إسرائيل وإيران: عقيدة الضربة الاستباقية بين تغيير النظام وحسابات الانتخابات
يعكس إعلان بنيامين نتنياهو استعداد إسرائيل لضرب إيران بصورة استباقية، حتى من دون مساعدة أميركية، تحولاً في الخطاب الأمني الإسرائيلي من احتواء التهديد الإيراني إلى محاولة فرض معادلات استراتيجية جديدة. لكن التلويح بإسقاط النظام في طهران، في مقابل تهديدات إيرانية برد أكثر تدميراً، يضع المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة، تتداخل فيها حسابات الردع العسكري مع اعتبارات الانتخابات الإسرائيلية وحدود الشراكة مع واشنطن.
لم يعد التصعيد بين إسرائيل وإيران مقتصراً على تبادل التهديدات بشأن البرنامج النووي أو حدود النفوذ الإقليمي، بل بات يتصل بطبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه، وبمدى استعداد إسرائيل للانتقال من استراتيجية إضعاف الخصم إلى محاولة تغيير قواعد الحكم في طهران. ويكشف إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعداد بلاده لتنفيذ ضربة استباقية من دون انتظار موافقة أميركية عن رغبة في تأكيد استقلالية القرار العسكري الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه إبقاء خيار المواجهة المباشرة مفتوحاً.
في المقابل، تعكس التحذيرات الصادرة عن هيئة الأركان الإيرانية تمسك طهران باستراتيجية الردع القائم على التهديد بتوسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها. وبين الطرفين، لا يبدو أن التصعيد مجرد تبادل للرسائل العسكرية، بل جزء من صراع على تحديد شكل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ومن يملك القدرة على فرض حدود الحركة على الطرف الآخر.
من احتواء التهديد إلى استباقه
يمثل عرض نتنياهو عقيدة الأمن القومي الإسرائيلية المحدثة لعام 2026، للمرة الأولى منذ نحو عقد، مؤشراً على محاولة إعادة صياغة الأولويات الأمنية في ضوء المواجهة مع إيران. فقد وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي احتمال امتلاك طهران سلاحاً نووياً في مقدمة التهديدات التي تواجه بلاده، مؤكداً أن إسرائيل مستعدة لأخذ زمام المبادرة ومنع خصومها من توجيه الضربة الأولى.
وتحمل هذه المقاربة دلالة تتجاوز التحذير من البرنامج النووي الإيراني. فمفهوم الضربة الاستباقية، كما يطرحه نتنياهو، يقوم على عدم انتظار اكتمال التهديد أو تحوله إلى هجوم مباشر، بل التحرك العسكري لمنع الخصم من الوصول إلى مرحلة يعتقد فيها أن قدرته على إلحاق الضرر بإسرائيل أصبحت أكبر من قدرة الأخيرة على احتوائه.
غير أن توسيع مفهوم التهديد ليشمل مستقبل النظام الإيراني يفتح الباب أمام تحول أكثر تعقيداً. فهناك فارق استراتيجي بين استهداف منشآت نووية أو قدرات عسكرية محددة، وبين إعلان تغيير النظام هدفاً سياسياً. الأول يمكن تقديمه باعتباره عملية محدودة تسعى إلى إضعاف قدرة الخصم، أما الثاني فينطوي على طموح لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية لدولة إقليمية كبيرة، بما يحمله ذلك من احتمالات التصعيد الممتد وصعوبة التحكم في النتائج.
وفي هذا السياق، قال نتنياهو إن الأهداف التي حددها لا تتوقف على موافقة أميركية، معلناً أن إسقاط النظام الإيراني يندرج ضمن أهدافه. كما ادعى أن إسرائيل أنجزت 90 في المائة من مهمتها في هزيمة أعدائها.
وتعكس هذه التصريحات رغبة في إظهار أن إسرائيل لم تعد ترى نفسها مضطرة إلى انتظار توافق كامل مع واشنطن قبل اتخاذ قرارات عسكرية مصيرية. لكن الاستقلالية المعلنة في اتخاذ القرار لا تعني بالضرورة الاستغناء عن الدعم الأميركي، سواء على مستوى التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي، أو في ما يتعلق بالمساندة الدبلوماسية والسياسية التي قد تحتاج إليها إسرائيل إذا تحولت الضربة إلى حرب إقليمية واسعة.
