات والقوى المحلية إحدى أدوات إدارة المصالح الإقليمية.
لكن تفسير التطورات في القرن الأفريقي من خلال العامل الخليجي وحده سيكون غير كافٍ. فالأزمات الداخلية، والتنافس على السلطة، والنزاعات الإثنية والإقليمية، وضعف المؤسسات، والصراعات على الموارد، كلها عوامل سابقة ومؤثرة في مسار الأحداث. ومن ثم، فإن التدخل الخارجي يمكن أن يكون عاملًا مضاعفًا للصراع، لكنه لا يفسر بمفرده جذوره.
التنافس السعودي-الإماراتي وأزمة السودان
يعد السودان أحد أبرز الأمثلة على التداخل بين النزاع الداخلي والتنافس الإقليمي.
فالحرب السودانية أعادت تشكيل البيئة الأمنية في البحر الأحمر، وأوجدت حوافز لدى القوى الإقليمية لتعزيز علاقاتها مع الأطراف المتصارعة. وتشير المادة الأصلية إلى اتهامات موجهة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، في حين اتجهت السعودية بدرجة أكبر نحو التعامل مع الحكومة السودانية والقوات المسلحة السودانية.
وتحتاج هذه الادعاءات إلى التعامل معها باعتبارها جزءًا من الجدل السياسي حول الحرب السودانية، لا باعتبارها حقائق مكتملة بذاتها، خصوصًا أن طبيعة الدعم الخارجي لأطراف النزاع أصبحت موضوعًا لتقارير واتهامات متبادلة بين أطراف إقليمية ومحلية.
لكن بغض النظر عن درجة صحة كل ادعاء على حدة، فإن استمرار المنافسة الإقليمية على النفوذ في السودان يضيف طبقة جديدة إلى صراع داخلي شديد التعقيد. فكلما حصلت الأطراف المحلية على موارد أو دعم خارجي، زادت قدرتها على الاستمرار في القتال، وهو ما يمكن أن يطيل أمد النزاع ويصعّب فرص التسوية.
وبذلك يصبح السودان مثالًا على العلاقة التفاعلية بين الحرب الداخلية والتنافس الإقليمي: فالصراع المحلي يوفر مساحة للتدخل الخارجي، بينما يمكن للتدخل الخارجي بدوره أن يؤثر في توازن القوى داخل الصراع.
إثيوبيا: الموقع الجغرافي في قلب التنافس
تمثل إثيوبيا حالة أكثر تعقيدًا. فهي دولة غير ساحلية، لكنها تقع في موقع استراتيجي يجعل استقرارها وثقلها السياسي مؤثرين في أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وترى المادة الأصلية أن العلاقات بين الحكومة الإثيوبية والإمارات شهدت تطورًا كبيرًا، وأن الدعم الاقتصادي والعسكري الإماراتي لعب دورًا مهمًا في تعزيز الشراكة بين الطرفين. كما توجه المادة اتهامات إلى أبوظبي بتقديم دعم عسكري للحكومة الإثيوبية، وربطت ذلك بالتوترات الإقليمية مع السودان.
غير أن توصيف إثيوبيا باعتبارها «وكيلًا» لدولة خارجية يحتاج إلى قدر من الحذر التحليلي. فإثيوبيا تمتلك مصالحها وأولوياتها وحساباتها الأمنية الخاصة، كما أن سياستها الخارجية لا يمكن اختزالها في علاقتها بدولة واحدة.
وتكمن أهمية إثيوبيا في أن أي تدهور كبير في وضعها الداخلي يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدودها، بالنظر إلى حجمها السكاني وموقعها الجغرافي وعلاقاتها مع السودان والصومال وإريتريا وجنوب السودان، إضافة إلى دورها التاريخي في مؤسسات الأمن الإقليمي.
ومن ثم، فإن استقرار إثيوبيا لا يمثل قضية داخلية فحسب، بل عنصرًا من عناصر الاستقرار الإقليمي في شرق أفريقيا.
النزاعات الداخلية وحدود التفسير الخارجي
تقدم التطورات الداخلية في إثيوبيا مثالًا مهمًا على ضرورة عدم تفسير أزمات المنطقة من منظور التدخلات الخارجية فقط.
