حرب المسيّرات وتحوّل الجبهات في السودان.. صراع عسكري يعيد رسم خريطة الحرب

تقدير موقف - Foresight

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب السودانية، لم تعد المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» تتحرك وفق المعادلات العسكرية التي حكمت مراحلها الأولى. فمع تغير خرائط السيطرة وانتقال ثقل العمليات من الخرطوم ودارفور إلى كردفان والنيل الأزرق، برز عامل جديد يعيد تشكيل طبيعة الصراع: الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة بعيدة المدى.

إعلان الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيّرة من طراز «FH-95» صينية الصنع شمال غربي مدينة الخوي في ولاية غرب كردفان ليس حادثة منفصلة. فالجيش أعلن إسقاط عدد من المسيّرات من الطراز نفسه في كردفان خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات غير المأهولة في العمليات العسكرية.

هذه التطورات تشير إلى انتقال الحرب إلى مرحلة يصبح فيها التفوق الجوي والتكنولوجي والقدرة على ضرب أهداف بعيدة عناصر مؤثرة في تحديد مسار العمليات، بالتوازي مع استمرار المعارك البرية التقليدية.

لكن التحول الأخطر لا يتعلق بالسلاح وحده، وإنما باتساع المساحة التي يستطيع طرفا الحرب الوصول إليها، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى المدنيين والبنية التحتية والممرات الإنسانية.

المسيّرات تغير جغرافيا الحرب

منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، مرت الحرب السودانية بمراحل مختلفة. بدأت المعارك الأساسية داخل الخرطوم، ثم اتسع الصراع في دارفور، قبل أن تتحول كردفان تدريجيًا إلى واحدة من أهم ساحاته.

وتنبع أهمية كردفان من موقعها الجغرافي بين مناطق وسط السودان ودارفور. فهي ليست مجرد ساحة جديدة للقتال، وإنما ممر استراتيجي يمكن أن يؤثر التحكم فيه على قدرة الطرفين على نقل القوات والإمدادات والتحرك بين شرق البلاد وغربها.

ومع احتدام المواجهة، اكتسبت المسيّرات أهمية متزايدة لأنها تسمح باستهداف خطوط الإمداد والقواعد والمنشآت دون الحاجة إلى السيطرة البرية المباشرة على المناطق المحيطة بها.

وهكذا تتغير إحدى القواعد التقليدية للحرب: السيطرة على الأرض لم تعد تعني بالضرورة القدرة على حماية المجال الموجود خلف خطوط القتال.

فالطائرة المسيّرة بعيدة المدى تستطيع نقل الحرب إلى مدينة أو منشأة تبعد عشرات أو مئات الكيلومترات عن الجبهة.

وتظهر خطورة ذلك في كردفان بوضوح، حيث تحولت المسيّرات إلى عنصر متكرر في العمليات العسكرية، فيما وثقت تقارير دولية سقوط مدنيين وتضرر منشآت عامة خلال ضربات جوية نفذتها أطراف الحرب.

«FH-95» ودلالة سباق التكنولوجيا

يحمل تكرار ظهور طائرات «FH-95» دلالة تتجاوز إسقاط طائرة بعينها.

فهذا النوع من المسيّرات صُمم لمهام متعددة تشمل الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية، ويمكنه البقاء في الجو لفترات طويلة. وبالتالي فإن وجود هذه المنظومات في ساحة القتال يعكس ارتفاعًا في مستوى القدرات التكنولوجية المستخدمة في الحرب السودانية.

والأهم أن الطرفين عملا خلال الحرب على تطوير قدراتهما الجوية غير المأهولة.

وهذا التحول يجعل الحرب أكثر ارتباطًا بسلاسل توريد التكنولوجيا العسكرية وبقدرة الأطراف على الحصول على مسيّرات ومكونات واتصالات ووسائل تشويش ومراقبة.

وبالتالي، فإن ميزان القوة لا يتحدد فقط بعدد المقاتلين أو العربات العسكرية، بل كذلك بالقدرة على مراقبة تحركات الخصم، واستهداف خطوطه الخلفية، وحماية المجال الجوي من الطائرات غير المأهولة.

إنها عملية تحول تدريجي من حرب تعتمد بدرجة كبيرة على الاشتباك المباشر إلى حرب هجينة تجمع بين القوات البرية والأسلحة التقليدية والقدرات الجوية والتكنولوجيا بعيدة المدى.

كردفان.. عقدة الحرب الجديدة

إذا كانت دارفور قد مثلت خلال مراحل سابقة مركزًا رئيسيًا للصراع، فإن كردفان أصبحت الآن إحدى أهم المناطق التي يمكن أن تحدد اتجاه المرحلة المقبلة.

فالجيش يسعى إلى توسيع نطاق سيطرته غربًا، بينما تمثل المنطقة بالنسبة إلى «الدعم السريع» عمقًا مهمًا لحماية مناطق نفوذه وربطها ببقية مسارح العمليات.

