بث تجريبي

خلافة المرشد الأعلى في إيران بين الحرب وإعادة تشكيل السلطة

تقارير وملفات - Foresight

تتزايد التساؤلات حول مستقبل القيادة السياسية في إيران في ظل التصعيد العسكري المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ويأتي هذا النقاش في وقت حساس بعد تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال اختيار خليفة جديد للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، خاصة بعد مقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة.

وتشير بعض التقارير إلى أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، يعد أحد أبرز المرشحين لتولي المنصب، رغم عدم صدور إعلان رسمي حتى الآن من المؤسسات الدستورية الإيرانية بشأن حسم مسألة الخلافة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الحرب الدائرة، إذ قد يكون اختيار المرشد الجديد عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة الإيرانية داخلياً وخارجياً خلال المرحلة المقبلة.

الخلافة في ظل الحرب

تأتي مسألة انتقال القيادة في إيران في توقيت استثنائي، حيث تواجه البلاد ضغوطاً عسكرية وسياسية غير مسبوقة. فقد استهدفت الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية بنية النظام الأمنية والعسكرية، بما في ذلك مراكز القيادة والبنية التحتية الاستراتيجية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح اختيار المرشد الأعلى قضية ذات أبعاد تتجاوز الإطار الدستوري الداخلي، لتتحول إلى مسألة مرتبطة مباشرة بتوازنات الحرب الجارية ومستقبل النظام السياسي الإيراني.

وتشير تصريحات أمريكية وإسرائيلية إلى أن أحد الأهداف الاستراتيجية للحرب يتمثل في إحداث تغيير في النظام الإيراني، وهو ما يجعل عملية اختيار القيادة الجديدة أكثر حساسية وتعقيداً.

آلية اختيار المرشد الأعلى

ينص الدستور الإيراني على أن اختيار المرشد الأعلى يتم من خلال مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دينية سياسية تتكون من 88 رجل دين منتخبين بعد اجتياز عملية تدقيق من قبل مجلس صيانة الدستور.

ويعد مجلس صيانة الدستور أحد أهم المؤسسات في النظام الإيراني، إذ يتولى مراجعة القوانين والإشراف على الانتخابات والمصادقة على المرشحين للمناصب السياسية، بما في ذلك عضوية مجلس خبراء القيادة.

وبالنظر إلى طبيعة هذه المؤسسات، التي يغلب عليها الطابع المحافظ، فمن المرجح أن يميل المجلس إلى اختيار شخصية تضمن استمرار النهج السياسي للنظام، مع القدرة على التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية.

المرشحون المحتملون

لا يوجد حتى الآن مرشح يحظى بإجماع داخل المؤسسة السياسية الإيرانية. وكان الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي يُعد لفترة طويلة أبرز المرشحين المحتملين، إلا أن وفاته في حادث تحطم مروحية عام 2024 أنهت هذا الاحتمال.

ومن بين الأسماء التي يجري تداولها حالياً:

  • مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل
  • حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني
  • علي رضا أعرافي، عضو مجلس صيانة الدستور ونائب رئيس مجلس خبراء القيادة ومدير الحوزات العلمية في إيران

وتشير بعض التقارير إلى أن مجلس خبراء القيادة قد توصل إلى توافق مبدئي بشأن اسم الخليفة الجديد، إلا أن الإعلان الرسمي قد يتأخر بسبب الظروف الأمنية المرتبطة بالحرب.

مجتبى خامنئي: الشخصية الأكثر إثارة للجدل

يعد مجتبى خامنئي من أكثر الشخصيات غموضاً داخل هرم السلطة في إيران. فعلى الرغم من كونه أحد أقرب الأشخاص إلى المرشد الراحل، فإنه حافظ على حضور محدود في الحياة العامة ولم يتولَّ أي منصب حكومي رسمي.

ومع ذلك، تتردد منذ سنوات تقديرات تشير إلى امتلاكه نفوذاً داخل بعض شبكات السلطة، خصوصاً من خلال علاقاته مع شخصيات في الحرس الثوري والتيار المحافظ.

