بث تجريبي

من ساحات أوكرانيا إلى أمن الخليج: الجغرافيا الجديدة لحروب المسيّرات

تحليلات - Foresight

في خضم التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تبدو الاتفاقيات الدفاعية التي وقعتها أوكرانيا مع السعودية والإمارات وقطر أكثر من مجرد تعاون عسكري تقني، فهي تكشف عن تشكّل نمط جديد من التحالفات الأمنية العابرة للأقاليم، حيث تنتقل خبرات الحروب الحديثة من ساحات القتال الأوروبية إلى مناطق التوتر في الشرق الأوسط، في إطار معادلة جيوسياسية تتجاوز حدود الصراع الروسي–الأوكراني نفسه.

تصدير خبرة الحرب

منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، تحولت الأراضي الأوكرانية إلى مسرح مكثف للحروب التكنولوجية الحديثة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة. فالهجمات الروسية بطائرات "شاهد" الإيرانية الصنع دفعت كييف إلى تطوير منظومات دفاعية مبتكرة، تعتمد على وسائل منخفضة الكلفة نسبياً لكنها فعالة في اعتراض المسيّرات. واليوم تحاول أوكرانيا تحويل هذه الخبرة العسكرية إلى أداة نفوذ دبلوماسي واقتصادي. فالدول التي تواجه تهديدات مشابهة بالطائرات المسيّرة، خصوصاً في الشرق الأوسط، تمثل سوقاً طبيعياً لهذه التكنولوجيا الدفاعية الجديدة. وهنا تتحول أوكرانيا من دولة تتلقى الدعم العسكري إلى دولة تصدّر خبرة أمنية مكتسبة من الحرب، وهو تحول يحمل دلالات مهمة على صعيد مكانتها في النظام الدولي.

الخليج والبحث عن معادلة ردع جديدة

في المقابل، تواجه دول الخليج تحدياً أمنياً متزايداً يتمثل في انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، سواء في سياق الصراع مع إيران أو عبر جماعات مسلحة حليفة لها في المنطقة. وقد أظهرت مجريات الحرب الراهنة في الشرق الأوسط أن أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، رغم تقدمها، ليست دائماً الحل الأكثر كفاءة في مواجهة هذا النوع من التهديدات. فإطلاق صاروخ دفاع جوي قد تبلغ تكلفته ملايين الدولارات لاعتراض طائرة مسيّرة رخيصة يخلق اختلالاً اقتصادياً في معادلة الردع. لذلك تبدو التجربة الأوكرانية جذابة لدول الخليج، لأنها تقدم نموذجاً مختلفاً للدفاع الجوي يقوم على أنظمة اعتراض منخفضة الكلفة وأكثر مرونة في التعامل مع أسراب المسيّرات.

الأهم من الجانب التقني هو ما تعكسه هذه الاتفاقيات من تقاطع بين مسارين جيوسياسيين مختلفين: الحرب في أوروبا والصراعات الأمنية في الشرق الأوسط. فأوكرانيا تواجه روسيا التي تستخدم مسيّرات إيرانية، بينما تواجه دول الخليج تهديدات مشابهة مرتبطة بطهران أو بحلفائها الإقليميين. وهكذا تصبح التكنولوجيا نفسها نقطة التقاء بين جبهتين جغرافيتين متباعدتين لكنهما متصلتان في طبيعة التهديد، وهو ما يخلق نوعاً جديداً من التعاون الأمني العابر للأقاليم، حيث تنتقل خبرات الحرب مباشرة من ساحة صراع إلى أخرى.

وفي سياق أوسع، تعكس هذه الاتفاقيات تحوّلاً تدريجياً في طبيعة التحالفات الدولية. فدول الخليج التي كانت تعتمد تاريخياً على المظلة الأمنية الغربية، خصوصاً الأمريكية، بدأت خلال السنوات الأخيرة تنوّع شراكاتها العسكرية والتكنولوجية. وفي المقابل، تسعى أوكرانيا إلى توسيع حضورها الدبلوماسي خارج أوروبا، وبناء علاقات استراتيجية مع قوى إقليمية مؤثرة بما ينسجم مع محاولة كييف إعادة تعريف دورها الدولي ليس فقط كدولة تواجه الغزو الروسي، بل كفاعل أمني يمتلك خبرة فريدة في الحروب الحديثة.

اقتصاد الحرب والتكنولوجيا

هذه الاتفاقيات لا يمكن فصلها أيضاً عن التحولات في اقتصاد الصناعات العسكرية، فالحرب الأوكرانية أظهرت أن التكنولوجيا منخفضة التكلفة – مثل المسيّرات – يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة العسكرية. وفي هذا السياق، قد تتحول الشراكات بين أوكرانيا ودول الخليج إلى منصة لتطوير صناعات دفاعية مشتركة، تجمع بين الخبرة العملياتية الأوكرانية والقدرات الاستثمارية والتكنولوجية الخليجية. إن مثل هذا التعاون قد يسرّع ظهور جيل جديد من أنظمة الدفاع ضد المسيّرات، وربما يعيد تشكيل سوق السلاح العالمي في هذا المجال.

ملامح نظام أمني جديد

في النهاية، قد لا تكون الاتفاقيات الدفاعية بين أوكرانيا ودول الخليج مجرد خطوة تقنية في مجال مكافحة المسيّرات، بل مؤشراً على تحوّل أعمق في بنية الأمن الدولي. فالحروب الحديثة باتت تنتج شبكات تعاون عابرة للقارات، حيث تنتقل المعرفة العسكرية بسرعة بين مناطق الصراع المختلفة. وفي عالم يتزايد فيه الاعتماد على التكنولوجيا منخفضة التكلفة، قد تصبح خبرات الحرب نفسها مورداً استراتيجياً قابلاً للتصدير. ومن هذه الزاوية، فإن التعاون بين كييف ودول الخليج قد يكون جزءاً من إعادة رسم خريطة الأمن العالمي، حيث تتقاطع مسارات الحرب في أوروبا مع توازنات القوة في الشرق الأوسط، في نظام دولي يتشكل على وقع الطائرات المسيّرة أكثر مما يتشكل على وقع الجيوش التقليدية.