بث تجريبي
عمر غازي

قياس المكانة الاجتماعية الرقمية

آراء حرة - عمر غازي
عمر غازي
أكاديمي وخيبر في الإعلام والاستراتيجيات الاتصالية

إذا كان شخص يتابعه عشرة ملايين وآخر يتابعه مئة ألف، فأيهما أعلى مكانة اجتماعية رقمية، تبدو الإجابة سهلة إذا اعتبرنا عدد المتابعين مقياسًا للمكانة، لكنها تصبح أصعب إذا كان بين المئة ألف أهم المتخصصين في المجال، وكانوا يرجعون إلى صاحب الحساب ويستشهدون به ويمنحون رأيه وزنًا، بينما يتابع الملايين الآخر للترفيه ولا يمنحونه موقعًا مماثلًا بينهم، فلدينا على منصات التواصل الاجتماعي أرقام أكثر مما امتلكنا في أي وقت مضى، لكن سهولة قياس الشيء لا تعني أننا نقيس الشيء الصحيح.

والمكانة الاجتماعية الرقمية ليست الشهرة ولا عدد المتابعين ولا مقدار التفاعل، وإنما الموقع النسبي الذي يمنحه مجتمع رقمي لشخص أو مؤسسة وما يصاحب هذا الموقع من اعتراف واحترام ووزن اجتماعي، ولهذا لا توجد المكانة في الفراغ، بل داخل مجتمع محدد، فقد يكون الشخص مرتفع المكانة بين صناع المحتوى الرياضي، ومتوسطها بين الصحفيين الرياضيين، ولا يحتل موقعًا يذكر داخل مجتمع أكاديمي، كما قد تكون مؤسسة مرجعًا داخل قطاع مهني محدد دون أن تتمتع بالموقع نفسه خارجه، وهو تصور يقترب من تعريف أستاذة علم الاجتماع بجامعة ستانفورد سيسيليا ريدجواي للمكانة عام 2026 بوصفها ترتيبًا اجتماعيًا نسبيًا يظهر فيما يمنحه الآخرون من تقدير واحترام وانصياع وتأثير.

لكن قياس هذا الموقع ليس محسومًا في عداد واحد، فقد راجع تيانيو شو وبلير إيفانز وأليكس بنسون من جامعة ويسترن الكندية عام 2024 في مجلة "Organizational Psychology Review" اختلاف تعريفات المكانة وطرق قياسها، واقترحوا تعريفًا يجمع بين الاحترام والإعجاب والانصياع الطوعي "Voluntary Deference"، كما ميزوا بين المكانة التي تتكون بوصفها حكمًا عامًا عن الشخص وتلك التي تظهر في العلاقة بين شخص وآخر، وهو ما يجعل تحويل أرقام المنصات مباشرة إلى مقياس للمكانة اختصارًا لمشكلة أكثر تعقيدًا.

فعدد المتابعين يخبرنا بحجم الجمهور، والمشاهدات بالوصول، والإعجابات والتعليقات والمشاركات بأشكال مختلفة من التفاعل، لكنها لا تخبرنا منفردة أين يضع المجتمع صاحب الحساب مقارنة بغيره، وقد اختبر زيكيانغ هو ووي لو وجاستن تشانغ وآنا غينوت عام 2025 هذه المسألة في دراسة نشرتها مجلة "Journal of Organizational and End User Computing"، من خلال التلاعب بمستوى الخبرة وعدد المتابعين في حساب افتراضي على منصة "X"، ووجدوا أن ارتفاع الخبرة وكثرة المتابعين رفعا إدراك المشاركين للمكانة الاجتماعية والهيمنة، وهنا يظهر الفرق بين الإشارة والنتيجة، فالرقم قد يؤثر في تقدير الناس للمكانة، لكنه لا يصبح المكانة نفسها.

وينطبق ذلك أيضًا على المنصب والثروة والمؤهل العلمي والجوائز والشهرة السابقة، فقد ناقشت أليسون بيانكي وروبرت شيلي عام 2020 في مجلة "Sociological Theory" كيف يمكن للسمعة السابقة عن كون الشخص محبوبًا أو غير محبوب أن تدخل معه إلى جماعة جديدة وتفعّل عملية تعميم المكانة "Status Generalization"، لكن الوزير لا يصبح بالضرورة أعلى مكانة اجتماعية رقمية لأنه وزير، ولا الأستاذ الجامعي لأنه أستاذ، ولا رجل الأعمال لأن ثروته أكبر، وكذلك لا تضمن المؤسسة الكبيرة لنفسها مكانة أعلى من مؤسسة أصغر لمجرد حجمها أو تاريخها، فهذه الإشارات قد تمنح أفضلية أولية، لكنها لا تحسم الموقع الذي سيمنحه المجتمع للفاعل.

ولعل القياس يصبح أصعب عندما ننتقل من عد العلاقات إلى فهمها، فقد ناقش مايكل ساودر وفريدا لين وجويل بودولني عام 2012 في "Annual Review of Sociology" المكانة داخل المؤسسات وفيما بينها، وأبرزوا إسهام المقاربة الشبكية في فهم مواقع المكانة وتراتبياتها، بينما تسمح مقاييس تحليل الشبكات بالنظر إلى موقع الفاعل وطبيعة الروابط المتجهة إليه بدل الاكتفاء بعددها، وهو ما يفتح سؤالًا أدق من عدد من يتفاعلون معك، من هم الذين يمنحونك الاعتراف وما موقعهم داخل المجتمع.

