هرمز بوابة التفاوض: هل تقترب واشنطن وطهران من صفقة مؤقتة؟

تقدير موقف - Foresight

لم يعد مضيق هرمز مجرد ساحة من ساحات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحول إلى ورقة التفاوض الأكثر حساسية في الصراع الدائر بين الطرفين. فبينما تسعى واشنطن إلى استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، تحاول إيران توظيف قدرتها على التأثير في حركة الملاحة والطاقة للضغط في الاتجاه المعاكس. وبين هذين المسارين تتحرك وساطة قطرية تبحث عن صيغة مؤقتة تسمح بوقف القتال وإعادة فتح المضيق، من دون أن تعني بالضرورة حسم القضايا الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.

المؤشرات القادمة من نيويورك توحي بوجود اتصالات غير مباشرة نشطة، لكنها لا ترقى بعد إلى مفاوضات سياسية مكتملة. فلقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالوسيط القطري، والرسائل المتبادلة عبر الوسطاء، والحديث عن نسخة معدلة من المقترح الإيراني ذي الشروط السبعة، كلها تشير إلى أن قنوات الاتصال لم تنقطع، حتى مع استمرار التصريحات المتشددة من الجانبين.

لكن المفارقة الأساسية أن الطرفين لا يزالان ينطلقان من ترتيبين مختلفين للأولويات. إيران تريد وقف الأعمال القتالية، ورفع الحصار، وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، ثم استخدام إعادة فتح مضيق هرمز كبادرة مقابلة. أما واشنطن فتبدو معنية بتحويل أي اتفاق مؤقت إلى مدخل للحصول على تنازلات إيرانية في الملف النووي، بما في ذلك استئناف عمليات التفتيش والرقابة الدولية.

من يملك ورقة الضغط الأقوى؟

تكشف طبيعة المقترحات المطروحة أن جوهر الأزمة لم يعد متعلقاً فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بمن يدفع أولاً ثمن العودة إلى التهدئة. حيث تريد طهران أن تحصل على مكاسب اقتصادية وسياسية قبل تقديم تنازل استراتيجي في الملف النووي. وفي المقابل، تبدو واشنطن أقل استعداداً للعودة إلى صيغة تفاهم يونيو التي كانت تفصل بين إعادة فتح المضيق وبين الدخول لاحقاً في مفاوضات نووية.

وهنا تظهر أهمية مضيق هرمز. فبالنسبة إلى إيران، يمثل المضيق ورقة ضغط تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة؛ إذ يرتبط بحركة الطاقة العالمية وبقدرة طهران على التأثير في الأسواق الدولية. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار تعطيل الملاحة يخلق كلفة اقتصادية لا يمكن تجاهلها، لكنه في الوقت نفسه يمنح واشنطن مبرراً للاستمرار في ممارسة الضغط على إيران.

وبذلك نشأ وضع تفاوضي معقد: كل طرف يستطيع إلحاق كلفة بالطرف الآخر، لكن كلفة استمرار المواجهة ليست متساوية بالضرورة ولا يمكن التنبؤ بحدودها بسهولة.

لماذا تبدو المفاوضات أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى تسوية الصراع؟

اللافت في الاتصالات الحالية أن الحديث يدور حول ترتيب مؤقت للتهدئة أكثر مما يدور حول اتفاق نهائي. فالصيغة التي يجري بحثها تقوم، وفق المعطيات المتداولة، على خطوات متبادلة: إعادة فتح المضيق، رفع الحصار، ثم تخفيف العقوبات، مع الانتقال لاحقاً إلى الملف النووي. وهذا يعني أن الوسطاء يحاولون تفكيك الأزمة إلى مراحل بدلاً من محاولة حلها دفعة واحدة.

هذه المقاربة تبدو منطقية في ظل اتساع فجوة الثقة بين واشنطن وطهران. فالاتفاق الشامل يتطلب معالجة ملفات متشابكة: البرنامج النووي، العقوبات، أمن الملاحة، الضمانات ضد تجدد الهجمات، والأصول الإيرانية المجمدة. أما الاتفاق المرحلي فيتيح للطرفين اختبار مدى التزام الآخر قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.