ولهذا لا يمكن قراءة المعارك في شمال وغرب وجنوب كردفان بوصفها مواجهات محلية منفصلة.

السيطرة على الطرق والمدن والمحاور هناك ترتبط بالسؤال الأكبر المتعلق بإمكانية انتقال القوات بين وسط السودان ودارفور، وبالتالي بقدرة كل طرف على المحافظة على تماسك مناطقه.

وكلما أصبحت خطوط المواجهة أكثر ثباتًا بين مناطق يسيطر عليها الجيش وأخرى تهيمن عليها «الدعم السريع»، زادت مخاطر تحول السودان إلى مناطق نفوذ عسكرية منفصلة بحكم الأمر الواقع.

ولهذا يحمل الصراع على كردفان أهمية تتجاوز السيطرة على مدن بعينها؛ فهو صراع على التواصل الجغرافي بين أجزاء البلاد.

النيل الأزرق وفتح جبهة مختلفة

بالتوازي مع معارك كردفان، يمثل التصعيد في النيل الأزرق تطورًا استراتيجيًا آخر.

فالإقليم يقع في جنوب شرقي السودان بالقرب من الحدود الإثيوبية، ما يمنح أي تحولات عسكرية داخله أبعادًا جغرافية وأمنية مختلفة عن جبهات دارفور وكردفان.

وشهدت المنطقة خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا في العمليات العسكرية وتحولات في السيطرة على عدد من المناطق، بالتزامن مع تحركات «الدعم السريع» وحلفائها في مواجهة الجيش والقوات المساندة له.

وبصرف النظر عن الادعاءات المتعارضة بشأن السيطرة على بعض المواقع، فإن الاتجاه العام واضح: الحرب تتسع جغرافيًا بدل أن تنكمش.

وفتح جبهة نشطة في النيل الأزرق يعني أن الجيش بات مضطرًا إلى التعامل مع ضغوط متزامنة في أكثر من اتجاه، بينما تحاول القوى المناوئة له توسيع مساحة العمليات وإجباره على توزيع موارده العسكرية.

لكن لهذه الاستراتيجية تكلفة إنسانية مباشرة، إذ يؤدي انتقال القتال إلى مناطق جديدة إلى إنتاج موجات نزوح جديدة بدل السماح بعودة السكان إلى المناطق التي تراجع فيها القتال.

المدنيون داخل مدى الحرب الجديدة

أحد أخطر آثار انتشار المسيّرات هو تآكل المسافة بين الجبهة والمناطق المدنية.

في الحروب التقليدية يمكن، ولو نسبيًا، تحديد خطوط الاشتباك والمناطق الأكثر تعرضًا للخطر. أما الأسلحة بعيدة المدى فتجعل المدن والأسواق والطرق والمطارات والمرافق الحيوية عرضة للضرب حتى عندما تكون بعيدة عن المعارك البرية.

وقد وثقت جهات دولية خلال 2026 سقوط مدنيين في هجمات بالمسيّرات واستهداف أو تضرر منشآت مدنية في مناطق الصراع.

ويكتسب الأمر خطورة أكبر في بلد يعاني أصلًا من انهيار واسع في الخدمات الصحية والغذائية.

فكل ضربة تستهدف طريقًا أو مستودعًا أو وسيلة نقل لا تؤثر فقط على الموقع المستهدف، وإنما يمكن أن تعطل شبكة كاملة يعتمد عليها آلاف المدنيين.

وهنا تنتقل المسيّرات من كونها أداة عسكرية إلى عامل يضاعف هشاشة المجتمع المدني.

المساعدات الإنسانية تدخل ساحة النار

الهجوم الذي أصاب شاحنتين متعاقدتين مع برنامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان يقدم مثالًا مباشرًا على هذه المخاطر.

كانتا تحملان مساعدات غذائية وفي طريقهما من الدلنج إلى كادوقلي عندما تعرضتا لهجوم جوي في 3 أكتوبر، ما أدى إلى مقتل أحد السائقين، وفق برنامج الأغذية العالمي.

تكمن خطورة مثل هذه الحوادث في أن تأثيرها يتجاوز الخسائر المباشرة.

فالمنظمات الإنسانية تحتاج إلى ممرات وطرق يمكن توقع مستوى المخاطر فيها. وعندما تصبح وسائل النقل الإنساني نفسها معرضة للهجوم، ترتفع تكلفة العمليات وقد تتقلص قدرة المنظمات على الوصول إلى المجتمعات المحاصرة.

وهكذا تتحول السيطرة على الممرات الإنسانية بصورة غير مباشرة إلى عنصر في ميزان الحرب.

فمن يستطيع تعطيل الطرق أو جعلها غير آمنة يستطيع التأثير في قدرة مناطق كاملة على الحصول على الغذاء والدواء، حتى دون السيطرة عليها عسكريًا.

النزوح يعكس تحرك الجبهات

يمكن قراءة خريطة النزوح باعتبارها مؤشرًا آخر على الاتجاه الذي تتحرك فيه الحرب.

