«أيام حي البوسطة»: حين تتحول ذاكرة المكان إلى مرآة للمجتمع السوداني
لا تبدو رواية «أيام حي البوسطة» للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى مجرد استعادة لحي قديم في مدينة أم درمان، بقدر ما تقدم محاولة أدبية لقراءة المجتمع من خلال ذاكرة المكان وسيرورة العلاقات الإنسانية التي تشكلت داخله. وقد صدرت الرواية أخيراً عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة، بعدما سبق أن فازت، وهي في صورتها المخطوطة، بالمركز الأول في جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، بما يضعها ضمن الأعمال السودانية المعاصرة التي تسعى إلى إعادة مساءلة العلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية.
ينطلق العمل من فضاء حي «البوسطة» في أم درمان، لكنه لا يتعامل مع المكان بوصفه مجرد خلفية جغرافية للأحداث؛ فالحي يتحول تدريجياً إلى شخصية روائية قائمة بذاتها، تختزن تاريخ سكانها وتفاصيل حياتهم اليومية، وتحتفظ بآثار التحولات التي طرأت على المجتمع من حولهم. ومن خلال هذا الفضاء المكاني، ينسج الكاتب شبكة من الحكايات المتداخلة التي تتقاطع فيها المصائر الفردية مع التحولات الاجتماعية الأوسع، بحيث يصبح ما يحدث داخل البيوت امتداداً لما يجري في المجتمع، كما تصبح تفاصيل الحياة اليومية مدخلاً لفهم البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج تلك المصائر.
وتكتسب الرواية خصوصيتها من اعتمادها على تفاعل واضح بين التجربة الشخصية والذاكرة الجمعية. فالكاتب يستلهم بعض شخصياته وحكاياته من وقائع وأشخاص عرفهم، لكنه لا ينقل هذه التجارب بصورة تسجيلية، وإنما يعيد تشكيلها داخل البناء الروائي، مانحاً إياها أبعاداً تتجاوز حدود التجربة الفردية. وهنا تبرز إحدى وظائف الرواية الأساسية: تحويل الذاكرة الخاصة إلى مادة يمكن من خلالها تأمل المجتمع، ورصد ما قد لا تكشفه الوثائق الرسمية أو السرديات الكبرى عن الحياة اليومية للأفراد.
وفي هذا السياق، تحظى الشخصيات النسائية بمساحة بارزة في الرواية، إذ تصبح تجاربهن نافذة على عدد من القضايا الاجتماعية والنفسية المعقدة. وتتحرك الحكايات بين أجيال مختلفة، بما يسمح برصد انتقال أنماط التفكير والسلوك من جيل إلى آخر، وفي الوقت نفسه الكشف عن التحولات التي طرأت على الأسرة والعلاقات الاجتماعية. ومن خلال هذه الشخصيات، تتناول الرواية قضايا العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، واضطراب العلاقات الأسرية، وما يرتبط بها من ضغوط اجتماعية وثقافية تترك آثارها في تكوين الفرد وفي خياراته ومصيره.
ولا يقدم الكاتب هذه الموضوعات باعتبارها قضايا منفصلة، بل يربط بينها داخل شبكة من العلاقات المتشابكة. فالعنف داخل الأسرة، على سبيل المثال، لا يظهر بوصفه سلوكاً فردياً معزولاً، وإنما باعتباره ظاهرة يمكن فهمها في ضوء منظومة أوسع من السلطة والعادات والتوقعات الاجتماعية. وكذلك لا يظهر المرض النفسي باعتباره حالة طبية فحسب، وإنما يتقاطع مع نظرة الأسرة والمجتمع إلى المريض، ومع الأدوار التي يضطر أفراد الأسرة إلى أدائها في مواجهة المرض وتداعياته.
ومن أكثر المساحات دلالة في الرواية تلك المتعلقة بتجربة المرض النفسي، حيث يتجاوز السرد وصف الحالة المرضية إلى استكشاف تأثيرها في المحيطين بالمريض. وتكشف إحدى المقاطع عن هذا البعد من خلال العلاقة بين الابنة وأمها، وعن التحول الذي يطرأ على شخصية الابنة بمجرد دخولها إلى فضاء المستشفى:
«فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ [...]».
