الجنوب السوري أمام اختبار السيادة: التصعيد الإسرائيلي وحدود الدولة الجديدة
لم يعد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري مجرد سلسلة من الحوادث العسكرية المتفرقة، بل يبدو أنه يتحول تدريجيًا إلى نمط مستمر من الضغط الميداني، يجمع بين القصف المدفعي، وإطلاق النار، والتوغلات البرية، وإقامة الحواجز المؤقتة، وتدمير مواقع عسكرية سابقة. ويضع هذا المسار الجنوب السوري أمام معادلة أمنية وسياسية شديدة التعقيد، في وقت تحاول فيه الدولة السورية الجديدة تثبيت حضورها وإعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
وخلال يومي 20 و21 سبتمبر/أيلول 2026، شهدت مناطق من ريفي درعا والقنيطرة عمليات قصف وتوغلات إسرائيلية متزامنة. ففي ريف درعا الغربي، طالت عمليات إطلاق النار والقصف مناطق زراعية وقرى مأهولة، بينما أفادت مصادر محلية بنفوق أكثر من عشرة رؤوس من الماشية في قرية عابدين نتيجة إحدى عمليات الاستهداف. كما تعرضت قرية معرية لرشقات نارية، واستُهدفت الأراضي الزراعية في منطقة وادي الرقاد، في حين أطلقت قنابل مضيئة فوق عابدين ومعرية.
وفي القنيطرة، اتخذت التحركات طابعًا أكثر مباشرة، مع توغل قوة إسرائيلية مؤلفة من آليات عسكرية في منطقة رسم الحلبي وإقامة حاجز لتفتيش المارة. وترافقت هذه التحركات مع قصف طال أراضي زراعية في محيط الرفيد ورويحينة وبئر عجم، فضلًا عن تفجير موقع عسكري سابق بالقرب من قلعة جندل في منطقة جبل الشيخ. وأفادت تقارير محلية كذلك بتوغلات في مناطق أخرى، بينها عين زيوان وتل أحمر.
قد تبدو هذه الوقائع، في ظاهرها، عمليات ميدانية محدودة ومتباعدة، لكن تكرارها وتنوع أدواتها يطرحان سؤالًا أوسع من حدود كل حادثة منفردة: هل يتجه الجنوب السوري إلى واقع أمني جديد تصبح فيه الحركة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية جزءًا اعتياديًا من المشهد؟
من العمليات المحدودة إلى نمط أمني متكرر
تكمن أهمية التصعيد الحالي في أنه لا يقتصر على القصف من مسافات بعيدة، بل يجمع بين القوة النارية والحضور البري. فالقصف المدفعي يستهدف مناطق زراعية، بينما تتقدم الدوريات والآليات إلى مناطق مأهولة أو قريبة من التجمعات السكانية، وتُقام حواجز مؤقتة لتفتيش السكان، في حين تُدمّر أو تُفجّر مواقع عسكرية قائمة.
ويشير هذا التنوع في الأدوات إلى أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمنع تهديد عسكري محدد، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بفرض واقع أمني جديد على الأرض.
وهنا ينبغي التمييز بين الهدف المعلن لأي عملية عسكرية وبين النتيجة السياسية والاستراتيجية المتراكمة لهذه العمليات. فقد تقدم إسرائيل عملياتها باعتبارها إجراءات دفاعية أو أمنية مرتبطة بتهديدات محتملة، لكن تكرار التوغلات والقصف وتوسيع نطاق الحركة العسكرية يمكن أن يؤدي، بصرف النظر عن التبريرات المعلنة، إلى تغيير البيئة الأمنية في الجنوب السوري وإلى تقليص قدرة الدولة السورية على ممارسة سيادتها بصورة طبيعية.
ولا يعني ذلك افتراض نية إسرائيلية محددة تتجاوز ما هو معلن، وإنما يعني أن قراءة الوقائع على الأرض تستوجب النظر إلى أثرها التراكمي، وليس إلى كل عملية باعتبارها حادثة منفصلة.
