اتفاق إيران النووي أمام أصعب اختبار: هل تستطيع آليات التحقق إنقاذ التفاهم الأمريكي-الإيراني؟
لا يمثل التوصل إلى تفاهم سياسي بين الولايات المتحدة وإيران نهاية أزمة البرنامج النووي الإيراني، بل ربما يكون بداية المرحلة الأكثر تعقيدًا فيها. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي اتفاق نووي لا تُقاس قيمته بما يتضمنه من بنود مكتوبة، وإنما بقدرته على الصمود أمام اختبار التنفيذ والتحقق. وفي هذا السياق، تبرز قضية الرقابة الدولية باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في مذكرة التفاهم الجديدة، إذ ستحدد مدى قدرة المجتمع الدولي على التأكد من التزام طهران بتعهداتها النووية، في ظل تاريخ طويل من انعدام الثقة، وتعقيدات ميدانية زادت حدتها الضربات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.
التحقق... جوهر الاتفاق لا تفصيله
خلال العقود الماضية، لم يكن الخلاف الحقيقي بين إيران والغرب يدور حول تخصيب اليورانيوم فحسب، وإنما حول إمكانية التحقق المستقل من الأنشطة النووية الإيرانية. ولذلك، فإن أي اتفاق جديد يظل هشًا إذا لم يتضمن منظومة رقابية دقيقة تمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية القدرة على الوصول إلى المواقع النووية، والتحقق من المواد الانشطارية، ومتابعة دورة الوقود النووي بأكملها.
ورغم إعلان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن العمل سيبدأ قريبًا لوضع الآليات التنفيذية الخاصة بعمليات التفتيش، فإن الخبراء يرون أن الوكالة تمتلك بالفعل خططًا جاهزة تحدد أولويات العودة إلى المواقع الإيرانية، وفي مقدمتها تحديد أماكن اليورانيوم عالي التخصيب، باعتباره العنصر الأكثر حساسية في أي برنامج يمكن أن يتحول سريعًا من الاستخدام السلمي إلى العسكري.
معضلة اليورانيوم عالي التخصيب
تشكل الكميات الكبيرة التي راكمتها إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% التحدي الأول أمام أي عملية تحقق. فالاتفاق المبدئي ينص على تخفيض نسبة التخصيب داخل الأراضي الإيرانية تحت إشراف الوكالة الدولية، إلا أن نجاح هذه العملية يعتمد بالكامل على تفاصيل التنفيذ.
فالرقابة الحقيقية لا تقتصر على مشاهدة عملية تخفيف التخصيب، وإنما تبدأ قبل ذلك بقياس كمية المواد الموجودة وتحديد خصائصها، ثم متابعة عملية المزج، وأخيرًا ختم المنتج النهائي وضمان عدم التلاعب به مستقبلًا. أما إذا قامت إيران بإجراء عمليات التخفيف بصورة منفردة قبل تسليم المواد للمفتشين، فإن ذلك يفتح الباب أمام احتمالات إخفاء جزء من المخزون أو الاحتفاظ بكميات غير معلنة، وهو ما يعيد إنتاج أزمة الثقة التي رافقت الملف النووي طوال العقدين الماضيين.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب الغموض الذي يحيط بمصير نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب، إذ لا تزال الجهات الدولية تجهل ما إذا كانت هذه الكميات ما زالت مدفونة داخل منشآت تعرضت للقصف، أو جرى نقلها إلى مواقع سرية يصعب الوصول إليها.
وقف التخصيب... بين الالتزام السياسي والرقابة الفنية
لا يكفي أن تعلن إيران تعليق عمليات التخصيب أو تخفيض مستوياته، لأن الالتزام السياسي وحده لا يمنع استئناف النشاط النووي في منشآت غير معلنة. ولهذا يؤكد خبراء منع الانتشار النووي أن قيمة أي التزام إيراني تتوقف على مستوى الصلاحيات الممنوحة للمفتشين الدوليين.
وتشمل هذه الصلاحيات سرعة الاستجابة لطلبات التفتيش، وإمكانية الوصول إلى المواقع المشتبه بها دون تأخير، وتوفير المعلومات الكاملة حول المنشآت والمعدات وسلاسل الإمداد النووي. فكل تأخير في عمليات التفتيش يمنح الوقت الكافي لإزالة الأدلة أو نقل المعدات، وهو ما حدث في أزمات سابقة.
