عمر غازي

الحقيقة المصنوعة.. هل بدأ عصر خداع الذكاء الاصطناعي؟

آراء حرة - عمر غازي
عمر غازي
أكاديمي وخيبر في الإعلام والاستراتيجيات الاتصالية

في أغسطس 2026، ظهر على الإنترنت مركز أبحاث أمريكي يحمل اسم "Hanover Institute for Public Policy"، لا عنوان له ولا أسماء لباحثيه ولا يبدو أنه موجود أصلًا بوصفه كيانًا قانونيًا، لكنه نشر خلال تسعة أيام 124 تقريرًا تجاوزت 560 ألف كلمة، وكانت موضوعاته شديدة الحساسية، هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، هل طردت الفلسطينيين من أرضهم، هل تعمدت تجويع الفلسطينيين، وهل معاداة الصهيونية معاداة للسامية، وقدمت مواده الموقف الإسرائيلي في هذه القضايا في هيئة أبحاث موثقة، قبل أن تكشف "الغارديان" أن الموقع جزء من جهد ممول من الحكومة الإسرائيلية عبر أطراف وسيطة، وأنه استخدم منصة تجارية تساعد المحتوى على زيادة احتمالات استشهاد روبوتات مثل ChatGPT وClaude وGemini وPerplexity به، فيما قالت الشركة الأمريكية المسؤولة عن المشروع إن عملها يهدف إلى وضع حقائق دقيقة وموثقة في السجل العام ومواجهة المعلومات المضللة عن إسرائيل، وربما لا تكمن أهمية القصة في الموقف السياسي الذي تحاول التأثير فيه بقدر ما تكمن في هوية القارئ الذي تريد الوصول إليه، فهناك من بدأ يكتب على الإنترنت وهو لا يريد إقناعك أنت أولًا، بل يريد أن تقرأه الآلة التي ستجيبك.

عرفنا طوال أكثر من عشرين عامًا محاولات التلاعب بمحركات البحث، فإلى جوار الممارسات المشروعة في تحسين الظهور ظهرت ممارسات تحاول فهم إشارات الترتيب واستغلالها، لكن الإنسان ظل في النهاية أمام قائمة من النتائج، يختار الصفحة ويرى اسم الموقع ويقرأ النص، أما محركات الإجابة فتستطيع أن تبحث وتختار وتقرأ وتختصر ثم تعيد إلينا ما وجدته في إجابة واحدة، ولهذا قد يكون الانتقال من تحسين محركات البحث SEO إلى تحسين الظهور في المحركات التوليدية GEO أكبر من مجرد انتقال صناعة التسويق من تقنية إلى أخرى، لأن المنافسة لم تعد فقط على من يحتل المرتبة الأولى، بل على ما الذي سيدخل أصلًا في تركيب الإجابة.

وهنا يتغير شيء في صناعة التضليل نفسها، فالكذبة القديمة كانت تحتاج إلى إنسان يصدقها، والدعاية تحتاج إلى جمهور يراها، أما الآن فيمكن إنتاج محتوى لا يهم صاحبه كثيرًا أن نقرأه نحن، يكفي أن يكون قابلًا للوصول بالطريقة التي تزيد فرص عثور الأنظمة عليه، وفي مايو 2026 نشر الباحثون T. Tony Ke وChenxi Liao وXiaoyan Xu ورقة عن "Synthetic Corpus"، درسوا فيها إمكانية زرع البيئة الرقمية بمواد اصطناعية، مثل المراجعات والمقالات، للتأثير فيما تعرضه أنظمة الذكاء الاصطناعي لاحقًا للمستخدمين، وهي لا تثبت أن كل نموذج يمكن إخضاعه بهذه الطريقة، لكنها تكشف أن المعركة لم تعد حول الرسالة وحدها، بل حول البيئة التي ستبحث فيها الآلة عن الرسالة، وهنا لا نصنع الكذبة فقط، بل نصنع البيئة التي تجعل الكذبة تبدو قابلة للتصديق.

فالادعاء الواحد يمكن الشك فيه، والموقع الواحد يمكن اكتشاف انحيازه، لكن ماذا لو بحث النظام فوجد عشرات الصفحات التي تكرر الادعاء نفسه، بأسماء وصياغات وهيئات تبدو مستقلة، وماذا لو أصبح بالإمكان صناعة مظهر الإجماع قبل أن تسأل الآلة عن الحقيقة، هذا لا يعني أن النماذج ستتعامل مع كل صفحة باعتبارها مصدرًا مستقلًا، أو أن كثرة التكرار تكفي لخداعها، فمراجعة حديثة شملت 45 دراسة في مجال GEO وجدت أن الأدلة لا تزال متقلبة، ولا توجد حتى الآن وصفة ثبت أنها تمنح تأثيرًا مستقرًا وطويل الأمد وعابرًا للمنصات، لكننا لم نعد نتحدث عن احتمال نظري فقط، فهناك من يحاول بالفعل التأثير في المادة التي ستجدها الآلة قبل أن تصل إلينا.