لكن المشكلة أن المرحلية نفسها قد تتحول إلى مصدر جديد للخلاف. فمن يضمن أن ترفع واشنطن الحصار والعقوبات بعد إعادة فتح المضيق؟ ومن يضمن أن تلتزم إيران بالتزاماتها النووية بعد حصولها على المكاسب الاقتصادية؟ ومن يضمن ألا يؤدي تغير الموقف السياسي في أي من العاصمتين إلى انهيار التفاهم مرة أخرى؟

الملف النووي يعود إلى قلب الأزمة

ربما يكون التطور الأكثر أهمية في الاتصالات الحالية هو محاولة الولايات المتحدة ربط التهدئة في هرمز بالملف النووي. فطهران تريد التعامل مع البرنامج النووي باعتباره ملفاً تفاوضياً مستقلاً يمكن بحثه بعد وقف القتال وإزالة الضغوط الاقتصادية. أما واشنطن فتسعى، وفق المعطيات المطروحة، إلى جعل أي تسوية مؤقتة خطوة أولى نحو اتفاق نووي أكثر اتساعاً.

وهنا تتجاوز القضية مسألة التخصيب أو التفتيش الدولي لتصل إلى مشكلة الثقة الاستراتيجية. حيث تريد إيران ضمانات بأن أي تنازل تقدمه لن يعقبه هجوم جديد أو عودة سريعة للعقوبات. وفي المقابل، تريد الولايات المتحدة ضمانات بأن التنازلات الاقتصادية والأمنية التي تقدمها لن تسمح لطهران بإعادة بناء قدراتها النووية أو العسكرية ثم العودة إلى نقطة الصفر. ومن ثم، فإن العقبة الحقيقية أمام التسوية ليست غياب قنوات الاتصال، وإنما غياب آلية تضمن تنفيذ التزامات الطرفين على مراحل متعاقبة.

التصعيد الداخلي الإيراني يضيّق مساحة المناورة

لا تتحرك القيادة الإيرانية في فراغ سياسي داخلي. فالمطالبة التي أطلقها أكثر من 30 مسؤولاً إيرانياً سابقاً بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تكشف وجود اتجاه داخل إيران يرى أن الضغوط الخارجية تستدعي إعادة النظر في القيود التي فرضتها طهران على نفسها.

أهمية هذه الدعوة لا تكمن فقط في احتمال تنفيذها، وإنما في كونها تضيف ضغطاً داخلياً على صانع القرار الإيراني. فكل تنازل في المفاوضات يمكن أن يواجه من الداخل باعتباره استجابة للضغط الأميركي، بينما يمكن أن يُنظر إلى التشدد النووي باعتباره وسيلة لتعزيز الردع.

ومن هنا تصبح مهمة القيادة الإيرانية أكثر تعقيداً: فهي مطالبة بالحفاظ على قدرة الردع في مواجهة الخارج، وفي الوقت نفسه عليها منع استمرار المواجهة من التحول إلى استنزاف اقتصادي وعسكري طويل الأمد.

الحرس الثوري والممر البحري

تزداد أهمية البعد العسكري مع انتقال الخطاب الإيراني حول هرمز من التهديد بإغلاق المضيق إلى تقديمه باعتباره ساحة عمليات عسكرية مستمرة.

والتصريحات المنسوبة إلى قيادات الحرس الثوري بشأن استهداف أو الاستيلاء على معدات أميركية في المنطقة، إلى جانب الرسائل الصادرة عن القيادة الإيرانية حول العمليات قرب هرمز، تؤكد أن طهران لا تريد أن تبدو وكأنها تتراجع تحت الضغط.

وهذا يفسر جزئياً صعوبة المفاوضات الحالية. ففتح المضيق لا يمثل بالنسبة إلى إيران مجرد قرار فني يتعلق بالملاحة، بل يمكن أن يُقدَّم داخلياً باعتباره نتيجة لاتفاق متبادل لا استجابة لضغوط عسكرية.

وبالمقابل، فإن قبول واشنطن بإعادة فتح المضيق من دون الحصول على مكاسب واضحة في الملف النووي قد يُفهم باعتباره تراجعاً عن سياسة الضغط القصوى التي اتبعتها الإدارة الأميركية.

العامل الاقتصادي: النفط كوسيط غير مباشر

لا يمكن فصل المفاوضات عن سوق الطاقة. فاستمرار اضطراب الملاحة في هرمز يرفع تكلفة الصراع على الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي يفرض فيه الحصار والعقوبات تكلفة مباشرة على الاقتصاد الإيراني.

