بث تجريبي

ليست حارس فناء لأحد».. كيف تحول ملف الهجرة في ليبيا من أزمة عبور إلى معركة سيادة؟

تقارير وملفات - حميدة صالح بوحقيفة
حميدة صالح بوحقيفة
باحثة سياسية وأكاديمية ليبية

في عتمة الليل على شواطئ الغرب الليبي، تلمع كشافات زوارق خفر السواحل وهي تطارد قوارب مطاطية متهالكة شُحنت ببشرٍ هاربين من جحيم الفقر والحروب. هذا المشهد المكرر ليس مجرد لقطة من أزمة إنسانية مستمرة، بل هو الواجهة المرئية لـ "صفقة غير مكتوبة" تجري وراء الكواليس؛ صفقة تدفع فيها عواصم القارة العجوز الملايين مقابل إبقاء "شبح المهاجرين" بعيداً عن حدودها، وتحويل ليبيا —الممزقة سياسياً— إلى ممتص صدمات دائم.

لكن المعادلة اليوم اختلفت؛ فقد انكسر حاجز الصمت في الداخل الليبي، وتحول الملف من "هاجس أمني واقتصادي" إلى "معركة سيادة ووجود" تحت شعار واحد يتردد من طبرق إلى طرابلس: «ليبيا ليست حارس فناء لأحد"

فخ "الاحتواء المتقدم": كيف نقلت أوروبا حدودها إلى الجنوب؟

تُظهر المؤشرات الميدانية والسياسية أن الاتحاد الأوروبي، وتحديداً إيطاليا، يمارس استراتيجية "الدفاع الهجومي المتقدم". الفكرة بسيطة وذكية، لكنها خبيثة في آنٍ واحد: بدلاً من صد المهاجرين عند شواطئ صقلية أو لامبيدوزا، يتم اعتراضهم داخل المياه الإقليمية الليبية وإعادتهم فوراً إلى البر الليبي.

دعم مشروط بـ "الاحتجاز": تتدفق المساعدات الأوروبية في شكل زوارق سريعة، أجهزة رادار، وتدريبات أمنية لخفر السواحل، لكن المقابل الضمني هو إبقاء المهاجرين في مراكز احتجاز داخل الأراضي الليبية.

معضلة "الدولة الثالثة الآمنة"

تسعى بعض الأطراف الدولية بالتدريج لفرض واقع قانوني يعتبر ليبيا "بلداً آمناً للاستقرار المؤقت"، وهو ما يراه القانونيون الليبيون شركاً دبلوماسياً لشرعنة بقاء المهاجرين لفترات غير محددة. فأوروبا تمارس نوعاً من الأنانية السياسية؛ تريد منا أن نكون شرطياً يحمي حدودها الشمالية، في حين تغمض عينيها عن حدودنا الجنوبية المستباحة التي يتدفق عبرها الآلاف يومياً."

​من فوبيا التوطين إلى "الواقع المفروض"

لم يعد مصطلح "التوطين" مجرد نظرية مؤامرة يتداولها الليبيون في المقاهي، بل تحول إلى قلق ديموغرافي تدعمه لغة الأرقام الصادمة. مع اقتراب عدد المهاجرين واللاجئين في البلاد من حاجز المليون (في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الأصليين 7 ملايين نسمة)، أصبحت التركيبة السكانية في بعض المدن، خصوصاً في الجنوب وباطن الجبل، تعاني خللاً حاداً. و​يتجلى هذا الواقع في مؤشرات خطيرة تلامس حياة المواطن اليومية على النحو التالي:

​ضغط غير مسبوق على الخدمات: حيث يوجد استهلاك مستنزف للطاقة والكهرباء، وضغط هائل على المستشفيات العامة والسلع المدعومة من الدولة.

​أسواق موازية واقتصاد ظل: تشكّل شبكات اقتصادية مستقلة للمهاجرين لا تخضع لرقابة الدولة أو قوانين العمل والضرائب.
​تغلغل في النسيج الاجتماعي: شراء عقارات بطرق ملتوية (عبر وكلاء محليين) وإقامة تجمعات سكنية شبه معزولة في ضواحي المدن الكبرى.

​الخاصرة الرخوة: الجنوب المستباح ولعبة المافيا الدولية

​الوصول إلى الحقيقة يفرض التوجه جنوباً، حيث الحدود المفتوحة مع النيجر وتشاد والسودان. هناك، تتداخل خيوط الجريمة المنظمة بالسياسة الدولية؛ فمافيات الاتجار بالبشر ليست مجرد عصابات محلية، بل هي شبكات عابرة للقارات تمتلك لوجستيات متطورة تفوق أحياناً قدرات الكتائب العسكرية المحلية المنهكة.

المفارقة الصارخة التي تكشف "ازدواجية المعايير الدولية" تكمن في توزيع الدعم؛ حيث تضخ أوروبا مئات الملايين لتأمين البحر (الحد الشمالي لليبيا/الجنوبي لأوروبا)، بينما تمتنع عن تقديم أي دعم حقيقي ملموس لتأمين الصحراء الليبية الشاسعة في الجنوب، والتي تمثل المنبع الرئيسي لتدفق المهاجرين. هذا الانتقاء في الدعم يثبت —بنظر الشارع الليبي— أن الهدف ليس حل أزمة المهاجرين، بل إبقاؤهم داخل الرقعة الجغرافية الليبية.

خط أحمر: المقاومة التشريعية والشعبية

أمام هذا الضغط الدولي الناعم والمستمر، تشكلت جبهة صد داخلية موحدة تخطت الانقسامات السياسية التقليدية بين شرق البلاد وغربها.
​التحركات الأخيرة لمجلسي النواب والدولة، مصحوبة بضغط شعبي ونقابي واسع، وضعت خطوطاً حمراء واضحة للحكومات المتعاقبة، لا لتنظيم الوجود الأجنبي بآليات تمنح حق البقاء الدائم، لا لمنح الجنسية أو الإقامات المفتوحة تحت غطاء إنساني، والبدء الفوري في برامج الترحيل القسري لكل من لا يملك سنداً قانونياً للإقامة.

 

كلمة أخيرة: الخيار الليبي الصعب

إن ليبيا اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تستمر في القبول بدور "المتلقي" للسياسات الأوروبية مقابل تفاهمات سياسية مؤقتة وهشة للنخب، وإما أن تنتفض لسيادتها وتفرض شروطها كـ "دولة متضررة" لا كـ "حارس حدود". > حميدة صالح: ​الحل لن يخرج من ردهات بروكسل أو نيويورك، بل يبدأ من طرابلس وبنغازي وسَبها، عبر صياغة استراتيجية وطنية موحدة لغلق الحدود الجنوبية أولاً، والتعامل مع الملف كقضية "أمن قومي أول ممتاز" لا يقبل المساومة أو البيع والشراء في سوق الاعتراف الدولي.