تكشف هذه الفقرة عن طبيعة السرد الذي يعتمده الكاتب في التعامل مع المرض النفسي؛ فالمرض لا يُروى من الخارج باعتباره حالة سريرية، وإنما يُستكشف من خلال أثره في العلاقات الإنسانية وفي الحياة اليومية للأسرة. كما أن المستشفى نفسه يتحول إلى فضاء سردي موازٍ للحي، تتجاور داخله قصص المرضى وتتشكل علاقات جديدة بينهم، بما يجعل التجربة الفردية جزءاً من خبرة جماعية أوسع تتقاطع فيها المعاناة والعزلة والحاجة إلى الفهم.
واللافت في المقطع أن الساردة لا تكتفي بمراقبة حالة أمها، وإنما تصبح مع مرور الوقت أكثر قرباً من مرضى آخرين، فتتعرف إلى قصصهم وتفاصيل حياتهم، وتجد في تجاربهم ما يشبه تجربتها الخاصة. وبذلك تتسع دائرة التعاطف من العلاقة بين الابنة والأم إلى علاقة أوسع مع أشخاص آخرين يحمل كل منهم قصة من الألم. وتقدم الرواية، عبر هذا المسار، المرض النفسي باعتباره تجربة إنسانية واجتماعية لا يمكن اختزالها في التشخيص الطبي وحده.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «أيام حي البوسطة» باعتبارها رواية عن العلاقات بقدر ما هي رواية عن المكان. فالمكان يكتسب دلالته من الأشخاص الذين يعيشون فيه، والأشخاص بدورهم يتشكلون تحت تأثير البيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها. وبين الطرفين تنشأ علاقة متبادلة: فالحي يحتفظ بذكريات سكانه، بينما تحمل الشخصيات داخل ذاكرتها صورة الحي وتاريخه وتحولاته. ومن ثم، فإن استعادة المكان تصبح في الوقت نفسه استعادة لعلاقات ووقائع وصراعات ظلت حاضرة في الذاكرة.
وتتصل هذه الرؤية بمسألة أوسع تتعلق بتمثيل المدينة في الرواية السودانية المعاصرة. فأم درمان هنا ليست مجرد موقع للأحداث، وإنما فضاء اجتماعي وثقافي يحمل طبقاته التاريخية والإنسانية. ومن خلال حي صغير، يتيح السرد إمكانية الاقتراب من المجتمع السوداني من مستوى التفاصيل اليومية، بعيداً عن الاقتصار على الأحداث السياسية الكبرى أو التحولات التاريخية المباشرة. فالتغير الاجتماعي يمكن أن يظهر أيضاً في شكل العلاقات داخل الأسرة، وفي طبيعة الزواج، وفي علاقة الأجيال ببعضها، وفي الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى المرض والاختلاف والسلوك الخارج عن المألوف.
ويمنح هذا المنظور الرواية قيمة تتجاوز بعدها الحكائي؛ إذ تتيح للقارئ تأمل الطريقة التي تتشكل بها مصائر الأفراد داخل بيئاتهم الاجتماعية. فالشخصية الروائية لا تتحرك في فراغ، وإنما تتأثر بتاريخ الأسرة، وبالسلطة الأبوية، وبالمعايير الاجتماعية، وبالصور النمطية التي يفرضها المجتمع على أفراده. وفي الوقت نفسه، لا تخلو الشخصيات من محاولات للمقاومة أو إعادة تعريف الذات، وهو ما يمنح الرواية مساحة للتوتر بين ما يريده الفرد وما ينتظره منه محيطه.
ومن هنا تبدو أهمية التداخل بين الأجيال في بنية الرواية. فالحكايات لا تتوقف عند جيل واحد، وإنما تنتقل بين أجيال مختلفة، بما يسمح بمقارنة طرائق التفكير وتبدل القيم وتغير العلاقات. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الرواية ترسم
