إيران تعيد رسم معادلة الردع مع واشنطن

تقارير وملفات - Foresight

لا تبدو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في طريقها إلى التسوية السريعة، رغم التراجع النسبي في حدة العمليات العسكرية خلال الأيام الأخيرة. فالتصريحات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، بالتزامن مع التحركات الدبلوماسية المتسارعة قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تكشف عن معادلة أكثر تعقيداً من مجرد تبادل للتهديدات: طهران تسعى إلى رفع كلفة أي هجوم أمريكي جديد، بينما تبقي في الوقت ذاته نافذة التفاوض مفتوحة، في محاولة لإدارة الصراع بين الردع العسكري والضغط السياسي.

وفي هذا السياق، حذّر الحرس الثوري من أن أي هجوم أمريكي جديد على إيران سيقابل باستخدام أسلحة جديدة وتغيير في جغرافيا المواجهة، إلى جانب استهداف مصالح وأصول أمريكية وأهداف لم تتعرض للهجوم من قبل. وبينما لم تحدد طهران طبيعة هذه الأسلحة أو ماهية الأهداف الجديدة، فإن أهمية التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها العسكري، وإنما في الرسالة السياسية التي تحملها: أي تصعيد جديد لن يكون بالضرورة تكراراً لجولات المواجهة السابقة.

توسيع نطاق الردع

تبدو إيران، من خلال خطابها العسكري الأخير، حريصة على إعادة تعريف معادلة الردع مع الولايات المتحدة. فالتهديد باستخدام أسلحة جديدة وتوسيع نطاق الأهداف المحتملة يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن استمرار الضغط العسكري لن يؤدي بالضرورة إلى إخضاع طهران، وإنما قد يدفعها إلى توسيع ساحات الاشتباك ورفع كلفة المواجهة.

وقال المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، إن إيران ستغيّر "الأسلحة وجغرافيا الحرب" في حال تعرضها لهجوم جديد، مؤكداً استعداد بلاده لخوض صراع طويل الأمد. كما تحدث عن إدخال أسلحة ذات قدرات جديدة واستهداف مواقع لم تكن ضمن بنك الأهداف السابق.

ومن الناحية السياسية، يعكس هذا الخطاب محاولة لمنع واشنطن من بناء حساباتها على افتراض أن الجولة المقبلة، إذا وقعت، ستكون نسخة محسنة من الجولات السابقة. فكلما اتسعت دائرة الأهداف المحتملة وتنوعت أدوات الرد، ارتفعت درجة عدم اليقين المرتبطة بأي قرار أمريكي بالتصعيد.

لكن هذا النوع من الردع يحمل في الوقت ذاته مخاطرة واضحة؛ إذ إن توسيع نطاق الأهداف المحتملة قد يؤدي إلى زيادة احتمالات سوء التقدير، خصوصاً عندما تكون خطوط الاتصال السياسية بين الخصمين معرضة للتوتر، وعندما تتداخل الحسابات العسكرية مع ملفات إقليمية متعددة.

من الرد على واشنطن إلى تحذير دول المنطقة

اللافت في الخطاب الإيراني أنه لم يقتصر على الولايات المتحدة، بل امتد إلى دول المنطقة التي قد تسمح باستخدام أراضيها أو منشآتها في أي تحرك عسكري ضد إيران.

وقد حذّر مقر "خاتم الأنبياء" المركزي، الذي ينسق العمليات بين القوات المسلحة الإيرانية، دول المنطقة من المشاركة في أي تحرك ضد طهران، مؤكداً أن إيران ستتعامل مع الدول المنخرطة في مثل هذا التحرك باعتبارها أطرافاً في الهجوم، ولن تواصل تجاهها سياسة ضبط النفس السابقة.

ويحمل هذا التحذير دلالة تتجاوز البعد العسكري المباشر. فطهران تحاول، على ما يبدو، التأثير في حسابات دول المنطقة قبل أن تتخذ الولايات المتحدة أي قرار جديد، عبر رفع تكلفة التعاون العسكري أو اللوجستي معها.

وبذلك يصبح المسرح الإقليمي جزءاً من معادلة الردع الإيرانية، وليس مجرد مساحة خلفية للصراع الأمريكي الإيراني. فكلما اتسعت شبكة الأطراف المحتملة في المواجهة، أصبح اتخاذ قرار بالتصعيد أكثر تعقيداً بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها الإقليميين.

مضيق هرمز: الضغط الاقتصادي في مواجهة الضغط العسكري

يحتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في هذه المعادلة. فالمواجهة بين واشنطن وطهران لا تجري فقط عبر التهديدات والهجمات العسكرية، وإنما تمتد إلى حركة الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

وأظهرت بيانات أولية لشركة "كبلر"، وفق ما نقلته رويترز، عبور 12 سفينة لنقل السلع خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بـ35 سفينة في عطلة نهاية الأسبوع السابقة. وتبقى هذه الأرقام غير مكتملة، في ظل إمكانية إطفاء بعض السفن أجهزة إرسال بيانات مواقعها.