اتفاق 1974 والعودة إلى سؤال السيادة
تكتسب هذه التطورات حساسية إضافية بسبب الإطار القانوني والأمني الذي أنشأه اتفاق فصل القوات السوري-الإسرائيلي لعام 1974.
فالاتفاق نص على وقف إطلاق النار وفصل القوات، وحدد خطوط انتشار عسكرية ومناطق فصل، ونص على أن تكون الأراضي الواقعة شرق خط الفصل تحت الإدارة السورية، فيما أُنشئت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، المعروفة بـ"أندوف"، لمراقبة ترتيبات الفصل.
وبالتالي، فإن أي تغير مستمر في نمط الانتشار العسكري جنوب سوريا لا يمكن التعامل معه باعتباره قضية محلية فقط، لأنه يمس ترتيبات أمنية دولية تأسست منذ نصف قرن.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بما إذا كانت هناك مواجهة عسكرية واسعة أم لا، وإنما بما إذا كان الوضع القائم على الأرض يتحول تدريجيًا إلى بديل غير معلن عن الترتيبات التي حكمت المنطقة منذ عام 1974.
وهذا هو أحد أخطر جوانب التطورات الراهنة: أن يتحول الاستثناء الأمني إلى قاعدة، والوجود العسكري المؤقت إلى واقع مستقر، والإجراء الوقائي إلى ترتيبات ميدانية دائمة.
الجنوب السوري يدفع ثمن هشاشة المرحلة الانتقالية
تأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى سوريا. فالدولة الجديدة لا تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتسعى في الوقت نفسه إلى إعادة فرض حضور مؤسساتها في مناطق عانت لسنوات من الانقسام والحرب والتدخلات الخارجية.
وهذه المرحلة الانتقالية تجعل الجنوب أكثر هشاشة.
فالدولة التي لم تستكمل بعد إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية تواجه في الوقت نفسه طرفًا يمتلك تفوقًا عسكريًا كبيرًا، ويملك القدرة على تنفيذ عمليات جوية ومدفعية وبرية داخل العمق الحدودي، بينما لا تزال قدرة دمشق على الرد أو فرض ترتيبات أمنية مستقرة محدودة.
لكن التحدي لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية.
فالسيادة لا تُقاس بعدد القوات والأسلحة وحدها، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على حماية سكانها، وإدارة حدودها، وفرض القانون على أراضيها، والتفاوض من موقع مؤسسي واضح، والحصول على دعم دولي عندما تتعرض ترتيباتها الأمنية للخطر.
ولهذا فإن الجنوب السوري يختبر اليوم مفهوم الدولة السورية الجديدة نفسه: هل تستطيع الدولة أن تستعيد تدريجيًا احتكارها المشروع لأدوات القوة، وأن تتحول من مجرد سلطة انتقالية إلى مؤسسة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها؟
المدنيون والزراعة في قلب المشهد
من الخطأ اختزال التصعيد في خرائط عسكرية ومواقع استراتيجية فقط.
فالجنوب السوري منطقة يعيش سكانها على الزراعة والرعي، ولذلك فإن القصف الذي يستهدف الأراضي الزراعية أو إطلاق النار بالقرب من القرى لا يمثل مجرد واقعة عسكرية، بل يترك آثارًا مباشرة على حياة السكان ومصادر رزقهم.
إن نفوق المواشي، وتعطيل الوصول إلى الأراضي الزراعية، والخوف من الاقتراب من المناطق الحدودية، وتكرار التحليق والقصف، كلها عوامل يمكن أن تفرض على السكان قيودًا غير معلنة على الحركة والعمل.
وهنا تظهر إحدى النتائج الأخطر لأي تصعيد طويل الأمد: تحويل الأمن من مسألة عسكرية إلى عامل يؤثر في البنية الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
فكلما ازدادت صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية أو المناطق الرعوية، ارتفعت كلفة الحياة في المنطقة، وتزايدت احتمالات النزوح أو فقدان مصادر الدخل، حتى في غياب عملية عسكرية واسعة.
1752 انتهاكًا منذ بداية العام؟
وتشير بيانات أوردها مركز "سجل" المتخصص في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا إلى تسجيل 267 انتهاكًا خلال أغسطس/آب 2026، مقارنة بـ187 في يوليو/تموز و239 في يونيو/حزيران، ليصل مجموع الانتهاكات التي وثقها المركز منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس إلى 1752 انتهاكًا.
وبحسب البيانات نفسها، كان أغسطس ثاني أعلى شهر من حيث عدد الانتهاكات خلال عام 2026، بعد مارس/آذار الذي سجل 321 انتهاكًا.
ومع أهمية هذه الأرقام في إظهار الاتجاه العام، ينبغي التعامل معها باعتبارها بيانات صادرة عن جهة توثيق محددة وليست بالضرورة إحصاءً دوليًا شاملًا ونهائيًا لكل العمليات الإسرائيلية داخل سوريا.
ومع ذلك، فإن الاتجاه الذي تعكسه هذه الأرقام، إلى جانب التقارير المتكررة عن القصف والتوغلات، يشير إلى أن الجنوب لم يشهد عودة مستقرة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل ديسمبر/كانون الأول 2024، بل دخل في بيئة أمنية جديدة تتكرر فيها التحركات الإسرائيلية بصورة لافتة.
ماذا تريد إسرائيل من الجنوب السوري؟
هذا هو السؤال الأصعب، وربما الأكثر حساسية.
فمن الصعب اختزال السياسة الإسرائيلية في الجنوب السوري في هدف واحد، كما أن تفسير كل عملية باعتبارها جزءًا من خطة واحدة ممتدة يحتاج إلى أدلة تتجاوز الوقائع الميدانية وحدها.
لكن يمكن ملاحظة ثلاثة مستويات في السلوك الإسرائيلي.
الأول هو المستوى الأمني المباشر، ويتمثل في منع نشوء تهديدات عسكرية بالقرب من الحدود، أو التعامل مع تحركات ترى إسرائيل أنها يمكن أن تتحول إلى تهديد مستقبلي.
الثاني هو المستوى الميداني، ويتمثل في إقامة نطاق أمني أكثر عمقًا من الوضع الذي كان قائمًا قبل انهيار ترتيبات ما بعد 2024، من خلال الدوريات والتوغلات والمراقبة والاستهداف.
أما المستوى الثالث فهو المستوى السياسي، إذ إن استمرار الوجود العسكري يخلق مع مرور الوقت واقعًا جديدًا يمكن أن يؤثر في أي مفاوضات مستقبلية حول ترتيبات الحدود والأمن.
ومن هنا تبرز أهمية عدم السماح بأن يصبح الواقع الميداني بديلًا عن التفاوض السياسي.
فكلما طال أمد التوغلات، ازدادت احتمالات أن تصبح الترتيبات المؤقتة أكثر رسوخًا، وأن تتحول خطوط السيطرة الفعلية إلى عنصر تفاوضي جديد في أي تسوية مستقبلية.
الدولة السورية أمام اختبار مزدوج
المعضلة التي تواجه دمشق ليست سهلة.
فأي مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل في هذه المرحلة قد تحمل مخاطر كبيرة على دولة لا تزال تعيد بناء مؤسساتها، وفي المقابل فإن الاكتفاء بالمراقبة والاحتجاجات السياسية دون بناء قدرة مؤسسية ودبلوماسية وأمنية فعالة قد يسمح بترسيخ الوقائع الجديدة على الأرض.
لذلك تحتاج سوريا إلى استراتيجية متعددة المستويات.
أولها تثبيت المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية، ليس بهدف الدخول في سباق تسلح، وإنما لاستعادة قدرة الدولة على إدارة أراضيها وحدودها بصورة مؤسسية.
وثانيها تفعيل المسار الدبلوماسي الدولي، ولا سيما عبر المؤسسات التي ترتبط باتفاق فصل القوات لعام 1974، بما يضع مسألة التوغلات والانتهاكات في إطار قانوني وسياسي واضح.
وثالثها توسيع الحضور المدني للدولة في الجنوب، من خلال الخدمات والبنية التحتية ودعم الزراعة وحماية مصادر رزق السكان، لأن حماية المجتمع لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
ورابعها منع تحول الجنوب إلى ساحة تنافس بين قوى محلية وإقليمية. فكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر حضورًا وشرعية، انخفضت فرص استغلال الفراغ الأمني من جانب أطراف متعددة.
السيادة لا تستعاد بالشعارات
يحتاج الخطاب السوري في هذه المرحلة إلى الانتقال من الاحتجاج على الانتهاكات إلى بناء سياسة متكاملة لاستعادة السيادة.
فالسيادة ليست مجرد موقف سياسي أو بيان إدانة، كما أنها ليست مرادفًا للمواجهة العسكرية المباشرة. إنها منظومة تبدأ من وجود مؤسسات دولة شرعية وفعالة، وتمتد إلى قدرة هذه المؤسسات على حماية المواطنين، وإدارة الحدود، وفرض القانون، واستخدام القنوات الدبلوماسية والقانونية، وبناء علاقات دولية تضمن عدم ترك البلاد أمام الأمر الواقع.
ومن هنا، فإن التصعيد في الجنوب السوري لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشكلة حدودية منفصلة عن عملية بناء الدولة. بل إن التطورات على الحدود تكشف مدى الحاجة إلى الإسراع في بناء دولة سورية أكثر تماسكًا، ومؤسسات أكثر مهنية، وعقد وطني يجعل حماية الأراضي السورية مسؤولية مؤسسة الدولة، لا مسؤولية جماعات أو قوى محلية متنافسة.
بين الردع والتسوية
الجنوب السوري يقف اليوم أمام مسارين لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما متناقضين بالضرورة: بناء القدرة الوطنية على حماية السيادة، والعمل السياسي والدبلوماسي لمنع تحول هذه القدرة إلى مواجهة مفتوحة.
فالردع الحقيقي لا يعني بالضرورة الذهاب إلى الحرب، كما أن التفاوض الناجح لا يعني التخلي عن أدوات القوة.
ما تحتاجه سوريا هو أن تمتلك مؤسسات تجعلها قادرة على التفاوض من موقع دولة، لا من موقع طرف ضعيف يسعى فقط إلى احتواء الخسائر.
وفي هذا السياق، فإن استمرار التوغلات والقصف الإسرائيلي في الجنوب يحمل رسالة تتجاوز الأهداف المباشرة لكل عملية: المنطقة لم تستقر بعد على ترتيبات أمنية جديدة، والسيادة السورية لا تزال تواجه اختبارًا فعليًا على الأرض.
لكن نجاح الدولة السورية في تجاوز هذا الاختبار لن يتحدد فقط بقدرتها على منع التوغلات، وإنما بقدرتها على بناء دولة يشعر سكان الجنوب، كما يشعر باقي السوريين، بأنها قادرة على حمايتهم، وأنها تمتلك من الشرعية والمؤسسات والقدرة الدبلوماسية ما يجعل السيادة ممارسة فعلية وليست مجرد شعار.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد الضغط الخارجي على الجنوب، أصبحت الحاجة إلى بناء الدولة السورية من الداخل أكثر إلحاحًا.
فالطريق إلى استعادة السيادة لا يبدأ من الحدود وحدها، وإنما يبدأ أيضًا من بناء دولة جامعة، ومؤسسات وطنية، ومجتمع يشعر بأن الدولة تمثله وتحميه. عندها فقط يمكن أن تتحول مواجهة الضغوط الخارجية من ردود فعل متفرقة إلى سياسة وطنية متماسكة تجمع بين حماية السيادة وتجنب الانجرار إلى حرب جديدة.
