كردفان في قلب الحرب السودانية: تقدم الجيش وتصاعد حرب المسيّرات واختبار حظر السلاح
لا تبدو التطورات العسكرية الأخيرة في شمال كردفان مجرد تحرك ميداني محدود بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، بل تعكس تحولاً متزايداً في طبيعة الصراع على الجغرافيا الوسطى للسودان، حيث باتت السيطرة على البلدات والطرق ومسارات الإمداد عاملاً حاسماً في تحديد قدرة طرفي الحرب على إعادة توزيع قواتهما والحفاظ على خطوط الاتصال بين مناطق نفوذهما. وفي هذا السياق، تمثل استعادة الجيش السوداني لبلدة المزروب، بعد أيام من استعادة سودري، حلقة جديدة في مسار أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة في كردفان.
وأعلن الجيش، الجمعة، استعادة المزروب بعد معارك وصفها بأنها شرسة، مؤكداً أن قواته والقوات المساندة لها ألحقت خسائر كبيرة بـ«قوات الدعم السريع» في الأرواح والمركبات. وعلى الرغم من صعوبة التحقق المستقل من حجم الخسائر التي أعلنها الجيش، فإن التحرك نفسه يكتسب أهمية تتجاوز القيمة العسكرية المباشرة للبلدة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ووظيفتها ضمن شبكة الحركة والإمداد في شمال كردفان.
تقع المزروب على مسافة تقارب 130 كيلومتراً شمال غربي الأبيض، وتُعد من أسواق الماشية المهمة في الإقليم، لكنها اكتسبت خلال الحرب أهمية إضافية بوصفها إحدى نقاط الحركة على طرق يمكن استخدامها في نقل القوات والإمدادات. ولذلك فإن انتقال السيطرة عليها لا يتعلق فقط بمن يرفع علمه فوق البلدة، وإنما بمن يمتلك القدرة على تأمين الطرق المحيطة بها والحفاظ على خطوط الاتصال الممتدة نحو المناطق الغربية من كردفان.
ويأتي ذلك في أعقاب سيطرة الجيش على سودري، وفي سياق سلسلة من التحركات العسكرية شملت أم شرو وبارا وجبرة الشيخ وأم سيالة ومناطق أخرى. وتشير المعطيات الميدانية المتاحة إلى أن «قوات الدعم السريع» تتراجع باتجاه مناطق تقع غرب وشمال غربي الولاية، من بينها أم بادر وحمرة الشيخ، وإن كانت الخريطة الدقيقة لانتشارها لا تزال صعبة التحقق بصورة مستقلة.
كردفان بوصفها عقدة استراتيجية
تكمن أهمية كردفان في موقعها أكثر مما تكمن في حجم أي بلدة منفردة فيها. فالإقليم يقع في قلب الجغرافيا العسكرية للحرب، ويشكل منطقة اتصال بين وسط السودان ودارفور في الغرب، كما تتقاطع فيه طرق يمكن أن تؤثر في حركة القوات وإمدادها. ومن ثم فإن أي تغير في السيطرة على بلداته الرئيسية قد ينعكس على قدرة الطرفين على المناورة بين مناطق العمليات.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تقدم الجيش في شمال كردفان باعتباره محاولة لتعزيز موقعه في المنطقة الواقعة بين الوسط السوداني ودارفور، والحد من قدرة «الدعم السريع» على استخدام بعض المسارات كقنوات للحركة والإمداد. لكن المكسب الميداني يظل قابلاً للتغير ما لم يتحول إلى سيطرة مستدامة على الطرق والمناطق الريفية المحيطة بالبلدات المستعادة.
وتكشف طبيعة الحرب السودانية أن السيطرة على المدن لا تعني بالضرورة السيطرة الكاملة على المجال المحيط بها. فالقوات التي تنسحب من بلدة يمكن أن تعيد الانتشار في مناطق أقل تعرضاً للضغط العسكري، ثم تستخدم الطرق الصحراوية والريفية لإعادة تنظيم عملياتها. ولذلك فإن اختبار أي تقدم عسكري لا يتمثل فقط في السيطرة على مركز حضري، بل في القدرة على تثبيت القوات وتأمين خطوط الإمداد ومنع الخصم من إعادة اختراق المنطقة.