ولد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، ونشأ في بيئة دينية وسياسية تشكلت بعد الثورة الإسلامية عام 1979. ودرس العلوم الدينية في مدينة قم، أحد أبرز مراكز الدراسات الشيعية في العالم.

كما ينتمي إلى ما يوصف أحياناً بـ"جيل الحرب"، إذ شارك لفترات قصيرة في الحرب الإيرانية العراقية ضمن قوات الباسيج المرتبطة بالحرس الثوري.

ورغم هذه الخلفية، لا يزال موقعه الديني محل نقاش داخل المؤسسة الدينية، إذ لا يُعد من كبار المراجع الدينية، وهو ما قد يشكل أحد التحديات أمام توليه منصب المرشد الأعلى.

كما يثير احتمال وصوله إلى هذا المنصب جدلاً داخل إيران وخارجها، نظراً لأن النظام السياسي للجمهورية الإسلامية يقوم نظرياً على اختيار المرشد وفق معايير دينية وسياسية، وليس عبر الوراثة العائلية.

الفترة الانتقالية وإدارة السلطة

في ظل غياب إعلان رسمي عن المرشد الجديد، تشير التقارير إلى تشكيل مجلس قيادي مؤقت لإدارة شؤون الدولة.

ويضم المجلس كلاً من:

  • علي رضا أعرافي
  • الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
  • رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي

ويفترض أن يدير هذا المجلس شؤون البلاد إلى حين اتخاذ القرار النهائي بشأن القيادة العليا.

دور الحرس الثوري

في موازاة ذلك، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه أحد أهم الفاعلين في إدارة المواجهة العسكرية الحالية. وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني يرأس رسمياً مجلس الدفاع الوطني، فإن كثيراً من التقديرات تشير إلى أن الحرس الثوري يمتلك تأثيراً كبيراً في رسم السياسات العسكرية خلال هذه المرحلة.

وقد انعكس ذلك في سلسلة من الإجراءات العسكرية التي اتخذتها إيران، من بينها إغلاق مضيق هرمز وتنفيذ هجمات صاروخية وطائرات مسيرة في المنطقة.

انعكاسات إقليمية

أدت الهجمات الإيرانية على دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية – مثل الإمارات وقطر والبحرين والكويت – إلى تعقيد المشهد الإقليمي.

ففي السنوات الأخيرة، عملت إيران على تحسين علاقاتها مع عدد من الدول العربية، بما في ذلك استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السعودية عام 2023. غير أن التصعيد العسكري الحالي قد يدفع هذه الدول إلى إعادة تقييم مواقفها، خصوصاً إذا استمرت الهجمات أو توسع نطاق الصراع.

مستقبل النظام الإيراني

تشير بعض التقديرات إلى أن القيادة الإيرانية تراهن على قدرتها على الصمود في مواجهة الضربات الجوية وإطالة أمد الصراع. ويعتقد بعض المراقبين أن طهران تأمل في أن يؤدي استمرار الحرب إلى تراجع الدعم السياسي لها داخل الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، قد يصبح اختيار المرشد الأعلى الجديد عاملاً مهماً في تحديد اتجاهات السياسة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة، سواء في ما يتعلق بإدارة الحرب أو التعامل مع الضغوط الدولية.

بشكل عام، تمثل مسألة خلافة المرشد الأعلى في إيران إحدى أهم القضايا السياسية في المرحلة الراهنة، خصوصاً في ظل الحرب الدائرة والتغيرات الإقليمية المتسارعة. ورغم تداول عدة أسماء لخلافة علي خامنئي، فإن عملية الاختيار ستظل مرتبطة بالتوازنات داخل مؤسسات النظام الإيراني، وبالدور الذي قد تلعبه القوى العسكرية والسياسية في تحديد مستقبل القيادة. وفي نهاية المطاف، قد لا يحدد اختيار المرشد الجديد مستقبل النظام الإيراني فحسب، بل قد يكون له تأثير مباشر أيضاً على مسار الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط.