لا وقائية ولا شرعية: الضربات على إيران نسفت القانون الدولي
تمثل الضربات الأميركية–الإسرائيلية المشتركة على إيران حلقة جديدة في مسار تآكل النظام القانوني الدولي. فبموجب قواعد القانون الدولي، لا يمكن وصف هذه الهجمات بأنها وقائية، ولا اعتبارها مشروعة.
أطلقت إسرائيل عملية «درع يهوذا»، فيما أطلقت الولايات المتحدة عملية «الغضب الجارف»، وذلك في وقت كانت فيه المفاوضات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي الإيراني لا تزال جارية.
قبل يومين فقط، اختُتمت في جنيف أكثر جولات المحادثات الأميركية–الإيرانية كثافة، واتفق الطرفان على مواصلتها. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشار إلى أنه سيمنح المفاوضين مزيدًا من الوقت. ثم جاءت القنابل.
قالت إسرائيل إن الضربات كانت «وقائية»، أي تهدف إلى منع إيران من تطوير قدرات قد تشكل تهديدًا في المستقبل. غير أن الحرب الوقائية لا تستند إلى أي أساس قانوني في إطار القانون الدولي. ولم يصدر عن مجلس الأمن الدولي أي تفويض باستخدام القوة، ما يعني أن المسار القانوني الوحيد المتاح لاستخدام القوة –وهو الدفاع عن النفس– لم يُستند إليه على نحو صحيح.
تنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. أما الدفاع الوقائي، كما سبق أن جادلنا، فله شروط ضيقة للغاية وفق «عقيدة كارولاين»، إذ يتطلب أن يكون التهديد «آنيًا، ساحقًا، ولا يترك أي خيار آخر». ولم تكن مثل هذه الشروط قائمة في الحالة الإيرانية في 28 فبراير/شباط.
ويكمن عنصر محوري في الأزمة الراهنة في أن ترامب هو من انسحب عام 2018 من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، التي حظيت بدعم إقليمي لضبط البرنامج النووي الإيراني. وقد شهد مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية في مارس/آذار 2025 بأن إيران لم تكن تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وهو تقييم أكده مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما أشارت تقديرات استخباراتية أميركية إلى أن إيران كانت ستحتاج إلى ثلاث سنوات لبناء سلاح نووي. إضافة إلى ذلك، كانت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران العام الماضي قد أعادت البرنامج إلى الوراء عدة أشهر. بل إن ترامب نفسه ادعى أن البرنامج النووي الإيراني «أُبيد بالكامل».
تغيير النظام بالقوة غير قانوني
قال ترامب إن الهدف من الهجمات هو إنهاء برنامج إيران النووي وتحقيق تغيير في النظام. ودعا الإيرانيين إلى «تولي حكومتهم»، بينما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الغاية هي «إزالة التهديد الوجودي الذي يشكله النظام الإرهابي في إيران».
غير أن تغيير الأنظمة بالقوة ينتهك المبادئ الأساسية لسيادة الدول وعدم التدخل المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
استهدفت الضربات المرشد الأعلى الإيراني، والرئيس، ورئيس هيئة الأركان، إلى جانب بنى تحتية عسكرية. كما أن استهداف رؤساء الدول عمدًا يتجاوز عتبة العمليات العسكرية التقليدية ويدخل في نطاق أعمال العدوان.
فمهاجمة رؤساء الدول محظورة بموجب اتفاقية نيويورك، لما لذلك من تبعات خطيرة على الاستقرار الدولي. ومع مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، فإن الفراغ في السلطة لن يؤدي إلا إلى تفاقم معاناة الإيرانيين على الأرض.
كما أن الدعوات إلى إعادة الشاه –الملك السابق لإيران– لا تأخذ في الحسبان التداعيات السلطوية لمثل هذا الخيار.
وتسلط التقارير التي أفادت بمقتل ما لا يقل عن 100 طفلة تتراوح أعمارهن بين 7 و12 عامًا في غارة جوية على مدرسة ابتدائية في ميناب الضوء على الكلفة الإنسانية لتغيير النظام غير المخطط له.
تشير تصريحات أميركية وإسرائيلية إلى أن أولوية تغيير النظام تتقدم على أي تصور واضح لمرحلة ما بعده. غير أن تجارب سابقة –مثل ما أعقب مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي وعودة مظاهر العبودية في ليبيا، أو الفراغ الذي ملأه تنظيم «داعش» بعد سقوط صدام حسين في العراق– تُظهر أن تغيير الأنظمة يتطلب تخطيطًا بالغ الدقة.
في الحالة الإيرانية، لا تبدو هناك خطة واضحة لإعادة بناء الدولة أو تحقيق الاستقرار بعد الضربات. وقد أعرب حلفاء غربيون عن قلقهم من افتقار واشنطن إلى استراتيجية متماسكة لمرحلة ما بعد الهجمات، مشيرين إلى ضعف التحضير لإعادة الإعمار أو إدارة الانتقال السياسي.
وكما صرّح ممثل المكسيك في مجلس الأمن عقب تحركات أميركية سابقة في فنزويلا، فإن سجل تغيير الأنظمة يُظهر أنه لم يؤدِ إلا إلى «تفاقم النزاعات وإضعاف النسيج الاجتماعي والسياسي للدول». ووفقًا لمجلة «ذي أتلانتيك»، فإن «فوضى كاملة» تبدو مرجحة.
الدبلوماسية بوصفها غطاءً
إن تنفيذ ضربات عسكرية في خضم مفاوضات نشطة ينتهك مبدأ حسن النية المنصوص عليه في المادة (2/2) من ميثاق الأمم المتحدة. وكانت جمعية الحد من التسلح قد أشارت إلى أن صناع القرار في إيران اتهموا الولايات المتحدة بسوء النية بعد أن عطّلت ضربات يونيو/حزيران 2025 محادثات مقررة سابقًا.
كما أدانت وزارة الخارجية الإيرانية هجمات 28 فبراير/شباط ووصفتها بأنها استهداف تم خلال المفاوضات وينتهك القانون الدولي.
ردود الفعل الدولية
يثير القلق ما يمكن وصفه بتزايد تقبّل القادة الغربيين لخرق سافر للقانون الدولي، بما في ذلك رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الذي دعم الضربات باعتبارها «تمنع إيران من الحصول على سلاح نووي». ويضع هذا الموقف أستراليا، مرة أخرى، في تناقض مع المبادئ الأساسية للنظام الدولي الليبرالي.
وأصدرت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا دعت فيه إيران إلى التفاوض على حل، وأدانت الهجمات الإيرانية الانتقامية، لكنها لم تعلّق مباشرة على الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران. وكان صمتها لافتًا.
في المقابل، انتقدت روسيا والصين التحركات الأميركية–الإسرائيلية، ودعتا إلى وقف فوري للعمليات العسكرية والعودة إلى المسار الدبلوماسي.
اليوم، يبدو النظام القانوني الدولي في حالة انهيار متسارع. فعندما تشن الدول القوية حروبًا غير قانونية تحت ذريعة الوقاية، وتستخدم الدبلوماسية غطاءً عسكريًا، وتسعى علنًا إلى تغيير الأنظمة، فإن ما يُسمى بـ«النظام القائم على القواعد» يصبح، عمليًا، في حكم الميت.