فمنظمة الهجرة الدولية سجلت موجات نزوح كبيرة من النيل الأزرق خلال 2026. وفي مطلع أكتوبر وحده، أفادت بنزوح نحو 2800 شخص من عشر قرى في محلية ود الماحي خلال يوم واحد نتيجة تدهور الوضع الأمني.

هذه التحركات السكانية ليست مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تكشف انتقال مناطق جديدة من حالة الهشاشة إلى حالة المواجهة المباشرة.

ومع كل جبهة جديدة تظهر احتياجات إضافية إلى الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية، بينما تعمل المؤسسات الإنسانية بموارد محدودة وفي بيئة أمنية متدهورة.

وتشير تقديرات أممية لعام 2026 إلى أن نحو 33.7 مليون شخص داخل السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما يبلغ عدد النازحين داخل البلاد وخارجها نحو 13 مليون شخص.

وبالتالي لم تعد الأزمة الإنسانية مرافقة للحرب فحسب، بل أصبحت إحدى سماتها البنيوية.

من الحرب العسكرية إلى تفكك الأمن الاجتماعي

تكشف الاضطرابات الأمنية والجرائم التي تشهدها بعض المدن السودانية عن مستوى آخر من تداعيات الصراع.

فالحرب الطويلة تؤدي عادة إلى انتشار السلاح وإضعاف المؤسسات الأمنية وتراجع الخدمات وفرص العمل، وهي عوامل توفر بيئة خصبة للجريمة والعنف المحلي.

ومن هنا فإن الخطر الذي يواجه السودان لا يقتصر على المعارك بين قوتين عسكريتين.

حتى المناطق التي تتراجع فيها المواجهات المباشرة قد تواجه تحديًا مختلفًا يتمثل في كيفية استعادة الشرطة والقضاء والخدمات والإدارة المدنية، وإعادة ضبط انتشار السلاح.

وبهذا المعنى، فإن استعادة مدينة عسكريًا لا تعني بالضرورة استعادة الدولة داخلها.

فالاستقرار يتطلب قدرة المؤسسات على توفير الأمن اليومي للسكان، وليس فقط إخراج قوات الخصم من المنطقة.

هل تتجه الحرب نحو تثبيت مناطق النفوذ؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تطرح خريطة العمليات سؤالًا يتجاوز نتيجة كل معركة منفردة: هل تتحول خطوط القتال تدريجيًا إلى حدود فعلية بين مناطق نفوذ مختلفة؟

إن اتساع سيطرة طرف في بعض المناطق وتقدم الطرف الآخر في مناطق مختلفة، بالتزامن مع تعدد الجبهات، يمكن أن ينتج واقعًا يصبح فيه توحيد المجال السياسي والأمني أكثر صعوبة حتى إذا تراجعت العمليات العسكرية لاحقًا.

ولا يعني ذلك أن تقسيم السودان أصبح نتيجة حتمية، لكنه يجعل الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة والجغرافيا السياسية تحديًا أكثر تعقيدًا كلما طال أمد الحرب.

فالصراعات الممتدة لا تعيد رسم خرائط السيطرة العسكرية فقط؛ إنها تعيد تشكيل شبكات الاقتصاد والتجارة وحركة السكان ومراكز الإدارة والولاءات المحلية.

وكلما استمرت هذه الشبكات منفصلة، ارتفعت تكلفة إعادة دمجها مستقبلًا.

حرب تتغير أسرع من فرص إنهائها

تكشف التطورات الأخيرة في كردفان والنيل الأزرق أن الحرب السودانية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، لا مرحلة أقرب بالضرورة إلى الحسم.

المسيّرات تمنح الأطراف قدرة أكبر على الوصول إلى العمق، لكنها لا تضمن السيطرة على الأرض. والتقدم البري يمكن أن يغير خرائط النفوذ، لكنه يفتح جبهات جديدة تحتاج إلى قوات وإمدادات. واتساع العمليات يضغط على الخصم، لكنه في الوقت نفسه يضاعف أعداد النازحين ويضع مزيدًا من المناطق المدنية في دائرة الخطر.

لهذا فإن إسقاط طائرة «FH-95» ليس مهمًا فقط بوصفه واقعة عسكرية. أهميته الحقيقية تكمن في ما يرمز إليه: الحرب السودانية أصبحت أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، وأكثر انتشارًا جغرافيًا، وأقل قدرة على الفصل بين الجبهة والعمق المدني.

ومع انتقال مركز القتال بين كردفان والنيل الأزرق ودارفور، يصبح الخطر الأكبر ألا تؤدي التحولات العسكرية إلى حسم الصراع، بل إلى إعادة إنتاجه في صورة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.

وعندها لن يكون السؤال الأساسي فقط: من يسيطر على المدينة التالية؟ بل: ما الذي سيتبقى من الدولة والمجتمع والاقتصاد عندما تتوقف المعارك؟