حرب المسيّرات تفتح جبهة جديدة
وبالتوازي مع هذه التحركات البرية، يتزايد حضور المسيّرات في المعارك، بما يعكس تحولاً مهماً في أدوات الحرب السودانية. فقد أعلنت «شبكة أطباء السودان» مقتل خمسة أشخاص وإصابة 47 آخرين في هجوم بمسيّرة استهدف سكناً لطلاب جامعة كردفان في الأبيض، متهمة «قوات الدعم السريع» بتنفيذ الهجوم، في حين لم يصدر عن الأخيرة تعليق فوري، ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الجهة التي أطلقت المسيّرة.
أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في عدد الضحايا، وإنما في طبيعة الهدف أيضاً. فانتقال الضربات بالطائرات المسيّرة إلى منشآت مدنية وتعليمية في مدينة الأبيض يشير إلى أن الحرب الجوية منخفضة التكلفة نسبياً أصبحت جزءاً متزايداً من معادلة الصراع في كردفان.
وتوفر المسيّرات لطرفي الحرب مجموعة من المزايا العسكرية، من بينها القدرة على استهداف مواقع بعيدة نسبياً، وجمع المعلومات، وإرباك التحركات العسكرية، وتنفيذ ضربات من دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات. غير أن انتشارها في بيئة حضرية يرفع في الوقت نفسه مخاطر إصابة المدنيين والمنشآت المدنية، ويزيد من صعوبة الفصل بين المجالين العسكري والمدني.
كما أن تصاعد الهجمات بالمسيّرات في الأبيض يوضح أن مركز الثقل العسكري للحرب لم يعد محصوراً في دارفور أو الخرطوم. فكلما اتسعت دائرة استخدام الأسلحة بعيدة المدى، أصبحت المناطق التي كانت تُعد نسبياً خلف خطوط القتال معرضة بصورة أكبر للضربات.
من المعركة المحلية إلى صراع على المجال السوداني
في الخرطوم، شدد قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، خلال مخاطبته دفعات جديدة من طلاب الكلية الحربية، على الطابع الوطني للمؤسسة العسكرية، داعياً إلى تجاوز الانتماءات السياسية والقبلية والجهوية. وتعكس هذه الرسالة جانباً آخر من المعركة، يتعلق بمحاولة الجيش ترسيخ صورته بوصفه المؤسسة الوطنية المركزية القادرة على الحفاظ على وحدة الدولة.
لكن الخطاب السياسي والمؤسسي للجيش يتزامن مع واقع ميداني أكثر تعقيداً؛ إذ لا تزال الحرب تقوم على تعدد مراكز القوة، وعلى تحالفات محلية وقبلية ومناطقية، فضلاً عن تدفق الدعم العسكري من خارج الحدود. ولذلك فإن إعادة بناء قدرة الدولة على احتكار القوة لا تتوقف على التقدم في جبهة بعينها، وإنما تتطلب استعادة السيطرة على شبكات النقل والإمداد والموارد والمراكز السكانية الرئيسية.
ومن هنا تكتسب كردفان أهمية تتجاوز حدودها الإدارية. فالإقليم يمكن أن يصبح منطقة فاصلة بين مناطق سيطرة مختلفة، أو ممراً استراتيجياً يسمح لأحد طرفي الحرب بتعزيز وجوده في عمق مناطق خصمه. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت قيمة الجغرافيا الوسيطة التي تسمح بإعادة توزيع القوة.
حظر السلاح أمام اختبار الحرب الجديدة
وتأتي هذه التطورات بينما يستعد مجلس الأمن لجولة جديدة من النقاش بشأن نظام العقوبات المفروض على السودان، بما في ذلك حظر السلاح المطبق حالياً على دارفور. وكان المجلس قد مدّد النظام لفترة قصيرة في سبتمبر بعد تعثر التوافق بشأن مقترح أميركي لتوسيع نطاق الحظر ليشمل جميع أنحاء السودان.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بسبب تغير طبيعة الحرب نفسها. فقد وُضع نظام حظر السلاح في الأصل في سياق صراع دارفوري مختلف من حيث الجغرافيا والأدوات والأطراف. أما الحرب الحالية فقد امتدت إلى أجزاء واسعة من السودان، وأصبحت الأسلحة بعيدة المدى والمسيّرات والتكنولوجيا المرتبطة بها عناصر أساسية في العمليات العسكرية.
