هل اكتشف أدونيس التراث أم اخترع تراثًا جديدًا؟
من أخطر ما يمكن أن يفعله الباحث بالتاريخ ألا يقرأه كما وقع، بل كما يتمنى أن يكون قد وقع، فالتاريخ ليس مرآة تعكس رغباتنا، ولا صفحة بيضاء نكتب عليها أحلامنا المؤجلة، وإنما هو عالم مستقل له منطقه الخاص وقوانينه الداخلية وسياقاته التي لا تستأذن أحدًا،ةومن هنا كانت القيمة العلمية لأي مشروع فكري مرهونة بقدرته على الإصغاء إلى الماضي قبل الحديث باسمه، غير أن القارئ لكتاب «الثابت والمتحول» لا يلبث أن يشعر بأنه أمام ظاهرة مختلفة، فهو لا يقرأ مجرد دراسة للتراث العربي، بل يقرأ محاولة لإعادة صياغة هذا التراث كله وفق ثنائية حادة ومغرية في آن واحد: ثبات في جانب وتحول في جانب آخر، جمود هنا وثورة هناك، سلطة هنا وحرية هناك.
وللوهلة الأولى تبدو الفكرة آسرة، بل تكاد تمنح القارئ مفتاحًا سحريًا لفهم ألف عام من الثقافة العربية، لكن المشكلة الكبرى ليست في بساطة الفكرة، بل في الثمن الذي دفعه التاريخ ليبدو بهذه البساطة، فهل اكتشف أدونيس حقًا قانونًا خفيًا يحكم الثقافة العربية؟ أم أنه صنع نموذجًا نظريًا مسبقًا ثم أعاد ترتيب التراث كله ليخضع له؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يكون نقطة البداية في أي قراءة نقدية لهذا المشروع.
والباحث الحقيقي يدخل التاريخ كمن يدخل مدينة مجهولة، يتفحص شوارعها ويستكشف تضاريسها ويحاول فهم أهلها، أما صاحب الفكرة المسبقة فيدخل التاريخ كقاضٍ لا كباحث، إنه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الأدلة التي تؤيد الحكم الذي أصدره سلفًا، وهنا تكمن المعضلة الأساسية في «الثابت والمتحول»، فأدونيس لا يبدأ بسؤال مفتوح حول طبيعة الثقافة العربية، بل يبدأ بإجابة جاهزة تقريبًا، هناك تيار محافظ يمثل الثابت، وهناك تيار ثوري يمثل المتحول، ثم ينطلق بعد ذلك في رحلة طويلة لاكتشاف الشواهد التي تؤيد هذا التقسيم.
لكن هل كان التراث العربي نفسه يفكر بهذه الطريقة؟ هل كان أبو تمام يصف نفسه بأنه مثال «للمتحول»؟ هل كان الشافعي أو الطبري أو البخاري يرون أنفسهم حراسًا «للثابت»؟ الحقيقة أن هذه الثنائية لم تكن موجودة في وعي الشخصيات التاريخية ذاتها، إنها إطار تفسيري حديث أُسقط على الماضي بعد قرون طويلة، وبمجرد إسقاطه أصبح كل شيء يُقرأ من خلاله، حتى بدا كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
ومن السهل تقسيم العالم إلى أبيض وأسود، لكن الصعوبة الحقيقية هي الاعتراف بوجود المناطق الرمادية، والتراث العربي تحديدًا من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا وتداخلًا، فالعلماء الذين يصنفهم أدونيس ضمن معسكر «الثابت» كانوا في كثير من الأحيان مجددين عظامًا، والشخصيات التي يرفعها إلى مقام «المتحول» كانت بدورها تستند إلى تراث سابق وتتحرك داخله لا خارجه، لقد كان الشافعي ثورة معرفية في أصول الفقه، وكان الخليل بن أحمد ثورة في اللغة، وكان سيبويه ثورة في النحو، وكان البخاري ثورة في منهج النقد التاريخي للروايات، وكان علماء الكلام ثورة في الجدل العقلي، وكان الأصوليون ثورة في بناء المناهج الاستدلالية، فأين نضع هؤلاء؟ هل هم من الثابت أم من المتحول؟ إن مجرد طرح السؤال يكشف هشاشة التقسيم نفسه، لأن الواقع التاريخي أكثر ثراءً من أن يُختزل في معسكرين متقابلين.
