بث تجريبي

مائة يوم من المواجهة: لماذا تتعثر التسوية بين واشنطن وطهران؟

تقارير وملفات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

بعد مرور مائة يوم على اندلاع المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة جديدة من الصراع لا هي حرب شاملة ولا هي سلام مستقر. فالمشهد الراهن يكشف عن حالة من «الردع المتوتر» التي تتعايش فيها العمليات العسكرية المحدودة مع قنوات تفاوض غير مباشرة، فيما تسعى الأطراف المختلفة إلى تحسين مواقعها التفاوضية من خلال توظيف أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في آن واحد.

ورغم الحديث المتكرر عن فرص التهدئة، فإن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن الطريق نحو تسوية مستدامة لا يزال مليئًا بالعقبات. فالتصعيد العسكري المتبادل في الخليج ومضيق هرمز، واستمرار العقوبات الاقتصادية، والخلاف حول الأصول الإيرانية المجمدة، كلها ملفات تعكس عمق أزمة الثقة بين واشنطن وطهران، وتجعل من أي اتفاق محتمل عملية أكثر تعقيدًا من مجرد وقف إطلاق نار أو تفاهمات مؤقتة.

حرب الإرادات أكثر من كونها حربًا عسكرية

تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع لم يعد يدور حول الملف النووي الإيراني أو حول حوادث عسكرية متفرقة، بل تحول إلى صراع إرادات يتعلق بإعادة صياغة موازين القوى في الخليج والشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ نظام أمني إقليمي يضمن حماية حلفائها وتأمين تدفق الطاقة العالمية والحد من النفوذ الإيراني، بينما تحاول طهران فرض معادلة معاكسة تقوم على انتزاع اعتراف أمريكي ودولي بدورها الإقليمي ومصالحها الأمنية والاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم استمرار العمليات العسكرية المحدودة باعتبارها جزءًا من عملية تفاوض غير مباشرة تستخدم فيها القوة المسلحة كورقة ضغط سياسية. فكل طرف يحاول رفع كلفة المواجهة على خصمه ودفعه إلى تقديم تنازلات دون الوصول إلى مرحلة الحرب الشاملة التي قد تكون نتائجها غير قابلة للسيطرة.

مضيق هرمز: مركز الصراع الحقيقي

ورغم أن الأنظار تتجه غالبًا نحو المواجهات العسكرية المباشرة، فإن جوهر الأزمة يتمحور حول السيطرة على البيئة الأمنية للخليج العربي ومضيق هرمز تحديدًا. فهذا الممر البحري الذي يعبر من خلاله جزء كبير من تجارة النفط العالمية يمثل بالنسبة لإيران ورقة ردع استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير في الأسواق العالمية، بينما يمثل بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها خطًا أحمر يرتبط مباشرة بأمن الاقتصاد الدولي.

ولهذا السبب لا تنظر واشنطن إلى التحركات الإيرانية في المضيق باعتبارها تهديدًا محليًا فحسب، بل باعتبارها تحديًا للنظام الأمني الذي تقوده في المنطقة منذ عقود. وفي المقابل، ترى طهران أن السيطرة الكاملة للولايات المتحدة على أمن الخليج تعني تجريدها من أهم أوراق قوتها الجيوسياسية.

أزمة الثقة.. العقبة الأكبر أمام أي اتفاق

تكشف التصريحات الإيرانية الأخيرة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب قنوات الاتصال أو الوساطة، وإنما في انهيار الثقة السياسية بين الطرفين. فالإيرانيون يرون أن واشنطن تجمع بين خطاب التفاوض وسياسة الضغوط القصوى في الوقت نفسه، بينما تعتبر الإدارة الأمريكية أن إيران تستخدم المفاوضات لكسب الوقت وتحسين شروطها الإقليمية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية؛ إذ إن المفاوضات الحالية لا تُدار بهدف التوصل إلى تسوية نهائية بقدر ما تُدار بهدف منع الانفجار الكبير وإدارة الأزمة. ولذلك تبدو جولات الحوار أقرب إلى عملية احتواء مؤقت للتوتر منها إلى مفاوضات حقيقية لحل جذور الخلاف.

الأصول الإيرانية المجمدة.. الاقتصاد كسلاح استراتيجي

يمثل ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أكثر عناصر الصراع حساسية، لأنه يعكس انتقال المواجهة من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي. فإيران تعتبر الإفراج عن هذه الأموال شرطًا ضروريًا لأي تقدم سياسي، ليس فقط لأنها تمثل حقًا سياديًا من وجهة نظرها، بل لأنها تشكل رافدًا ماليًا مهمًا في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الممتدة منذ سنوات.

أما الولايات المتحدة فتنظر إلى هذه الأصول باعتبارها أداة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لدفع طهران نحو تقديم تنازلات سياسية وأمنية. ولذلك فإن الحديث عن إمكانية توجيه هذه الأموال لتعويض الأضرار التي لحقت بحلفاء واشنطن في الخليج لا يحمل بعدًا ماليًا فحسب، بل يمثل رسالة سياسية مفادها أن تكلفة السياسات الإيرانية لن تقتصر على العقوبات، بل قد تمتد إلى إعادة توظيف مواردها المالية لخدمة مصالح خصومها.

ومن المرجح أن يؤدي تنفيذ مثل هذه الخطوة إلى تعميق أزمة الثقة وإضعاف فرص التوصل إلى اتفاق، لأنها ستُفسر في طهران باعتبارها محاولة لتغيير قواعد اللعبة التفاوضية من جانب واحد.

