فى ٢٦ ديسمبر ٢٠٠٤، وقع زلزال بلغت شدته ٩.٣ درجة على مقياس ريختر فى المحيط الهندى قبالة السواحل الإندونيسية. تسبب الزلزال فى أمواج عاتية غير مسبوقة دمرت مدنا وقرى بأكملها، فيما عُرف
بـ«التسونامى». لقى ٢٣٠ ألف شخص مصرعهم، وتشرد الملايين من ١٤ دولة، فى أعنف كارثة طبيعية فى العصر الحديث. كانت إندونيسيا الضحية الكبرى. آنذاك تسابقت الصحف والقنوات التليفزيونية المصرية فى إرسال مراسلين ميدانيين لتغطية الكارثة. حصل القارئ والمشاهد على خدمة صحفية مُعتبرة. ظهر الوجه الإنسانى للصحافة، التى قدمت قصصا وتقارير من قلب الأحداث كان البطل فيها هو الضحايا والمنكوبون.
الأربعاء الماضى، اجتاحت الفيضانات المصحوبة بانهيارات جليدية وطينية هائلة المعابر والجسور والقرى والبلدات على الحدود بين نيبال والصين. المشاهد مُروعة. إبادة عشرات البلدات والقرى. الضحايا بالمئات، والمفقودون بعشرات الآلاف. تدفق الإعلام والصحافة من شتى أنحاء العالم لتغطية الكارثة. قصص إنسانية مؤثرة. لقاءات مع المتخصصين لمعرفة ماذا حدث بالضبط؟. بعض الصحف قامت بعمل دليل مرئى للكارثة
(دمج للصور ومقاطع الفيديو وأقوال الشهود) من أجل تقديم سردية قوية ومؤثرة عن حجم الدمار الإنسانى والمادى. شارك الصحفيون المتخصصون فى البيئة والمناخ فى التغطية، وسط نقاش لفرضية أن الكتل الجليدية الضخمة فى المحيطات، وكذلك التربة أصابها الضعف بسبب الاحتباس الحرارى. التغطيات متواصلة حتى الآن لاستقصاء حجم الدمار وتأثيره على السكان المحليين.
كيف غطى إعلامنا وصحافتنا هذه الكارثة؟. التركيز اقتصر على الجانب الإخبارى. إبراز أرقام الضحايا وحجم الدمار، وكأن الأمر إحصاءات فقط. بعكس تسونامى ٢٠٠٤، غاب الصحفيون المصريون عن موقع الحدث. اعتمدنا بشكل كامل على وكالات الأنباء الغربية. بيانات التعزية الدبلوماسية والإعراب عن التضامن التى أصدرتها وزارة الخارجية تصدرت التغطيات. غابت القصص الإنسانية، المتمثلة فى مقابلات مع الناجين وإظهار معاناتهم والوصف الدقيق للدمار. قرأت غالبية ما نشرته صحفنا. وجدت نفسى أقرأ تقارير جافة لا تركز سوى على الحصيلة. عدد الضحايا والمفقودين وحجم المساعدات وتصريحات المسؤولين فى نيبال. لا وجود للإنسان العادى الذى دمرت الفيضانات حياته وقضت على أسرته. لا صوت لصرخات الأطفال ومعاناة الناجين. الأرقام هى البطل فى التغطيات. الوجوه الملتاعة من هول الكارثة اختفت.
أعلم جيدا الصعوبات المالية التى يواجهها إعلامنا وصحافتنا، والتى تشل قدرته على إرسال الصحفيين إلى مكان الحدث. لكن الأمر ليس ذلك فقط. هناك نمط من التغطيات ساد، (إلا ما ندر)، يعتبر أن تلك الكوارث أحداث بعيدة لا يجب الاهتمام كثيرا بها، وتكفينا أزماتنا المحلية. المؤسف أننا نعالج قضايانا المحلية بنفس الطريقة تقريبا. تقارير جافة رسمية لا صوت للإنسان العادى فيها. المبادئ الصحفية لا تتجزأ. مَن يهتم جيدا وبشكل مهنى محترف بالقضايا المحلية يهتم بنفس القدر بالكوارث الخارجية. للأسف أيضا، قطاع كبير من إعلامنا وصحافتنا يتعامل مع قضايا التغير المناخى مثل ذوبان الجليد وتأثيره على الفيضانات فى مناطق العالم، باعتبارها رفاهية. لا يتم الربط بينها وبين التهديد المباشر لحياة ملايين البشر. هناك حاجة لأن يمارس إعلامنا وصحافتنا نقدا ذاتياً حتى نعود إلى الاهتمام بالإنسان كإنسان وليس رقماً.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم