بث تجريبي

العراق بين إعادة هيكلة الدولة ومعضلة «الحشد الشعبي»: تحديات حكومة علي فالح الزيدي

تحليلات - Foresight

تشكل حكومة علي فالح الزايدي لحظة سياسية فارقة في تاريخ العراق الحديث، ليس فقط بسبب طبيعة التوازنات التي أفرزتها، بل لأنّها تأتي في سياق داخلي وإقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه اعتبارات إعادة بناء الدولة مع معضلات النفوذ المسلح والانقسام البنيوي داخل النظام السياسي. فالرجل، القادم من خلفية اقتصادية واستثمارية، والمدعوم من تنسيقية الأحزاب الشيعية، يطرح نفسه بوصفه ممثلاً لاتجاه يسعى إلى نقل العراق من حالة «الدولة الموازية» إلى نموذج الدولة الطبيعية التي تحتكر السيادة والسلاح والقرار الاقتصادي.

غير أنّ هذه الرؤية، رغم جاذبيتها النظرية، تصطدم بإرث ثقيل تشكل خلال أكثر من عقدين من التحولات العنيفة التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما تبعه من إعادة تشكيل للنظام السياسي على أسس طائفية وحزبية، ثم تمدد النفوذ الإيراني داخل البنية العراقية السياسية والأمنية والاقتصادية. وفي قلب هذه المعضلة تقف قضية قوى الحشد الشعبي ، بوصفها العقدة الأكثر حساسية في أي مشروع لإعادة بناء الدولة العراقية.

الدولة العراقية بين الشرعية الرسمية والسلطة الموازية

منذ تأسيس «الحشد الشعبي» عام 2014 استجابة لفتوى «الجهاد الكفائي» التي أطلقتها المرجعية الشيعية في مواجهة تمدد تنظيم الدولة الإسلامية ، لعبت هذه التشكيلات دوراً محورياً في منع انهيار الدولة العراقية واحتواء التهديد الأمني الوجودي. غير أنّ تحوّلها التدريجي إلى بنية أمنية وسياسية واقتصادية موازية للدولة خلق نموذجاً معقداً من «ازدواجية السلطة»، حيث باتت الحكومة العراقية تواجه معضلة وجود مؤسسات رسمية لا تمتلك السيطرة الكاملة على أدوات القوة داخل أراضيها.

ورغم إضفاء الشرعية القانونية على «الحشد الشعبي» عبر القانون رقم 40 لسنة 2016، فإنّ الإشكالية الجوهرية لم تُحلّ، لأنّ الطابع العقائدي والتنظيمي لبعض فصائل الحشد ظل مرتبطاً عضوياً بالنفوذ الإيراني وبشبكات إقليمية تتجاوز حدود الدولة العراقية. وهنا تتبدى المفارقة الأساسية: فالقوى السياسية ذاتها التي دعمت وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة هي نفسها القوى التي تستند في جزء كبير من نفوذها إلى استمرار هذه البنية الموازية.

معضلة حصر السلاح بيد الدولة

يطرح الزيدي مشروعاً لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي بوصفه المدخل الضروري لإصلاح الدولة وتقليص الفساد وجذب الاستثمارات. لكن هذا المشروع لا يمكن فصله عن معضلة حصر السلاح بيد الدولة، وهي النقطة التي تمثل الاختبار الحقيقي لأي محاولة لإعادة إنتاج النظام السياسي العراقي بصورة أكثر استقراراً ومؤسساتية.

إعادة هيكلة «الحشد الشعبي» لا تعني فقط تعديلات إدارية أو قانونية، بل تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين الشرعية الدستورية والشرعية العقائدية. وهذا المسار يفرض عملياً ثلاث خطوات شديدة الحساسية:

  1. سحب السلاح الثقيل والمتوسط من الفصائل المسلحة وإخضاعه الكامل للمؤسسات الرسمية.
  2. إعادة دمج المقاتلين داخل أطر احترافية كالقوات المسلحة والشرطة والأجهزة الاستخباراتية.
  3. تحجيم النفوذ السياسي للفصائل المسلحة داخل البرلمان ومؤسسات الدولة.