فكل مشروع فكري يملك الحق في اختيار نماذجه، لكن ليس له الحق في الادعاء أن هذه النماذج تمثل الصورة الكاملة، وهنا يظهر أحد أخطر المآخذ المنهجية على كتاب أدونيس، إن القارئ يلاحظ ميلًا واضحًا نحو استدعاء الشخصيات الصدامية والهامشية والاستثنائية بوصفها التعبير الأصدق عن روح الإبداع العربي، في المقابل يجري تقديم التيار المركزي في الحضارة العربية الإسلامية بوصفه تيارًا محافظًا قمعيًا معاديًا للحرية، لكن السؤال الذي لا يجيب عنه الكتاب بوضوح هو: إذا كان هذا التيار المركزي مجرد قوة كبح وخنق وإلغاء، فكيف استطاع أن ينتج واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ؟
كيف ازدهرت علوم الفقه واللغة والحديث والتفسير والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والكيمياء؟
كيف تحولت بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة إلى مراكز علمية عالمية؟
كيف نشأت آلاف المؤلفات التي ما زال العالم يدرس بعضها إلى اليوم؟
إن الحضارة لا يصنعها قمع ويبنيها جمود، ولا تستمر قرونًا كاملة إذا كانت قائمة على محاربة العقل والإبداع كما يوحي بعض خطاب أدونيس.
ولعل السؤال الأخطر ليس: ما الذي قاله أدونيس عن التراث؟ بل: ما الذي أراد أن يجده فيه؟ ذلك أن القراءة المتأنية تكشف أن الكتاب لا يكتفي بوصف الماضي، بل يسعى إلى البحث عن جذور فكرية لمشروع حداثي معاصر، وكأن المؤلف يجول في التاريخ العربي كله باحثًا عن أسلاف مفكرين لموقفه الثقافي الحديث، ولهذا السبب تبرز بعض الشخصيات بقوة مذهلة داخل الكتاب، لا لأنها كانت الأكثر تأثيرًا تاريخيًا، بل لأنها الأقرب إلى النموذج الفكري الذي يبحث عنه، إننا هنا لا نقرأ التراث كما تشكل عبر القرون، بل كما يحتاجه مشروع ثقافي معاصر، وبهذا المعنى يصبح الماضي مادة خامًا لإنتاج خطاب حديث، لا موضوعًا مستقلًا للفهم والدراسة.
وليس كل تأويل اختراعًا، لكن التأويل يتحول إلى اختراع عندما يصبح النص أسيرًا للنظرية بدل أن تكون النظرية خادمة للنص، وهذا ما يبدو حاضرًا في أجزاء واسعة من مشروع «الثابت والمتحول»، فأدونيس لا يكتشف تيارًا خفيًا كان مجهولًا في الثقافة العربية بقدر ما يعيد بناء التاريخ وفق خريطة فكرية رسمها سلفًا، إنه لا يقرأ الماضي من داخله، بل يقرأه من خارج زمنه، ولا يستنطق النصوص بقدر ما يعيد توجيهها نحو النتيجة التي يريد الوصول إليها، ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق القارئ طوال رحلته مع هذا الكتاب ليس: هل أقنعنا أدونيس بوجود الثابت والمتحول؟ بل: هل كان الثابت والمتحول حقيقة كامنة في التراث العربي؟ أم أنهما عدستان حديثتان نظر من خلالهما أدونيس إلى الماضي فرأى فيه صورته الفكرية الخاصة؟
ربما أعظم ما يمكن أن يقدمه القارئ لأدونيس هو أن يخضع مشروعه نفسه لذلك التمرد النقدي الذي دعا إليه، فإذا كان أدونيس قد ثار على التراث، فإن من حقنا أن نثور على قراءة أدونيس للتراث، بل إن ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي مشروع يدّعي الدفاع عن الحرية والعقل، وحين نفعل ذلك قد نكتشف أن القضية ليست وجود «ثابت» و«متحول» داخل التراث العربي، بل وجود «ثابت» و«متحول» داخل قراءة أدونيس نفسها؛ ثابت هو الفرضية التي لم تتغير، ومتحول هو التاريخ الذي أعيد تشكيله مرارًا ليوافقها.