استقلالية القرار الإسرائيلي وحدود الشراكة الأميركية
تضع تصريحات نتنياهو العلاقة مع الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تمثل الشراكة الأميركية أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية الإسرائيلية، ومن جهة أخرى، يسعى رئيس الوزراء إلى التأكيد أن هذه الشراكة لا تعني منح واشنطن حق تعطيل القرارات التي تعتبرها حكومته ضرورية لأمن إسرائيل.
ويتيح هذا الخطاب لنتنياهو توجيه رسالتين في آن واحد: الأولى إلى إيران، ومفادها أن التهديد الإسرائيلي لا يعتمد بالضرورة على مشاركة أميركية مباشرة؛ والثانية إلى الداخل الإسرائيلي، ومفادها أن الحكومة تحتفظ بحرية الحركة في مواجهة ما تصفه بالتهديد الوجودي.
لكن إعلان الاستعداد للتحرك منفرداً يثير أسئلة عملية تتعلق بحدود القدرة العسكرية على إدارة مواجهة ممتدة. فالضربة الاستباقية قد تحقق أهدافاً تكتيكية محددة، لكنها لا تضمن بالضرورة إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام أو منع طهران من الرد. كما أن أي مواجهة واسعة قد تستدعي موارد عسكرية ودفاعية كبيرة، وتضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت ضغط متزايد.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لاستقلالية القرار لا يتعلق فقط بقدرة إسرائيل على إطلاق الضربة الأولى، بل بقدرتها على إدارة تداعياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وعلى منع تحول العملية المحدودة إلى حرب طويلة تتطلب دعماً خارجياً أكبر مما تسمح به التصريحات الأولية.
الانتخابات الإسرائيلية تدخل على خط المواجهة
يكتسب التصعيد دلالة سياسية إضافية بسبب تزامنه مع الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعمه لنتنياهو.
ويأتي هذا الدعم في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء إلى تعزيز موقعه الانتخابي، وتقديم المواجهة مع إيران باعتبارها دليلاً على قدرة حكومته على التعامل مع التهديدات الأمنية الكبرى. وفي هذا السياق، نقل نتنياهو عن ترمب قوله إن البلدين أنجزا معاً أموراً استثنائية، وإنهما أضعفا إيران وما وصفه بالمحور الإيراني وأبعدا التهديد المباشر.
كما أكد نتنياهو أن الشراكة مع ترمب ستتواصل بهدف القضاء على التهديد الإيراني خلال العامين المقبلين، أو ربما قبل ذلك، داعياً الناخبين الإسرائيليين إلى الإصغاء إلى الرئيس الأميركي.
وتكشف هذه الرسائل عن تداخل واضح بين الحسابات الأمنية والاعتبارات الانتخابية. فالتلويح بالقدرة على مواجهة إيران قد يُستخدم لإبراز صورة القيادة القادرة على المبادرة والحسم، فيما يوفر الدعم الأميركي لنتنياهو فرصة لتقديم العلاقة مع واشنطن باعتبارها رصيداً سياسياً وأمنياً.
ومع ذلك، لا يعني تزامن التصعيد مع الانتخابات أن التهديد الإيراني مجرد أداة انتخابية، أو أن الاعتبارات الأمنية غائبة عن القرار الإسرائيلي. الأرجح أن الحسابات الأمنية والسياسية تتفاعل معاً؛ إذ يمكن للقيادة أن تنطلق من تقديرات استراتيجية فعلية، بينما توظف مواقفها في الوقت نفسه لتعزيز حضورها الداخلي.
وتكمن المخاطرة في أن تتحول المزايدات السياسية إلى عامل يضيّق مساحة المناورة الدبلوماسية، خصوصاً عندما يصبح التراجع عن التهديد أو قبول تسوية أقل من الأهداف المعلنة قابلاً للتفسير داخلياً باعتباره ضعفاً أو إخفاقاً.
طهران ترفع سقف الردع
في المقابل، تسعى القيادة الإيرانية إلى مواجهة الخطاب الإسرائيلي والأميركي بتأكيد أن أي هجوم جديد لن يكون تكراراً للمواجهات السابقة، بل سيؤدي، وفق تهديداتها، إلى رد أشد وأوسع.
فقد حذر رئيس هيئة الأركان الإيرانية علي عبداللهي من أن أي خطأ في الحسابات الأميركية والإسرائيلية سيقابل بردود مختلفة وأكثر شدة، معتبراً أن الطرفين اختبرا مراراً قدرة إيران على المواجهة. كما رفض التهديدات المتعلقة بإسقاط الجمهورية الإسلامية أو تقسيم البلاد وتدميرها، مؤكداً أن إيران ما زالت صامدة.