وتكمن أهمية هرمز في أن أي اضطراب مستدام في حركة الملاحة عبره يمكن أن يتحول سريعاً من قضية أمنية إقليمية إلى قضية اقتصادية دولية. ولذلك فإن استخدام المضيق كأداة ضغط يخلق معادلة شديدة الحساسية: إيران تستطيع التأثير في حركة الملاحة، لكن استمرار اضطرابها قد يوسّع دائرة الأطراف المتضررة من الأزمة، ويزيد الضغوط الدولية عليها.

وفي المقابل، فإن محاولة الولايات المتحدة ممارسة الضغط على إيران عبر البيئة البحرية والاقتصادية يمكن أن تدفع طهران إلى استخدام أدواتها في المضيق بصورة أكثر اتساعاً.

وهكذا يتحول هرمز إلى إحدى أهم ساحات اختبار الإرادة بين الطرفين، حيث تتداخل اعتبارات الأمن العسكري مع أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

الدبلوماسية لا تتوقف رغم تصاعد التهديدات

المفارقة الأساسية في المشهد الراهن أن التصعيد العسكري يتزامن مع تحرك دبلوماسي واضح.

ففي الوقت الذي يعلن فيه الحرس الثوري استعداده لخوض حرب طويلة واستخدام أسلحة جديدة، يتجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مروراً بالدوحة للتشاور بشأن التطورات الإقليمية.

كما يستعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للتوجه إلى نيويورك، حيث من المتوقع أن يلقي كلمة أمام الجمعية العامة وأن يعقد لقاءات مع عدد من القادة والمسؤولين على هامش الاجتماعات.

هذه الازدواجية ليست بالضرورة تناقضاً. ففي أزمات الصراع الممتدة، يمكن للرسائل العسكرية والتحركات الدبلوماسية أن تؤدي وظيفة واحدة: تحسين شروط التفاوض عبر التأثير في حسابات الطرف المقابل.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك الإيراني باعتباره محاولة للجمع بين إظهار القدرة على تحمل التصعيد، والحفاظ على قنوات سياسية تمنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا يمكن التحكم في نتائجها.

ترامب بين التهديد وخيار اللقاء

على الجانب الأمريكي، يبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تحاول الاحتفاظ بهامش واسع من الخيارات.

فبحسب تقارير إعلامية أمريكية، أبدى ترامب انفتاحاً على لقاء بزشكيان، في الوقت الذي نُقلت عنه تصريحات تفيد بأنه لا يزال في مرحلة اتخاذ القرار بشأن الحرب مع إيران.

هذا التداخل بين التهديد بالتدهور الاقتصادي أو التصعيد العسكري، وبين احتمال عقد لقاء مباشر، يعكس طبيعة السياسة الأمريكية تجاه طهران في المرحلة الراهنة: الضغط الأقصى لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام التفاوض، بل يمكن أن يستخدم كوسيلة لرفع كلفة استمرار الموقف الإيراني قبل أي محادثات محتملة.

غير أن غياب إعلان رسمي عن ترتيب لقاء بين الرئيسين يظل مهماً؛ إذ إن الحديث عن احتمال اللقاء لا يعني أن مساراً تفاوضياً مستقراً قد تشكل بالفعل.

والأهم أن أي لقاء، إذا تم، سيكون محكوماً بموازين القوة التي أنتجتها الحرب والتصعيد السابق، وبالقضايا التي لا تزال تفصل بين الطرفين، وفي مقدمتها الملف النووي والأمن الإقليمي والعقوبات والضمانات المطلوبة من الجانبين.

الملف النووي يعود إلى الواجهة

ربما يكون أخطر تطورات الأزمة السياسية الداخلية في إيران هو تجدد النقاش بشأن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

فقد أعلن النائب الإيراني حسين علي حاجي دليغاني أن مقترحاً تشريعياً للانسحاب من المعاهدة قُدم إلى هيئة رئاسة البرلمان، بانتظار الموافقة على إدراجه في جدول الأعمال.

وحتى الآن، لا يبدو أن هناك توافقاً إيرانياً كاملاً حول هذه الخطوة؛ إذ أظهرت تصريحات أعضاء في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية تبايناً بين من يرى ضرورة اتخاذ قرار موحد داخل مؤسسات الحكم، ومن يحذر من أن الانسحاب قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الخارجية.

وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الأزمة حساسية. فالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، إذا تحول إلى سياسة رسمية، لن يكون مجرد خطوة قانونية أو تقنية، بل سيبعث برسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الأوروبية بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

وفي المقابل، فإن مجرد طرح الفكرة داخل المؤسسات السياسية الإيرانية قد يستخدم كورقة ضغط تفاوضية، من دون أن يعني بالضرورة أن قرار الانسحاب قد اتُخذ.