لكن المركزية الشبكية ليست المكانة أيضًا، فقد يكون شخص شديد النشاط فيحتل موقعًا مركزيًا في بعض مقاييس الشبكة من دون أن يمنحه المجتمع احترامًا أو مرجعية مماثلة، وقد تكون مؤسسة كثيرة العلاقات لأنها أكبر أو أقدم أو لأنها تملك صلاحيات رسمية دون أن يعني ذلك تلقائيًا أنها الأعلى مكانة داخل مجتمعها، وفي المقابل قد يكون متخصص قليل النشاط أو مؤسسة أقل ظهورًا، بينما يرجع إليهما أهل المجال ويمنحونهما وزنًا مرتفعًا، ولذلك تكشف الشبكة جانبًا من العلاقات والموقع، لكنها لا تكفي وحدها للتمييز بين المكانة والنشاط أو البروز البنيوي.

وهذا يعيد جزءًا من القياس إلى المجتمع نفسه، فقد أظهر سيو يو وغافن كيلدوف من جامعة نيويورك عام 2020 في أربع دراسات ميدانية نشرتها مجلة "Journal of Personality and Social Psychology" أن أفراد الجماعة يختلفون في تصوراتهم لهرم المكانة داخلها، وأن الأكثر دقة في إدراك هذا الهرم كانوا يميلون إلى التواصل مع أصحاب المكانة الأعلى وحققوا أداء أفضل، ومن هنا لا يكفي أن نسأل الناس من يرونه أعلى مكانة، بل يصبح من المفيد مقارنة أحكامهم بما يفعلونه، إلى من يرجعون، ومن يستشهدون به، ومن يطلبون رأيه، وكيف تظهر هذه الأحكام في العلاقات الفعلية.

وهذا السلوك يمكن رصده لدى المؤسسات أيضًا، فحين تصبح مؤسسة نموذجًا تقارن مؤسسات أخرى ممارساتها به، أو مرجعًا تعود إلى أدواته وموارده، فإننا نلتقط جانبًا من الطريقة التي يعاملها بها مجتمعها المهني، لكن المرجعية أو المقارنة المعيارية "Benchmarking" لا تكفي وحدها للحكم على المكانة، مثلما لا يكفي عدد المتابعين لدى الفرد، وإنما تكتسب معناها حين تقرأ مع تقييم المجتمع وموقع المؤسسة بين غيرها وطبيعة العلاقات التي تتكون حولها.

ويضيف الزمن بعدًا لا يمكن تجاهله، فحساب يتصدر النقاش أسبوعًا بسبب حدث واسع الانتشار قد ترتفع أرقامه وعلاقاته بسرعة دون أن يكتسب مكانة مستقرة، والأمر نفسه قد يحدث لمؤسسة يزداد حضورها فجأة بسبب حملة أو أزمة أو حدث، وقد درس جيفري سميث وروبرت فارس حركة المكانة داخل شبكات المراهقين في بحث نشرته مجلة "Social Networks" عام 2015، ووجدا أن الأفراد يتحركون صعودًا وهبوطًا داخل الهرم، وأن كثيرًا ممن يصعدون يفقدون لاحقًا ما اكتسبوه، ولذلك لا ينبغي أن يكون قياس المكانة الاجتماعية الرقمية صورة تلتقط في لحظة، بل موقعًا نراقب تحوله واستقراره عبر الزمن.

كما أن المنصة ليست هي المجتمع، فالمتخصص نفسه قد يظهر بصورة مختلفة على "LinkedIn" و"X" و"TikTok"، وقد تتفاوت قوة حضور مؤسسة بين منصة وأخرى، بينما قد يكون الفاعلون الذين تلتقي بهم عبر هذه المنصات جزءًا من المجتمع المهني نفسه، ولذلك تبدو وحدة القياس الأقرب هي المجتمع الرقمي المحدد، وتصبح المنصات بيئات تظهر فيها المكانة بدرجات مختلفة، فلا معنى لدرجة مطلقة لشخص أو مؤسسة قبل أن نسأل، مكانته بين من.

ولهذا قد يكون الخطأ الأكبر أن نبدأ بناء مقياس للمكانة الاجتماعية الرقمية بجمع المتابعين والمشاهدات والتفاعل والمركزية الشبكية، ثم نوزع عليها أوزانًا ونخرج بدرجة من مئة، سنحصل بالتأكيد على رقم، لكننا لن نعرف على وجه الدقة ماذا يقيس، والأقرب أن يبدأ القياس من ثلاثة مصادر تتقاطع، ما يقوله المجتمع عن موقع الفاعل، وما يفعله تجاهه، وما تكشفه شبكة العلاقات، ثم يدخل الزمن ليفصل بين الموقع المستقر والارتفاع العابر.

وقد يقود ذلك إلى ترتيب نسبي داخل المجتمع بدل درجة مطلقة، أو إلى ما هو أكثر فائدة من الرقم نفسه، خريطة تكشف موقع الشخص أو المؤسسة داخل المجتمع، ومن يمنحه الاعتراف، وكيف تظهر مكانته عبر المنصات، وكيف تتغير مع الزمن، فالمكانة الاجتماعية الرقمية ليست رقمًا في أصلها، وإنما علاقة اجتماعية تستطيع الأرقام أن تكشف بعض ملامحها، وربما يبدأ قياسها الحقيقي عندما نتوقف عن سؤال المنصة عن أكبر الأرقام، ونبدأ في سؤال المجتمع عمن يمنحه أكبر وزن.