كما يطرح بعض المسؤولين الأمريكيين خيار نقل اليورانيوم منخفض التخصيب إلى خارج إيران بعد تخفيفه، بحيث يتم تخزينه في بنك دولي للوقود النووي، وهو خيار يهدف إلى منع إعادة تخصيبه مستقبلاً، لكنه سيواجه على الأرجح اعتراضًا إيرانيًا باعتباره يمس السيادة الوطنية.
البروتوكول الإضافي... السلاح الرقابي الأقوى
من أبرز الدروس التي خرج بها المجتمع الدولي من تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 أن أدوات التفتيش التقليدية لم تعد كافية. ولذلك يبرز البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتباره الأداة الأكثر فاعلية في أي اتفاق جديد.
فهذا البروتوكول لا يقتصر على تفتيش المنشآت النووية المعلنة، بل يسمح بتتبع دورة الوقود النووي كاملة، بما يشمل مصانع أجهزة الطرد المركزي، وسلاسل الإنتاج، والمواقع البحثية، والمرافق الصناعية المرتبطة بالبرنامج النووي.
ورغم أن إيران وقعت البروتوكول الإضافي عام 2003، فإنها لم تصادق عليه بصورة نهائية، واكتفت بتطبيقه مؤقتًا خلال فترات محدودة، قبل أن تتراجع عن ذلك مع تصاعد الخلافات مع الغرب، وهو ما حدّ كثيرًا من قدرة الوكالة الدولية على متابعة الأنشطة الإيرانية بصورة مستمرة.
الضربات العسكرية أوجدت أزمة رقابية جديدة
لم تعد مشكلة المفتشين تقتصر على القيود السياسية، بل أضيف إليها عامل ميداني جديد يتمثل في آثار الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.
فإغلاق المواقع المتضررة ومنع المفتشين من الوصول إليها أدى إلى انقطاع ما تسميه الوكالة الدولية "استمرارية المعرفة"، أي فقدان القدرة على تتبع المواد النووية ومواقع تخزينها بصورة متواصلة. ويعني ذلك أن الوكالة لم تعد تمتلك صورة دقيقة عن حجم المخزون الحالي أو أماكن وجوده، وهو ما يجعل أي عملية تحقق مستقبلية أكثر تعقيدًا من جميع التجارب السابقة.
كما أن حجم الدمار داخل بعض المنشآت، واحتمال وجود ذخائر غير منفجرة، قد يبطئ عمليات التفتيش، ويزيد من صعوبة إعادة بناء قاعدة البيانات التي كانت تمتلكها الوكالة قبل الضربات العسكرية.
أزمة ثقة تتجاوز الجانب الفني
تكشف المفاوضات الجارية أن الخلاف لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح يعكس أزمة ثقة عميقة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تؤكد أنها لا تستطيع بناء الاتفاق على حسن النوايا، بل على التحقق المستمر، بينما ترى إيران أن توسيع صلاحيات المفتشين قد يتحول إلى وسيلة لاختراق بنيتها الأمنية والعسكرية.
ومن ثم، فإن معركة الاتفاق الحقيقي لن تكون حول عدد أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، وإنما حول حدود التفتيش الدولي، وطبيعة المعلومات التي ستقدمها طهران، وسرعة استجابتها لطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
مستقبل الاتفاق... النجاح مرهون بالرقابة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية قد تنجح في وضع إطار سياسي جديد يخفف حدة التوتر، لكنها لن تتحول إلى اتفاق مستقر إلا إذا استطاعت آليات التحقق سد فجوة الثقة التي تراكمت طوال أكثر من عشرين عامًا من الأزمات النووية.
وفي المقابل، فإن أي ثغرة في منظومة الرقابة، أو أي تأخير في وصول المفتشين، أو استمرار الغموض بشأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، سيبقي الاتفاق معرضًا للانهيار عند أول أزمة سياسية أو أمنية. ومن هنا، تبدو معركة التحقق أكثر أهمية من معركة التفاوض نفسها، لأن مستقبل الاتفاق لن يُحسم على طاولة الدبلوماسية، بل داخل المنشآت النووية الإيرانية، حيث ستختبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية قدرتها على إعادة بناء الثقة في واحد من أكثر الملفات النووية تعقيدًا في العالم.
