بث تجريبي

قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل

ثقافة - حسين الجوادي
حسين الجوادي
كاتب مصري

ليست كل يدٍ تمتدُّ إليك نعمة، ولا كلُّ وجهٍ يبتسم لك واحةَ أُنسٍ وسلام، ففي هذه الدنيا أناسٌ يشبهون السراب؛ يلوحون من بعيد كأنهم ماءٌ يروي ظمأ الروح، فإذا اقتربت منهم لم تجد إلا وهجًا يحرق القلب ويزيده عطشًا، ومن هنا قيل: «قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل»؛ لأن بعض القرب أذى، وبعض البعد رحمة، وبعض الخسارات أرباحٌ تتنكر في ثياب الفقد، فالجاهل ليس بالضرورة من قلَّ علمه، وإنما هو من ضاق أفقه حتى صار أسير نزواته، ومن أظلمت بصيرته حتى عجز عن رؤية الأشياء في مواضعها، إنه كريحٍ عاتيةٍ تدخل البستان فلا تفرِّق بين الزهرة والشوكة، ولا بين الغصن المثمر والعشب اليابس؛ تقتلع الجميع في غمرة طيشها، ثم تمضي غير شاعرةٍ بما صنعت، فإذا اتصل بك مثل هذا الإنسان، جرَّ إلى حياتك من الفوضى أكثر مما يجلب من الأنس، ومن التعب أكثر مما يمنح من الراحة.

وما الجاهل إلا كدخانٍ كثيفٍ يتسلل إلى البيت من نافذةٍ مواربة؛ لا يهدِّم الجدران دفعةً واحدة، لكنه يملأ الأرجاء كدرًا واختناقًا حتى يفقد المكان صفاءه، كذلك الجاهل إذا صاحبته، تسللت إلى أيامك شوائبُه، وتسرَّبت إلى نفسك همومُه، وأصبحتَ تنفق من وقتك وعقلك أكثر مما تجني من مودته وقربه، أما العاقل، فهو كالنهر العذب الذي يمرُّ بالأرض القاحلة فيكسوها خضرةً ونماءً، حضوره إضافة، وكلامه بناء، وصحبته ارتقاء، إذا اقترب منك زادك سعةً في الفكر، ونبلًا في الخلق، وطمأنينةً في النفس، العاقل لا يثقل عليك بحماقاته، ولا يرهقك بمعارك وهمية، بل يفتح لك نوافذ جديدة على الحكمة، ويمنحك من صفاء روحه ما يشبه نسيم الفجر حين يوقظ الحدائق من سباتها.

ولهذا كانت قطيعة الجاهل في بعض الأحايين هديةً مُغلَّفة، فكم من إنسانٍ ظنَّ أن انصراف بعض الناس عنه مصيبة، ثم اكتشف بعد حين أن ذلك الانصراف كان بابًا للسكينة، وكم من قلبٍ تألم لفقد رفيقٍ، ثم أدرك أن الرفيق لم يكن إلا حجرًا يشدُّه إلى القاع وهو يظنُّه جناحًا يحمله إلى السماء، فالعلاقات ليست بكثرتها بل بقيمتها، فالشجرة لا تقاس بعدد الأوراق الذابلة العالقة بأغصانها، وإنما بما تمنحه من ثمرٍ وظل، وكذلك الإنسان لا يغتني بكثرة من حوله، بل بمن يضيفون إلى عمره معنى، وإلى روحه نورًا، وما أكثر الذين يحيطون بنا كالغبار؛ يملؤون المشهد حضورًا، لكنهم لا يضيفون إليه جمالًا ولا جدوى.

ومن دقائق الحكمة أن بعض الأبواب المغلقة تكون نوافذ مفتوحة إلى حياةٍ أفضل، فإذا أغلق الجاهل باب وصله، فقد يفتح لك باب راحةٍ لم تكن تدرك قيمتها، وكأن القدر يقول لك بلطفٍ خفي: ليس كل من غاب عنك خسارة، وليس كل من ابتعد عن طريقك عقوبة؛ فربما كان البعد تطهيرًا للطريق من الأشواك، وتمهيدًا لمرور القوافل الآمنة، وهكذا تظلُّ هذه العبارة القصيرة تحمل في طياتها فلسفةً عميقة:

أن قيمة الإنسان ليست في مجرد وجوده بجوارك، بل في الأثر الذي يتركه في نفسك، فإن كان قربه يورثك اضطرابًا فبعده سلام، وإن كان وصله يثقل روحك فقطيعته راحة، وحينئذٍ تصبح قطيعة الجاهل -بكل ما فيها من غياب- معادلةً لصلة العاقل بكل ما فيها من حضور؛ لأن الحكمة ليست في كثرة الرفاق، بل في حسن الاختيار، ولأن الروح كحديقةٍ نادرة لا يليق بها أن تُسقى إلا بماء الحكمة، ولا أن يُسمح بالدخول إليها إلا لمن يحمل في يده نورًا لا دخانًا.