وتقوم هذه الرسائل على محاولة رفع الكلفة المتوقعة لأي قرار عسكري إسرائيلي، من خلال الإيحاء بأن الضربة الأولى لن تنهي المواجهة، بل قد تكون بداية لسلسلة من الردود المتبادلة التي يصعب احتواء نطاقها.
لكن التهديد بالرد الأكثر تدميراً لا يقتصر أثره على إسرائيل والولايات المتحدة؛ فهو قد يوسع دائرة المخاطر على المنطقة بأكملها، خصوصاً إذا امتدت المواجهة إلى مواقع وقواعد ومصالح مرتبطة بالطرفين، أو أدت إلى اضطراب طرق التجارة والطاقة والملاحة.
كما أن الخطاب الإيراني الحاد، بما يتضمنه من هجمات شخصية على ترمب وتأكيدات على ضعف الخصوم، يخدم غرضاً سياسياً يتمثل في إظهار الثقة وعدم الاستعداد للتراجع تحت الضغط. غير أن فاعلية هذا الخطاب ستظل مرتبطة بقدرة طهران على تحويل التهديدات إلى ردع موثوق، من دون الانزلاق إلى مواجهة قد تفرض عليها تكاليف تتجاوز حساباتها.
معضلة الردع: كيف يتجنب الطرفان الحرب التي يهددان بها؟
تكمن المفارقة الأساسية في أن إسرائيل وإيران تستخدمان لغة التصعيد لتجنب الهزيمة أو فرض التراجع على الطرف الآخر، لكن هذه اللغة نفسها قد ترفع احتمالات المواجهة التي يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه قبل اندلاعها.
فإسرائيل تريد إقناع طهران بأن استمرار تطوير قدراتها النووية أو العسكرية لن يوفر لها حصانة من الهجوم، بينما تريد إيران إقناع إسرائيل بأن أي ضربة لن تكون محدودة التكلفة أو النتائج. ويعتمد نجاح كل استراتيجية على مدى اقتناع الطرف الآخر بالتهديد، لا على شدة التصريحات وحدها.
إلا أن الردع يصبح أكثر هشاشة عندما تتسع الأهداف السياسية إلى حد يصعب تحقيقه بوسائل عسكرية محدودة. فإضعاف قدرات عسكرية معينة لا يساوي بالضرورة إنهاء التهديد الإيراني، واستهداف منشآت نووية لا يضمن وحده تغيير حسابات القيادة الإيرانية، فيما قد يؤدي السعي إلى إسقاط النظام إلى توحيد قطاعات داخلية حوله أو إلى دفع المواجهة نحو مسارات غير متوقعة.
وفي المقابل، فإن التهديد الإيراني برد شامل قد يدفع إسرائيل إلى الاعتقاد بأن الانتظار سيجعل المواجهة المستقبلية أكثر كلفة، وهو ما يعزز منطق الضربة الاستباقية بدلاً من احتوائه.
هنا تظهر أهمية القنوات الدبلوماسية وآليات الاتصال التي يمكن أن تمنع سوء تقدير النيات أو تفسير التحركات العسكرية على أنها بداية لهجوم واسع. فحتى في ظل انعدام الثقة، تظل القدرة على توضيح حدود العمليات والتمييز بين التهديد السياسي والقرار العسكري عاملاً مهماً في الحد من خطر التصعيد غير المقصود.
تغيير النظام: هدف سياسي لا تضمنه القوة العسكرية
يمثل إعلان نتنياهو إدراج إسقاط النظام الإيراني ضمن أهدافه أحد أكثر جوانب التصعيد حساسية. فالتغيير السياسي داخل دولة بحجم إيران وتعقيداتها لا يمكن اختزاله في تدمير منشآت أو إضعاف قدرات عسكرية، ولا توجد ضمانة بأن الضغط الخارجي سيؤدي إلى النتيجة السياسية التي تسعى إليها الدولة المهاجمة.