فالصراعات بين الحكومة المركزية والقوى الإقليمية، والتوترات في أقاليم مثل تيغراي وأمهرا وأوروميا، ترتبط بتاريخ طويل من التنافس على السلطة والموارد وشكل الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم.
وتشير المادة إلى ظهور تحالف معارض واسع يضم قوى سياسية ومسلحة متعددة في مواجهة حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد.
لكن قدرة مثل هذا التحالف على التحول إلى بديل سياسي مستقر ليست نتيجة تلقائية لاتساع قاعدة المعارضة. فالتعدد الداخلي للقوى المعارضة يمكن أن يمثل مصدر قوة، لكنه قد يصبح أيضًا مصدر خلاف إذا لم تتفق هذه القوى على مشروع سياسي مشترك وترتيبات واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية.
ولهذا، فإن مستقبل الأزمة الإثيوبية يرتبط ليس فقط بموازين القوى العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الأطراف على بناء صيغة سياسية تستوعب التعدد الإقليمي والمجتمعي داخل الدولة.
الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي: حدود التأثير الخارجي
توجه المادة الأصلية انتقادات حادة إلى السياسة الأميركية تجاه إثيوبيا، وترى أن واشنطن لم تتعامل بما يكفي مع جذور الأزمة، كما تنتقد دور الاتحاد الأفريقي في إدارة النزاعات الإقليمية.
ومن منظور تحليلي، تكشف هذه الانتقادات عن مشكلة أوسع تتعلق بحدود قدرة القوى الخارجية والمؤسسات متعددة الأطراف على التأثير في نزاعات معقدة ذات جذور محلية عميقة.
فالولايات المتحدة تستطيع استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية، بما في ذلك العقوبات والوساطة والمساعدات، لكنها تواجه قيودًا عندما تتعامل مع صراعات ترتبط بهياكل سياسية واجتماعية داخلية.
أما الاتحاد الأفريقي، فإن موقعه يمنحه شرعية إقليمية مهمة، لكنه يواجه بدوره قيودًا تتعلق بقدرة مؤسساته على فرض التسويات وتنفيذها، فضلًا عن اختلاف مصالح الدول الأعضاء.
ومن ثم، فإن معالجة أزمات القرن الأفريقي تتطلب مزيجًا من الدبلوماسية الإقليمية والوساطة الدولية ومعالجة جذور الصراعات الداخلية، بدل الاعتماد على أداة واحدة.
البعد العسكري: شبكات الدعم والفاعلون من خارج المنطقة
لا يقتصر التنافس في القرن الأفريقي على الاستثمار والدبلوماسية، بل يمتد إلى المجال العسكري والأمني.
وتشير المادة إلى تنامي الاعتماد على مقاتلين أجانب وشبكات أمنية عابرة للحدود، وربطت بين نشاط «فيلق أفريقيا» المدعوم من روسيا وشبكات إمداد مرتبطة بالنزاع السوداني، كما تحدثت عن تجنيد مقاتلين أجانب للعمل في صراعات المنطقة.
ويعكس ذلك اتجاهًا أوسع في النزاعات المعاصرة، يتمثل في انتقال جزء من النشاط العسكري من الجيوش النظامية إلى شبكات تضم قوات شبه عسكرية وشركات أمنية ومقاتلين أجانب ووسطاء محليين.
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يجعل تحديد المسؤولية أكثر صعوبة، ويزيد عدد الأطراف القادرة على التأثير في مسار النزاع، كما يمكن أن يطيل أمد الحروب عندما يصبح لدى الأطراف المتحاربة وصول إلى مصادر خارجية للتمويل والسلاح والمقاتلين.
أوروبا ومفارقة النفوذ الاقتصادي
تحتفظ أوروبا بمصالح مباشرة في استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر، سواء بسبب أمن الملاحة والتجارة أو بسبب قضايا الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب.
وتطرح المادة فكرة استخدام أوروبا لعلاقاتها الاقتصادية والمالية مع الإمارات للتأثير في سياساتها الإقليمية، من خلال أدوات مثل العقوبات المالية، وتشديد الرقابة على تدفقات الذهب غير المشروع، وربط بعض أشكال التعاون الاقتصادي والأمني بسلوك الأطراف الإقليمية.
غير أن استخدام هذه الأدوات ينطوي على مفاضلات سياسية واقتصادية. فأوروبا لا تتعامل مع الإمارات باعتبارها طرفًا أمنيًا فقط، وإنما باعتبارها أيضًا شريكًا تجاريًا واستثماريًا مهمًا.