الاقتصاد الإيراني بين الصمود والاستنزاف

ورغم أن إيران نجحت خلال السنوات الماضية في تطوير آليات للتكيف مع العقوبات عبر توسيع شراكاتها مع الصين وروسيا وبعض الاقتصادات الآسيوية، فإن استمرار المواجهة الحالية يفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد الإيراني. فالتضخم المرتفع، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وصعوبة الوصول إلى النظام المالي العالمي، كلها عوامل تجعل الإفراج عن الأصول المجمدة ورفع القيود عن صادرات النفط أولوية استراتيجية للقيادة الإيرانية.

وفي المقابل، تراهن واشنطن على أن استمرار الضغوط الاقتصادية سيؤدي في النهاية إلى تقليص هامش المناورة الإيراني وإجبار طهران على تقديم تنازلات أكبر. لكن التجربة الممتدة منذ سنوات تشير إلى أن العقوبات، رغم تأثيرها الواضح، لم تنجح حتى الآن في تغيير التوجهات الاستراتيجية الكبرى للجمهورية الإسلامية.

الدور الباكستاني: وساطة تتجاوز حدود الجغرافيا

في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز باكستان بوصفها طرفًا يحاول لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران. ولا تنبع أهمية هذا الدور من علاقاتها التاريخية مع إيران فحسب، بل أيضًا من علاقاتها الأمنية والعسكرية الوثيقة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

وتشير التحركات الدبلوماسية الباكستانية إلى إدراك متزايد لدى القوى الإقليمية بأن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج بأكملها، بما يحمله ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. ومن ثم فإن الوساطة الباكستانية تمثل محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل السياسي ومنع انتقال الأزمة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.

الخليج في قلب المعادلة

لا تقتصر تداعيات الصراع على الولايات المتحدة وإيران، بل تمتد بصورة مباشرة إلى دول الخليج العربي التي أصبحت بحكم موقعها الجغرافي ومكانتها الاقتصادية جزءًا من معادلة الصراع. فهذه الدول، رغم شراكاتها الأمنية مع واشنطن، لا ترغب في أن تتحول أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى أهداف في أي مواجهة واسعة.

كما أن استمرار التوتر يهدد خطط التحول الاقتصادي والمشاريع التنموية الكبرى التي تنفذها العديد من دول الخليج، ويؤثر في ثقة المستثمرين واستقرار أسواق الطاقة. ولهذا السبب تدعم العواصم الخليجية بصورة متزايدة جهود الوساطة والتهدئة، إدراكًا منها أن الاستقرار الإقليمي أصبح ضرورة اقتصادية بقدر ما هو ضرورة أمنية.

الصين وروسيا: المستفيدان الحذران

في الخلفية، تتابع كل من الصين وروسيا تطورات الأزمة بحذر. فالصين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة من المنطقة، تمتلك مصلحة مباشرة في منع أي اضطراب واسع يهدد تدفق النفط أو يعطل مشاريعها الاقتصادية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. كما تنظر إلى إيران باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا في رؤيتها طويلة المدى للشرق الأوسط.

أما روسيا، فترى في استمرار التوتر بين واشنطن وطهران فرصة لاستنزاف جزء من التركيز والموارد الأمريكية بعيدًا عن ساحات أخرى. لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في انفجار إقليمي واسع قد يؤدي إلى متغيرات يصعب التحكم في نتائجها أو يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.

حدود القوة الأمريكية وحدود النفوذ الإيراني

تكشف الأزمة الحالية حقيقة استراتيجية مهمة تتمثل في أن أياً من الطرفين لا يمتلك القدرة على فرض إرادته الكاملة على الآخر. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، تواجه قيودًا سياسية واقتصادية تجعل خيار الحرب الشاملة مكلفًا وغير مضمون النتائج. وفي المقابل، تمتلك إيران شبكة واسعة من الحلفاء والأدوات غير التقليدية وقدرات مؤثرة في عدد من ساحات المنطقة، لكنها لا تملك الموارد الكافية لخوض مواجهة مفتوحة وطويلة مع الولايات المتحدة.

ومن هنا تنشأ معادلة «اللا حسم الاستراتيجي»، حيث يمتلك كل طرف ما يكفي لمنع هزيمته، لكنه لا يمتلك ما يكفي لتحقيق انتصار حاسم على خصمه.

إلى أين تتجه الأزمة؟

تشير المؤشرات الحالية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار الوضع الراهن؛ أي بقاء المفاوضات غير المباشرة قائمة بالتوازي مع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة. وقد تنجح الوساطات الإقليمية والدولية في تحقيق تفاهمات جزئية تتعلق بالأصول الإيرانية أو أمن الملاحة أو تخفيف بعض العقوبات، إلا أن التوصل إلى اتفاق شامل سيظل مرهونًا بحل قضايا أعمق تتعلق بالنفوذ الإقليمي والملف النووي وترتيبات الأمن في الخليج.

وفي المقابل، يبقى خطر الانزلاق إلى تصعيد أوسع قائمًا، خاصة إذا تعرضت المصالح الحيوية لأي من الطرفين لضربة كبيرة أو إذا فشلت قنوات التواصل في احتواء الأزمات الطارئة.

في المحصلة، تكشف الأيام المائة الأولى من المواجهة أن الصراع بين واشنطن وطهران تجاوز منذ زمن حدود الخلاف حول الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، وأصبح صراعًا على شكل النظام الإقليمي ومستقبل موازين القوة في الشرق الأوسط. وبينما تستمر المفاوضات وتتعاقب الوساطات، تبقى الحقيقة الأبرز أن المنطقة لا تزال تعيش على إيقاع هدنة هشة، وأن أي تسوية حقيقية لن تكون ممكنة ما لم تعالج جذور الصراع الاستراتيجي بين الطرفين، لا مجرد مظاهره العسكرية والاقتصادية.