لذلك، سيكون من المهم التمييز بين طرح الانسحاب كخيار سياسي وبين تحوله إلى قرار رسمي قابل للتنفيذ.

معركة داخلية حول زيارة بزشكيان

لا تخلو السياسة الإيرانية الداخلية من تداعيات الأزمة الخارجية. فالزيارة المرتقبة لبزشكيان إلى نيويورك أثارت نقاشاً داخل إيران بين تيارات سياسية مختلفة.

ففي حين اعتبرت صحيفة "آرمان امروز" الإصلاحية الزيارة خطوة شجاعة، دعت صحيفة "كيهان" المحافظة إلى خطاب أكثر حزماً، محذرة من تقديم أي إشارة يمكن تفسيرها باعتبارها ضعفاً أمام الولايات المتحدة.

كما أبدى وزير الاتصالات السابق محمد جواد آذري جهرمي تحفظاً على جدوى المشاركة الرئاسية في بعض الظروف.

ويكشف هذا الجدل عن أن المواجهة مع واشنطن لم تعد قضية خارجية فقط، وإنما أصبحت جزءاً من النقاش حول اتجاه السياسة الإيرانية نفسها: هل ينبغي توسيع مساحة التفاوض والانخراط الدبلوماسي، أم إعطاء الأولوية لإظهار الصلابة والقدرة على الصمود؟

ومن ثم، فإن كلمة بزشكيان في الأمم المتحدة قد تكون موجهة إلى جمهورين في آن واحد: الخارج، حيث تحاول إيران التأثير في حسابات القوى الدولية، والداخل، حيث يتعين على الرئيس أن يثبت أن الانفتاح الدبلوماسي لا يعني التراجع عن عناصر القوة الإيرانية.

بين الحرب والتفاوض: أزمة بلا مخرج سريع

تكشف التطورات المتزامنة أن الصراع الأمريكي الإيراني دخل مرحلة يمكن وصفها بأنها إدارة للتصعيد أكثر من كونها انتقالاً واضحاً نحو الحرب أو السلام.

إيران ترفع سقف التهديد العسكري، وتحذر دول المنطقة، وتلوّح بتغيير أدواتها وأهدافها، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على نشاطها الدبلوماسي وتتجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

والولايات المتحدة من جانبها تواصل الضغط والتهديد، لكنها لا تغلق الباب أمام احتمال اللقاء المباشر مع القيادة الإيرانية.

وفي منتصف هذه المعادلة يقف مضيق هرمز والملف النووي باعتبارهما من أكثر أدوات الضغط حساسية. فالأول يمنح طهران ورقة تأثير على التجارة والطاقة العالمية، بينما يمثل الثاني جوهر الخلاف الاستراتيجي بين إيران والغرب.

لكن استمرار هذه المعادلة يحمل مخاطر متزايدة. فكلما طال أمد الصراع، أصبحت احتمالات الخطأ في الحسابات أكبر، خصوصاً إذا تزامن الضغط العسكري مع تضييق اقتصادي وتوتر بحري وتصعيد في الملف النووي.

الخلاصة: الردع وحده لا يحسم الصراع

لا تشير التطورات الحالية إلى أن أياً من الطرفين قد حسم خياره النهائي بين التصعيد والتفاوض. وعلى العكس، يبدو أن واشنطن وطهران تتحركان داخل مساحة رمادية تجمع بين الضغط العسكري والرسائل السياسية والاتصالات الدبلوماسية.

إيران تراهن على أن رفع كلفة المواجهة يمكن أن يمنع واشنطن من الذهاب إلى جولة جديدة من التصعيد، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات.

لكن نجاح أي من الاستراتيجيتين لا يتوقف على قوة الرسائل وحدها، وإنما على قدرة كل طرف على إدارة المخاطر الناجمة عن استخدامها.

فإذا تحولت التهديدات إلى خطوات عملية، فقد تنتقل الأزمة من مرحلة الردع المتبادل إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم في مساراتها. أما إذا استُخدمت التهديدات باعتبارها أدوات لتحسين شروط التفاوض، فقد تفتح الأزمة نفسها الطريق أمام مسار دبلوماسي جديد.

وبين هذين الاحتمالين، ستظل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتحركات الإيرانية والأمريكية على هامشها، ومصير مضيق هرمز، ومستقبل الاتفاقات والالتزامات النووية، مؤشرات رئيسية على اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

فالمسألة لم تعد مجرد سؤال حول ما إذا كانت إيران والولايات المتحدة ستتصادمان مجدداً، بل حول ما إذا كان الطرفان قادرين على استخدام أدوات القوة والضغط من دون تجاوز النقطة التي يصبح بعدها التصعيد أكبر من قدرة السياسة على احتوائه.