ومن ثم، فإن أي محاولة لاستخدام العلاقات الاقتصادية كأداة ضغط يجب أن توازن بين هدف الحد من النزاعات الإقليمية وبين الحفاظ على المصالح الاقتصادية والأمنية الأوروبية الأوسع.
كما أن فعالية العقوبات أو القيود الاقتصادية ليست مضمونة بالضرورة؛ إذ تعتمد على مدى تعاون الأطراف الأخرى وقدرتها على إيجاد بدائل، وعلى وضوح الأهداف السياسية التي يراد تحقيقها من وراء هذه الإجراءات.
خطر انتقال الأزمة إلى البحر الأحمر
تكمن أهمية التطورات في القرن الأفريقي في أنها تحدث بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
فإذا تزامنت الصراعات في السودان وإثيوبيا والصومال مع استمرار التوتر في اليمن والبحر الأحمر، فقد يصبح من الصعب الفصل بين الأمن الداخلي لدول المنطقة وأمن الملاحة الدولية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تتجه حتمًا نحو حرب إقليمية شاملة، لكن تراكم الأزمات يزيد من احتمالات انتقال آثار النزاعات عبر الحدود، سواء من خلال تدفقات اللاجئين، أو تجارة السلاح، أو نشاط الجماعات المسلحة، أو اضطراب طرق التجارة.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة في حالة إثيوبيا، بالنظر إلى حجمها السكاني وموقعها الجغرافي. وتشير المادة الأصلية إلى أن أي انهيار واسع للدولة قد يخلق موجات نزوح كبيرة ذات تداعيات إقليمية وأوروبية.
غير أن تقدير حجم هذه التداعيات يظل مرتبطًا بمسار الأزمة نفسها، وبقدرة المؤسسات الإقليمية والدولية على منع تحول النزاعات الحالية إلى أزمات متداخلة يصعب احتواؤها.
خاتمة: من تنافس الموانئ إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي
تكشف أزمات القرن الأفريقي عن تحول في طبيعة التنافس على البحر الأحمر. فلم يعد الصراع يدور فقط حول الحدود أو النفوذ السياسي المباشر، بل أصبح يشمل الموانئ والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والموارد وشبكات الأمن والشراكات العسكرية.
وفي هذا السياق، يمثل الحضور الإماراتي أحد مكونات المشهد الإقليمي، لكنه ليس العامل الوحيد المحدد لمسار المنطقة. فإلى جانب الإمارات والسعودية وتركيا وقطر وإيران وغيرها من القوى الإقليمية، تتفاعل في المنطقة مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن حسابات الدول المحلية نفسها.
وتتمثل المشكلة الأساسية في أن تداخل هذه المصالح مع النزاعات الداخلية يمكن أن يحول الأزمات المحلية إلى ساحات للمنافسة الدولية والإقليمية. وكلما طال أمد هذا التداخل، أصبح تحقيق تسويات محلية أكثر تعقيدًا.
ومن ثم، فإن استقرار القرن الأفريقي يتطلب مقاربة تتجاوز إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى معالجة مصادرها السياسية والاقتصادية والأمنية. ويشمل ذلك دعم التسويات السياسية الداخلية، وتقوية المؤسسات الوطنية، والحد من تدفق الأسلحة إلى أطراف النزاعات، وتعزيز آليات الوساطة الإقليمية، إلى جانب وضع قواعد أكثر وضوحًا للاستثمارات الأجنبية في الموانئ والبنية التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية.
أما بالنسبة إلى البحر الأحمر، فإن أمنه لن يتحقق بصورة مستدامة من خلال حماية الممرات البحرية وحدها. فسلامة الملاحة ترتبط أيضًا باستقرار الدول الواقعة على ضفتيه. وكلما بقيت النزاعات في القرن الأفريقي واليمن مفتوحة، ستظل المخاطر الأمنية والاقتصادية المحيطة بالبحر الأحمر قائمة.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في منع تحول باب المندب إلى نقطة اختناق للملاحة الدولية، وإنما في منع تحول القرن الأفريقي بأكمله إلى مساحة تتقاطع فيها الحروب المحلية مع التنافس الإقليمي والدولي.