وهكذا أصبح النفط بمثابة وسيط غير مباشر في التفاوض. ارتفاع الأسعار يخلق ضغوطاً على المستهلكين والاقتصادات العالمية، لكنه في الوقت ذاته يرفع أهمية استمرار صادرات النفط الإيرانية بالنسبة إلى طهران. وكلما طال أمد الأزمة، أصبح السؤال ليس فقط من يستطيع الصمود عسكرياً، وإنما من يستطيع تحمل الكلفة الاقتصادية لفترة أطول.

وهذا يفسر ربما اهتمام الوسطاء بإنتاج اتفاق سريع ومحدود يوقف التدهور قبل أن يتحول الصراع حول المضيق إلى أزمة اقتصادية أوسع.

ثلاثة مسارات محتملة

يمكن قراءة المشهد الراهن من خلال ثلاثة مسارات رئيسية، من دون أن يعني ذلك أن أحدها محسوم.

المسار الأول: تسوية مرحلية.
يقوم على إعادة فتح مضيق هرمز ووقف القتال ورفع أو تخفيف بعض القيود الاقتصادية، مقابل التزام إيراني بالدخول في مفاوضات نووية لاحقة والسماح بقدر من الرقابة الدولية. ويمثل هذا المسار محاولة للفصل بين الملفات الأكثر تعقيداً، مع إبقاء التفاوض مفتوحاً.

المسار الثاني: استمرار المساومة تحت الضغط.
قد يواصل الطرفان تبادل الضغوط من دون اتفاق سريع، بحيث تستخدم واشنطن العقوبات والحصار والضغط العسكري، بينما تستخدم طهران المضيق والقدرات العسكرية والملف النووي. وفي هذه الحالة يصبح الوسطاء أداة لإدارة الأزمة أكثر من كونهم وسطاء لاتفاق نهائي.

المسار الثالث: عودة التصعيد.
إذا فشلت الاتصالات في إنتاج صيغة مقبولة، فقد تعود المواجهة إلى مسار أكثر حدة، خصوصاً إذا اعتبر أحد الطرفين أن استمرار الضغط سيؤدي إلى تنازلات أكبر من الطرف الآخر. وتزداد مخاطر هذا المسار إذا ارتبطت الأزمة البحرية بالبرنامج النووي أو بعمل عسكري جديد.

الخلاصة: معركة التفاوض قبل أن تكون معركة المضيق

تكشف التطورات الحالية أن السؤال المركزي لم يعد: هل تريد واشنطن وطهران التفاوض؟ فاستمرار الرسائل والوساطات يؤكد أن قنوات الاتصال لا تزال قائمة.

السؤال الأهم هو: ما الذي سيحصل عليه كل طرف مقابل الخطوة الأولى؟

إيران تريد تحويل إعادة فتح هرمز إلى مقابل لرفع الحصار والعقوبات، بينما تريد واشنطن تحويل هرمز إلى مدخل لاتفاق أوسع يعالج البرنامج النووي. وبين المطلبين يحاول الوسطاء صياغة معادلة تسمح لكل طرف بتقديم تنازل من دون أن يبدو متراجعاً أمام جمهوره.

لذلك، فإن احتمال التوصل إلى تفاهم لا يتوقف فقط على حجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها طهران أو واشنطن، وإنما على قدرة الوسطاء على بناء تسلسل للخطوات يجعل التنازل الأول قابلاً للتحقق وقابلاً للعكس إذا لم يلتزم الطرف الآخر.

وفي هذا السياق، سيظل مضيق هرمز مركز الأزمة، لكن ليس لأنه مجرد ممر مائي استراتيجي؛ بل لأنه أصبح اختباراً لمعادلة القوة بين واشنطن وطهران. فإذا أمكن تحويله من أداة ضغط إلى نقطة بداية لتبادل التنازلات، فقد يشكل مدخلاً لتهدئة أوسع. أما إذا بقي كل طرف يطالب الآخر بالخطوة الأولى، فإن المضيق سيظل مفتوحاً على احتمالين متناقضين: أن يصبح بوابة للتفاوض، أو أن يتحول إلى شرارة لجولة جديدة من التصعيد.