وتسعى الولايات المتحدة، وفق المعطيات الواردة، إلى توسيع القيود لتشمل تدفقات الأسلحة والمسيّرات والتكنولوجيا المرتبطة بها والمقاتلين الأجانب، بينما أبدت روسيا والصين تحفظات على توسيع النطاق الجغرافي للحظر. وفي المقابل، ترفض الحكومة السودانية فرض حظر شامل، بحجة أنه قد يحد من قدرة الجيش على الدفاع عن الدولة، وتطالب بدلاً من ذلك بتوجيه الإجراءات نحو منع وصول الأسلحة والدعم الخارجي إلى «قوات الدعم السريع».
وهنا تظهر المعضلة الأساسية أمام مجلس الأمن: كيف يمكن الحد من تدفق الأسلحة التي تطيل أمد الحرب من دون أن تتحول القيود الدولية إلى أداة تؤثر بصورة غير متوازنة في قدرة أحد طرفي الصراع على القتال؟ فالمشكلة لا تتعلق فقط بمبدأ الحظر، وإنما بآليات تنفيذه، ونطاقه الجغرافي، والجهات التي يمكنها الالتزام به أو التحايل عليه.
الجغرافيا قد تعيد تعريف مسار الحرب
إذا استمر الجيش في تثبيت مكاسبه في شمال كردفان، فإن ذلك قد يفرض على «قوات الدعم السريع» إعادة تقييم طرق انتشارها وحركتها بين كردفان ودارفور. لكن تحويل هذه المكاسب إلى تحول استراتيجي دائم يتطلب أكثر من الاستيلاء على سلسلة من البلدات؛ إذ يحتاج إلى قدرة مستمرة على حماية الطرق، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع الهجمات المضادة، وإدارة المناطق التي دخلت حديثاً تحت سيطرة الجيش.
في المقابل، فإن قدرة «الدعم السريع» على إعادة الانتشار في المناطق المفتوحة، واستخدام المسيّرات أو وسائل النيران بعيدة المدى، يمكن أن تحد من القيمة العسكرية لبعض المكاسب البرية. وهذا يعني أن الحرب تتجه بصورة متزايدة نحو نموذج يجمع بين السيطرة الأرضية المباشرة والحرب عن بعد، بحيث لا يكون فقدان بلدة بالضرورة نهاية لقدرة الطرف الذي انسحب منها على التأثير فيها.
وتكشف التطورات الأخيرة في كردفان كذلك عن اتساع الفجوة بين طبيعة الحرب على الأرض وطبيعة الأدوات الدولية المستخدمة لمحاولة احتوائها. فبينما يناقش مجلس الأمن حظراً صُمم في الأصل لظروف دارفور، تتغير خريطة الحرب لتشمل مناطق جديدة، وتتطور أدوات القتال بسرعة، وتتزايد أهمية المسيّرات والتكنولوجيا العسكرية.
وفي هذا السياق، تبدو معركة المزروب جزءاً من صراع أوسع على إعادة رسم المجال الاستراتيجي للحرب السودانية. فالسيطرة على البلدات والطرق في كردفان قد تحدد مسارات الحركة بين وسط البلاد وغربها، بينما يمكن لتصاعد حرب المسيّرات أن يعيد تشكيل مفهوم «الجبهة» نفسه، بحيث تصبح المدن الواقعة بعيداً عن خطوط التماس التقليدية أهدافاً محتملة.
وفي النهاية، فإن مستقبل المعارك في كردفان لن يتحدد فقط بمن يسيطر على المزيد من البلدات، وإنما بقدرة كل طرف على تحويل السيطرة الميدانية المؤقتة إلى نفوذ مستدام، وتأمين شبكات الإمداد، والحفاظ على الموارد البشرية والعسكرية، والاستفادة من البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع. وفي الوقت نفسه، سيظل النقاش داخل مجلس الأمن حول حظر السلاح اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على التكيف مع حرب تجاوزت، من حيث جغرافيتها وأدواتها، الإطار الذي صُممت ضمنه كثير من آليات التعامل معها.