ولعل المساحة الأكثر هشاشة ليست الموضوع الذي كُتب عنه الكثير، بل الذي لم يُكتب عنه ما يكفي، فحدث تاريخي عالمي تحيط به آلاف الكتب والوثائق والأرشيفات يصعب تغيير صورته بإضافة عشرات الصفحات، لكن ماذا عن واقعة محلية لم يوثقها إلا القليل، أو تاريخ مجتمع لم تُرقمن مصادره، أو قضية لا تحظى باهتمام المؤسسات الكبرى، هنا قد لا يحتاج من يريد التأثير إلى هزيمة الحقيقة، فقد يكفيه أن يجد الفراغ الذي لم تصل إليه بعد، وقد لا يحتاج من يريد تزوير الحقيقة إلى محو التاريخ، يكفي أحيانًا أن يكتب أكثر ممن عاشوه، وهذا سؤال يستحق اهتمامًا عربيًا أيضًا، لا لأن لدينا دليلًا يسمح بالقول إن المحتوى العربي أصبح ضحية لهذه الظاهرة، وإنما لأن الحضور الرقمي للمعرفة العربية لم يعد متعلقًا بالقارئ وحده، فالكتاب الذي لم يُرقمن، والوثيقة التي بقيت في الأرشيف، والدراسة التي يصعب الوصول إليها، والرواية المحلية التي لم تجد من يوثقها، قد تغيب كذلك عن بعض المسارات التي تستخدمها الآلة لبناء جوابها، وفي عصر محركات البحث كان الغائب عن الإنترنت أقل ظهورًا، أما في عصر محركات الإجابة فقد يصبح الغائب عنه أقل وجودًا في الرواية التي تبنيها الآلة عن العالم.

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما ننظر إلى ما يفعله الإنسان بعد ظهور الإجابة، ففي تحليل نشره مركز Pew Research عام 2025 لسلوك 900 مستخدم أمريكي وشمل 68,879 عملية بحث على Google، انخفض النقر على نتائج البحث التقليدية من 15% عندما لم تظهر خلاصة مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى 8% عندما ظهرت، أما الروابط التي استشهدت بها الخلاصة نفسها فلم ينقر عليها المستخدمون إلا في نحو 1% من الزيارات، وهذه الأرقام لا تمثل كل مستخدمي الذكاء الاصطناعي ولا كل محركات الإجابة، لكنها تقول شيئًا يصعب تجاهله، الآلة تقرأ المصادر أكثر مما يقرأها الإنسان، ثم يقرأ الإنسان ما كتبته الآلة عنها.

لكن سيكون من السهل أكثر مما ينبغي أن نحول الإنسان هنا إلى ضحية والآلة إلى متهم، فالذكاء الاصطناعي الذي أضاف مشكلة جديدة إلى علاقتنا بالحقيقة منحنا في الوقت نفسه وسيلة جديدة لمراجعتها، إذ يستطيع المستخدم أن يأخذ إجابة نموذج كاملة ويقدمها إلى نموذج آخر، لا ليسأله السؤال نفسه، وإنما ليطلب منه أن يتعامل معها كأنها مادة أمام محكّم، يبحث في الأدبيات من جديد، ويفحص جودة الدراسات، ويبحث عن الرأي الآخر، ويقارن قوة الأدلة، ويسأل إن كان الاستنتاج يتناسب أصلًا مع ما تقوله البحوث، وهي ممارسة تقترب من اتجاه بحثي متنامٍ يستخدم النماذج في النقد والتقييم والتحقق، وإن كانت الأدلة لا تسمح بعد باعتبارها بديلًا مضمونًا للمراجعة البشرية، وهنا تظهر المفارقة المقابلة، فالذكاء الاصطناعي خفّض تكلفة صناعة التضليل، لكنه خفّض أيضًا تكلفة الشك فيه، ووجود المصدر في الحالتين لا يكفي، فقد تكون المراجع كلها حقيقية بينما تكون الإجابة مضللة، لأنها انتقت الدراسات المؤيدة وتركت المخالفة، أو استندت إلى دراسة ضعيفة وتجاهلت مراجعة منهجية أقوى، أو نقلت نتيجة صحيحة ثم بنت عليها ما لا تسمح به، ولذلك قد نحتاج إلى الانتقال من سؤال "هل لهذا الكلام مصدر؟" إلى سؤال أصعب، ماذا يقول مجموع الأدلة، وما جودتها، وأي الآراء تسنده الأدبيات الأقوى.

غير أن هذه الوسيلة تعيدنا بطريقة غريبة إلى المشكلة نفسها، فإذا أخذنا إجابة نموذج أول وطلبنا من نموذج ثان أن يشكك فيها ويعود إلى الأدبيات، فإن نجاحه يعتمد في النهاية على البيئة المعرفية التي سيبحث فيها، فإذا كانت ممتلئة بمواد ضعيفة أو منحازة أو مصطنعة، فقد يعثر على عشرة مصادر من دون أن يدرك أن العشرة تعود في أصلها إلى ادعاء واحد، أو أن كثرتها لا تساوي دراسة واحدة أكثر صرامة، وهنا يصبح السؤال الذي نحتاج إلى تعليمه للآلة هو السؤال نفسه الذي كان ينبغي أن نتعلمه نحن، هل كثرة المصادر تعني قوة الدليل، أم مجرد كثرة التكرار؟، وليست البيئة البحثية نفسها محصنة تمامًا، ففي دراسة صدرت عام 2026 حلل الباحثون نحو 111 مليون مرجع وردت في 2.5 مليون ورقة على arXiv وbioRxiv وSSRN وPubMed Central، وقدروا بصورة محافظة وجود 146,932 مرجعًا غير موجود في أوراق عام 2025 وحده، مع ارتفاع واضح بعد انتشار النماذج اللغوية، وهنا تظهر دائرة يصعب تجاهلها، آلة تنتج معلومة أو مرجعًا، يجد طريقه إلى البيئة المعرفية، ثم تأتي آلة أخرى فتبحث في البيئة نفسها للتحقق من معلومة جديدة، ولذلك لا نحتاج إلى ناقد مستقل فقط، بل إلى دليل مستقل وجدير بالثقة أيضًا.

والمفارقة أن الإنترنت الذي خفض تكلفة النشر يخفض الذكاء الاصطناعي الآن تكلفة ملئه، فقد كان إنتاج مئات الآلاف من الكلمات يحتاج إلى كتّاب ووقت وميزانية، أما اليوم فأصبحت القدرة على إنتاج كتل هائلة من النصوص أسرع وأرخص، ولذلك قد يتراجع السؤال القديم "من يستطيع أن ينشر؟" أمام سؤال آخر، "من يستطيع أن يملأ الفراغ؟"، فإذا أصبحت تكلفة إنتاج مادة تبدو معرفية أقل من تكلفة فحصها والتحقق من أصلها، فنحن لا نواجه وفرة في المعلومات فقط، بل وفرة في مظهر المعرفة، فالكذبة الواحدة مشكلة محتوى، أما صناعة البيئة التي تجعلها تبدو حقيقة فمشكلة في البنية المعرفية نفسها.

ولهذا لا تكمن خطورة قصة المركز الذي بدأنا منه في أنها تثبت نجاح أحد في إعادة كتابة ما تعرفه الآلات، فلا يوجد حتى الآن ما يسمح بهذا الاستنتاج، بل في أن الفكرة أصبحت قابلة للتنفيذ، وأن هناك من بدأ بالفعل إنتاج مواد لا يقاس نجاحها بعدد البشر الذين قرؤوها فقط، وإنما باحتمال دخولها في الطريق الذي تسلكه الأنظمة بحثًا عن الإجابة، وهنا يصبح تعبير "الكتابة للآلة" أكثر من مصطلح تسويقي، لأن هناك محتوى قد لا يكون قارئه المستهدف الأول إنسانًا أصلًا، ولأن الإنترنت الذي كان ساحة يتنافس فيها الناس على انتباهنا قد يصبح أيضًا ساحة يتنافسون فيها على انتباه الآلات التي نطلب منها أن تعرف نيابة عنا.

لقد قضينا سنوات نحاول تعليم الإنسان ألا يصدق كل ما يراه على الإنترنت، وربما ندخل زمنًا نحتاج فيه إلى حماية البيئة التي تبحث فيها الآلة عندما تحاول أن تعرف نيابة عنا، وأن نوثق ما نعرفه قبل أن يملأ الفراغ من يستطيع إنتاج النصوص أسرع، وأن نتذكر أن عشرات الروابط لا تصنع حقيقة، كما أن تكرار الادعاء لا يحوله إلى إجماع، فالحقيقة لا تصبح أقوى لأنها قيلت مرات أكثر، وإنما لأن الدليل الذي يقود إليها يصمد كلما حاول أحد اختباره، وربما لهذا لم يعد السؤال الأكثر إثارة هو "هل يمكن أن تكذب الآلة؟"، فالآلة قد تخطئ وتهلوس وتصحح خطأها، لكن ما يحدث الآن يضعنا أمام سؤال أشد تعقيدًا، لأن المشكلة لم تعد فيما تقوله الآلة وحدها، بل فيما نضعه نحن في العالم لكي تجده عندما تبحث، فإذا أصبحت الآلة تقرأ الإنترنت لكي تخبرنا بالحقيقة، فمن سيكتب الحقيقة التي ستجدها هناك؟