يوروفايتر وإعادة تموضع تركيا في الأمن الأوروبي
تشهد هندسة الأمن الأوروبي مرحلة إعادة تشكّل عميقة في ظل تراجع اليقين حول المظلة الأمنية الأمريكية وتصاعد التهديدات المرتبطة بالحرب الروسية في أوكرانيا. وفي هذا السياق، عادت تركيا لتفرض نفسها لاعباً محورياً في معادلة الأمن القاري، وهو ما تجسّد بوضوح في زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى أنقرة برفقة وزير الدفاع وقائد سلاح الجو الملكي. لم تكن الزيارة مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل حملت دلالات استراتيجية عميقة، تمثلت في توقيع صفقة توريد مقاتلات "يوروفايتر تايفون" إلى تركيا، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الدفاعية بين أنقرة ولندن من مستوى التنسيق السياسي إلى شراكة عسكرية أكثر عمقاً ومؤسسية.
تتجاوز صفقة "يوروفايتر" كونها عقد تسليح تقليدي، إذ تمثل جزءاً من عملية إعادة تعريف موقع تركيا داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية. فالاتفاق الذي يشمل توريد عشرين مقاتلة مع خيار توسيع الصفقة مستقبلاً، إضافة إلى خطة تركية لرفع العدد إلى أربعٍ وأربعين طائرة عبر شراء مقاتلات إضافية من قطر وسلطنة عُمان، يشير إلى تحول في التفكير الاستراتيجي الأوروبي تجاه أنقرة. فبعد سنوات من التوترات السياسية والخلافات داخل حلف الناتو، يبدو أن أوروبا باتت ترى في تركيا شريكاً أمنياً ضرورياً في مواجهة التحديات المتزايدة على حدود القارة الشرقية والجنوبية.
ويعكس رفع ألمانيا اعتراضها على الصفقة في عام 2025 تحوّلاً مهماً في المزاج الاستراتيجي الأوروبي. فقد كانت برلين قد عرقلت سابقاً تصدير المقاتلات إلى تركيا بسبب الخلافات السياسية المرتبطة بالعمليات التركية في شمال سوريا وقضايا حقوق الإنسان. إلا أن تصاعد القلق الأوروبي من مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية، خاصة في ظل التحولات في السياسة الدولية لواشنطن، دفع عدداً من العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم أهمية تركيا في معادلة الأمن الإقليمي. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وتتمتع بتموضع جغرافي فريد يمتد من البلقان إلى القوقاز والشرق الأوسط والبحر الأسود، إضافة إلى صناعة دفاعية متنامية باتت قادرة على إنتاج منظومات متقدمة من الطائرات المسيّرة والسفن الحربية وأنظمة الدفاع الجوي.
في هذا الإطار، تبدو صفقة "يوروفايتر" جزءاً من مسار أوسع لدمج الصناعات الدفاعية التركية في المشاريع الأوروبية الهادفة إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي عن الولايات المتحدة. فالاتحاد الأوروبي يسعى منذ سنوات إلى تطوير مجمع صناعي عسكري قادر على تلبية احتياجات القارة الدفاعية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية. ومن هذا المنظور، فإن إدماج القدرات الصناعية التركية في هذا المشروع يمثل مكسباً مزدوجاً؛ إذ يوفر لأوروبا قاعدة صناعية إضافية، ويمنح تركيا في المقابل فرصة لتعزيز حضورها في برامج التصنيع العسكري المتقدمة.
ويتقاطع هذا التطور مع التحول في الاستراتيجية الأمريكية العالمية التي تميل إلى تقاسم الأعباء الأمنية مع الحلفاء بدلاً من تحملها بشكل منفرد. فواشنطن تشجع شركاءها الأوروبيين على تطوير قدراتهم الدفاعية الذاتية، مع احتفاظ الولايات المتحدة بدور داعم وموجّه. وبذلك يمكن قراءة التقارب الدفاعي بين تركيا وأوروبا بوصفه أحد تجليات هذا التحول في بنية النظام الأمني الدولي، حيث يتزايد اعتماد القوى الإقليمية على ترتيبات أمنية متعددة الأطراف بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.
