العراق في مفترق طرق: هل تفرض التفاهمات الإقليمية قواعد جديدة؟
تشير التحركات السياسية والدبلوماسية الجارية بين بغداد وواشنطن إلى أن العراق يقف أمام مرحلة حساسة من إعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية، في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال بناء مؤسسات الدولة من جهة، والتعامل مع الملفات الأمنية والسياسية العالقة من جهة أخرى. وتأتي الاستعدادات لزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، بالتزامن مع زيارة مرتقبة للمبعوث الأميركي توم براك إلى بغداد وأربيل، لتسلط الضوء على جملة من القضايا التي تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي لتشمل مستقبل العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة، وطبيعة التوازنات الإقليمية المؤثرة في القرار العراقي.
في الظاهر، تبدو زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن امتداداً لمسار التعاون بين البلدين في المجالات الأمنية والاقتصادية والطاقة. غير أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن الزيارة تحمل أبعاداً سياسية أعمق، تتعلق بإعادة تعريف بعض قواعد العلاقة بين بغداد وواشنطن في مرحلة تشهد تحولات إقليمية متسارعة. فالملفات المطروحة للنقاش لا تقتصر على اتفاقيات التعاون أو مذكرات التفاهم الاقتصادية، بل تشمل قضايا ترتبط مباشرة ببنية النظام السياسي العراقي، وفي مقدمتها مستقبل الفصائل المسلحة، واستكمال التشكيلة الحكومية، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، فضلاً عن أمن قطاع الطاقة. ويعكس هذا التداخل بين الملفات الداخلية والخارجية حقيقة أساسية مفادها أن العديد من القضايا العراقية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية.
وفيما يخص معضلة السلاح بين الدولة والتسويات السياسية، يظل ملف الفصائل المسلحة من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد العراقي المعاصر. فمنذ هزيمة تنظيم داعش عسكرياً عام 2017، برز سؤال جوهري يتعلق بمستقبل القوى المسلحة التي نشأت أو توسعت خلال مرحلة الحرب، ومدى إمكانية دمجها الكامل في مؤسسات الدولة أو إعادة تنظيم علاقتها بالمؤسسة العسكرية الرسمية.
وفي هذا الصدد، تشير التصريحات المتداولة إلى وجود تباينات داخل بعض القوى المسلحة بشأن آليات التعامل مع هذا الملف، كما أن الحديث عن استعداد بعض الأطراف لتسليم السلاح أو إعادة هيكلة أوضاعها التنظيمية يقابله تمسك أطراف أخرى بصيغ مختلفة من الاستقلالية العسكرية أو السياسية.
غير أن أهمية هذا الملف لا تنبع فقط من أبعاده الأمنية، بل من ارتباطه المباشر بتوازنات السلطة داخل العراق، فالكثير من القوى السياسية تمتلك امتدادات أو علاقات مع تشكيلات مسلحة، الأمر الذي يجعل أي معالجة للملف جزءاً من عملية إعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي نفسه. ومن هنا يمكن فهم الحساسية التي تحيط بأي نقاش حول مشاركة بعض القوى في الحكومة أو توليها حقائب وزارية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والانتخابية.
إقليميا، ونظرا لوجود العراق في قلب معادلة واشنطن وطهران، يبدو من الصعب فصل ملف السلاح في العراق عن السياق الإقليمي الأوسع. فالعراق لا يزال يمثل إحدى الساحات الرئيسية التي تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإيرانية، الأمر الذي يجعل كثيراً من الملفات الداخلية مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمستوى التوتر أو التفاهم بين الطرفين.
وفي هذا السياق، يرىٌ عدد من المراقبين أن مستقبل الفصائل المسلحة قد يتأثر بمآلات أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران. فكلما اتجهت العلاقات بين الطرفين نحو التهدئة، زادت فرص التوصل إلى صيغ أكثر مرونة لمعالجة الملفات الأمنية المعقدة في العراق. أما في حال عودة التوتر، فقد يصبح ملف السلاح أحد أبرز أدوات الضغط المتبادل. ولا يعني ذلك أن القرار العراقي غائب بالكامل، لكنه يشير إلى أن هامش الحركة المتاح لبغداد يتأثر بدرجة كبيرة بالبيئة الإقليمية المحيطة.
في هذا الإطار تكتسب الدعوات الأخيرة المتعلقة بنقل معسكرات الحشد الشعبي إلى خارج المدن أهمية خاصة، فهذه الدعوات يمكن قراءتها بوصفها جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى تعزيز الطابع المؤسساتي للقوات المسلحة العراقية وتنظيم انتشار التشكيلات العسكرية المختلفة داخل البلاد. ولا يرتبط الأمر بالضرورة بإعادة النظر في شرعية الحشد الشعبي الذي يعد مؤسسة رسمية عراقية بموجب القانون، بقدر ما يعكس توجهاً نحو إعادة تنظيم العلاقة بين التشكيلات المسلحة والفضاء المدني، بما يتوافق مع متطلبات الأمن والاستقرار وإدارة المدن الكبرى. وتكتسب هذه الخطوات أهمية إضافية في ظل استمرار النقاشات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز احتكار المؤسسات الرسمية للوظيفة الأمنية والعسكرية.
وإلى جانب الملف الأمني، يظل النفط أحد أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين بغداد وأربيل؛ فعلى مدى سنوات طويلة، شكلت إدارة الثروة النفطية وتوزيع الإيرادات محوراً دائماً للخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. ورغم التقدم الذي تحقق في بعض الجوانب، فإن التباينات القانونية والدستورية المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية لا تزال قائمة. كما أن استهداف بعض الحقول النفطية خلال الأشهر الماضية أضاف بعداً أمنياً جديداً إلى القضية، الأمر الذي دفع بغداد إلى تعزيز التنسيق الأمني مع سلطات الإقليم وتقديم ضمانات لحماية المنشآت النفطية والعاملين فيها.
وتعكس الزيارات العسكرية المتبادلة والجهود المشتركة لحماية الحقول النفطية إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن أمن الطاقة لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح جزءاً من الأمن الوطني العراقي بمفهومه الشامل. لاسيما وأن المؤشرات الحالية تظهر أن العراق يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات بناء الدولة والحفاظ على الاستقرار السياسي، فالحكومة تواجه تحدي استكمال مؤسساتها الدستورية، وإدارة العلاقة مع الفصائل المسلحة، ومعالجة الخلافات مع إقليم كردستان، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهوناً بقدرة بغداد على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات مؤسسية مستدامة، وبمدى قدرة الأطراف المختلفة على تغليب منطق الدولة على حساب الحسابات الفئوية والاصطفافات الإقليمية.
بشكل عام، تكشف التحضيرات الجارية للقاءات العراقية ـ الأميركية المقبلة أن بغداد لا تواجه مجرد ملفات تفاوضية منفصلة، بل تتعامل مع حزمة مترابطة من القضايا التي تمس جوهر عملية بناء الدولة. فملف الفصائل المسلحة، والخلافات مع إقليم كردستان، وأمن قطاع الطاقة، واستكمال التوازنات السياسية الداخلية، تبدوا جميعها حلقات في معادلة واحدة عنوانها البحث عن صيغة أكثر استقراراً للعراق في بيئة إقليمية شديدة التقلب. وبينما قد تسهم التفاهمات الدولية والإقليمية في تهيئة الظروف المناسبة لمعالجة بعض هذه الملفات، فإن العامل الحاسم سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات العراقية على إنتاج حلول وطنية مستدامة تعزز سيادة الدولة وتحقق التوازن بين الأمن والاستقرار والتمثيل السياسي.