غير أنّ هذه الخطوات تصطدم بحقائق القوة على الأرض. فالفصائل المنضوية في «الحشد» لا ترى نفسها جماعات خارجة عن القانون، بل تعتبر سلاحها جزءاً من «معادلة المقاومة» والردع الإقليمي. كما أنّ هذه الفصائل تمتلك نفوذاً واسعاً داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، فضلاً عن قاعدة اجتماعية ومصلحية مرتبطة بشبكات الرواتب والتوظيف والحماية الاقتصادية.

لذلك، فإنّ أي محاولة لفرض تفكيك قسري للحشد قد تُفسَّر داخل البيئة الشيعية باعتبارها استهدافاً سياسياً وأمنياً، بما يفتح الباب أمام صراع شيعي – شيعي ستكون كلفته كارثية على العراق والمنطقة.

حدود المقاربة الأميركية

تتقاطع رؤية الزيدي مع رغبة أميركية وغربية أوسع لإعادة بناء الدولة العراقية وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة. غير أنّ التجربة العراقية أثبتت أن لغة التهديد والعقوبات والضغوط العسكرية كثيراً ما تمنح هذه الجماعات شرعية إضافية داخل بيئاتها الاجتماعية، عبر إعادة إنتاج خطاب «المقاومة» و«الدفاع عن السيادة».

ومن هنا، تبدو فرص نجاح أي مشروع إصلاحي مرتبطة بتغيير المقاربة الأميركية نفسها، من سياسة الضغط الأمني المباشر إلى سياسة الحوافز المؤسسية والاقتصادية. فالولايات المتحدة تملك أدوات مؤثرة في هذا السياق، خصوصاً فيما يتعلق بالنظام المصرفي العراقي، وآليات التحويلات المالية، ودعم سياسات الشفافية والحوكمة، وهي ملفات يمكن أن تسهم تدريجياً في تقليص اقتصاد الظل الذي تستفيد منه الشبكات المسلحة.

كما أنّ تخفيف القيود المالية عن العراق، وربط ذلك بإصلاحات هيكلية واضحة، قد يمنح حكومة الزيدي هامشاً أكبر للمناورة الداخلية دون الظهور بمظهر المنفذ لأجندات خارجية.

البعد الإقليمي وإعادة بناء الاقتصاد العراقي

لا يمكن فصل نجاح أي مشروع لإعادة هيكلة الدولة العراقية عن البيئة الإقليمية المحيطة. فالعراق ظل لعقود ساحة لتقاطع النفوذ الإيراني والأميركي والخليجي والتركي، ما جعل هشاشته الداخلية مرتبطة دائماً بصراعات الإقليم.

وفي هذا السياق، فإنّ توفير مظلة أمان إقليمي لحكومة الزيدي يصبح ضرورة استراتيجية، تقوم على الانتقال من منطق «الهبات والمساعدات» إلى منطق الاستثمارات طويلة الأمد في قطاعات النفط والكهرباء والزراعة والبنية التحتية. فخلق اقتصاد منتج وقادر على استيعاب الشباب العراقي هو الشرط الأساسي لتجفيف البيئة الاجتماعية التي تدفع قطاعات واسعة نحو الانخراط في التنظيمات المسلحة.

إنّ أزمة العراق ليست أمنية فقط، بل هي أزمة دولة واقتصاد وهوية وطنية. وكلما عجزت الدولة عن توفير فرص العمل والخدمات والأمان الاجتماعي، ازداد نفوذ البنى الموازية التي تقدم نفسها بديلاً عن المؤسسات الرسمية.

خاتمة

يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فحكومة علي فالح الزيدي تملك، نظرياً، فرصة لإطلاق مسار إصلاحي يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية العراقية، لكن نجاح هذا المسار مرهون بقدرتها على إدارة التوازنات المعقدة بين الإصلاح والمواجهة، وبين ضرورات بناء الدولة وحقائق القوة القائمة على الأرض.

إعادة هيكلة «الحشد الشعبي» ليست مجرد ملف أمني، بل هي جوهر معركة إعادة تعريف الدولة العراقية نفسها: هل تبقى دولة تتقاسم فيها السلطةُ الرسمية النفوذَ مع قوى موازية، أم تتحول تدريجياً إلى دولة مؤسسات تحتكر السيادة والقانون والسلاح؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل حكومة الزيدي، بل مستقبل العراق كله خلال السنوات المقبلة.