من جهة أخرى، يرتبط قرار تركيا شراء مقاتلات "يوروفايتر" أيضاً بإعادة هيكلة عقيدتها الجوية في ضوء التحولات التي كشفتها الحروب الإقليمية الأخيرة. فقد أظهرت المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر 2023، وكذلك المواجهة القصيرة بين إسرائيل وإيران، أهمية امتلاك منظومات جوية متطورة قادرة على العمل ضمن بيئة قتالية معقدة تجمع بين الطائرات المأهولة والمسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة. لذلك تعمل أنقرة على بناء قوة جوية هجينة تعتمد على مزيج من الطائرات الغربية المتقدمة والمقاتلات المحلية قيد التطوير، إلى جانب شبكة واسعة من الطائرات المسيّرة القتالية.
في هذا السياق، تمثل مقاتلات "يوروفايتر تايفون" حلاً انتقالياً مهماً لتركيا، إذ تنتمي هذه الطائرات إلى الجيل 4.5 وتجمع بين قدرات مناورة عالية وأنظمة استشعار إلكترونية متقدمة وشبكات ربط بيانات تسمح بالتكامل مع المنظومات الجوية الأخرى. وتتيح هذه القدرات لتركيا سد الفجوة بين أسطولها الحالي من طائرات F-16 القديمة وطائرات F-4 التي تعود إلى أجيال سابقة، وبين مشروع المقاتلة التركية من الجيل الخامس "قآن" التي ما تزال في مرحلة التطوير ومن المتوقع أن تحتاج عدة سنوات قبل دخولها الإنتاج الكامل.
كما تأتي الصفقة في ظل سباق تسلح جوي متصاعد في شرق المتوسط والشرق الأوسط. فإسرائيل تمتلك أسطولاً متقدماً من مقاتلات F-35 الشبحية، بينما تعمل اليونان على تحديث قدراتها الجوية عبر شراء طائرات F-35 ومقاتلات رافال الفرنسية وتحديث أسطولها من F-16. وفي المقابل، تمتلك دول عربية مثل مصر والإمارات وقطر والسعودية مقاتلات متطورة من طراز رافال ويوروفايتر. ضمن هذا المشهد الإقليمي المعقد، تسعى تركيا إلى الحفاظ على توازن استراتيجي في المجال الجوي عبر تطوير قدراتها القتالية وإدماج تقنيات جديدة في بنيتها العسكرية.
وتكشف الطريقة التي صُممت بها الصفقة، بما يشمل شراء طائرات إضافية من قطر وسلطنة عُمان، عن مستوى عالٍ من التنسيق الدفاعي بين تركيا وبعض الدول الخليجية. فهذه الخطوة تسمح لأنقرة بتسريع إدخال المقاتلات الأوروبية إلى الخدمة دون انتظار جداول الإنتاج الطويلة لدى الكونسورتيوم الأوروبي، وهو ما يمنحها قدرة على سد الفجوة الزمنية بين أسطولها الحالي ومشروع المقاتلة الوطنية "قآن".
في المحصلة، تعكس صفقة "يوروفايتر" أكثر من مجرد تحديث في الأسطول الجوي التركي؛ فهي تمثل مؤشراً على تحوّل أوسع في العلاقات الدفاعية بين تركيا وأوروبا، وعلى إعادة تموضع أنقرة داخل المنظومة الأمنية الغربية. وإذا استمرت هذه الدينامية في السنوات المقبلة، فقد تصبح تركيا شريكاً أساسياً في برامج التصنيع الدفاعي الأوروبية، بما يعيد رسم توازنات القوة في شرق المتوسط ويؤثر في مسار سباق التسلح الجوي في المنطقة.