وقد تؤدي الحرب إلى إضعاف بعض مؤسسات الدولة أو قدراتها، لكنها قد تفضي أيضاً إلى نتائج مختلفة، من بينها تشدد القيادة، أو توسيع نطاق المواجهة، أو تعقيد أي مسار تفاوضي لاحق. كما أن إسقاط النظام، إذا أصبح هدفاً معلناً، يثير أسئلة جوهرية بشأن المرحلة التالية: من سيتولى السلطة؟ وكيف ستدار المؤسسات؟ وما مصير الأمن الداخلي ووحدة الدولة؟ وما الضمانات التي تحول دون فراغ سياسي طويل الأمد؟
ولهذا، فإن الانتقال من هدف منع امتلاك سلاح نووي إلى هدف تغيير النظام يمثل تحولاً في طبيعة المهمة نفسها. فالأول، رغم تعقيداته، يمكن ربطه بمعايير تتعلق بالقدرات النووية والرقابة والتسليح، أما الثاني فيتصل بمستقبل النظام السياسي وبنتائج يصعب تحديدها مسبقاً أو التحكم فيها من الخارج.
ولا يكفي إعلان تحقيق تقدم عسكري كبير لإثبات أن الأهداف الاستراتيجية قد تحققت. فالمعيار النهائي لا يتعلق فقط بحجم الأضرار التي تلحق بالخصم، بل بما إذا كانت تلك الأضرار قد أنتجت بيئة أمنية أكثر استقراراً أم فتحت الباب أمام دورة جديدة من الصراع.
الشرق الأوسط أمام اختبار جديد
لا تنحصر تداعيات المواجهة المحتملة في إسرائيل وإيران. فأي تصعيد واسع قد يضع دول المنطقة أمام ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية، ويزيد المخاطر على أسواق الطاقة وحركة التجارة والملاحة، ويجبر الحكومات على التعامل مع احتمالات توسع الحرب خارج نطاقها المباشر.
كما أن اعتماد إسرائيل على الدعم الأميركي، رغم تأكيدها استقلالية القرار، يجعل موقف واشنطن عنصراً مؤثراً في تحديد مسار التصعيد. فالدعم السياسي والعسكري قد يعزز قدرة إسرائيل على التحرك، لكنه قد يضع الإدارة الأميركية أيضاً أمام تبعات مواجهة لا ترغب بالضرورة في اتساعها أو استمرارها.
وفي المقابل، فإن إصرار طهران على الرد بقوة قد يهدف إلى منع تكرار الهجمات، لكنه قد يزيد من احتمالات توسيع نطاق الصراع إذا اعتبرت إسرائيل أن التهديد الإيراني بات يتطلب تحركاً أكبر.
وعليه، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمن يمتلك القدرة على توجيه الضربة الأقوى، بل بمن يستطيع تحقيق أهدافه السياسية من دون دفع المنطقة إلى حرب مفتوحة يصعب التحكم في نهايتها.
الخلاصة: التصعيد لا يحسم وحده معادلة القوة
يكشف الخطاب الإسرائيلي الجديد عن محاولة للجمع بين الردع الاستباقي، واستقلالية القرار العسكري، والطموح إلى تغيير النظام الإيراني، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى تعزيز موقعه السياسي قبيل الانتخابات. وفي المقابل، ترفع طهران سقف التهديد بالرد، محاولةً جعل تكلفة أي هجوم جديد مرتفعة بما يكفي لردع إسرائيل والولايات المتحدة عن تنفيذه.
لكن المعضلة أن توسيع الأهداف المعلنة لا يضمن تحقيقها، وأن القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على التحكم في مسارها أو نهايتها. فإسرائيل قد تتمكن من إلحاق أضرار كبيرة بخصمها، لكن ذلك لا يضمن إسقاط النظام أو إنهاء التهديدات التي ترى أنها تواجهها. وإيران قد ترفع كلفة المواجهة، لكن ذلك لا يضمن منع الهجمات أو تجنب أضرارها.
في المحصلة، تقف المنطقة أمام مواجهة تتداخل فيها حسابات الأمن القومي مع الاعتبارات الانتخابية والطموحات السياسية. وإذا تحولت التهديدات المتبادلة إلى قرارات عسكرية مفتوحة الأهداف، فقد يجد الطرفان نفسيهما أمام حرب تتجاوز حساباتهما الأولية. أما تجنب هذا المسار، فيتطلب أكثر من إظهار القوة؛ إذ يحتاج إلى تقدير واقعي للنتائج، وقنوات اتصال فعالة، ومسار سياسي يتيح احتواء التهديدات قبل أن تتحول إلى مواجهة يصعب وقفها.
