بث تجريبي

العقيدة الاستخباراتية الصينية الجديدة: التجسس عبر الانفتاح

تقارير وملفات - أرشيشمان راي جوسوامي
أرشيشمان راي جوسوامي
زميل باحث مشارك غير مقيم في مؤسسة أوبزرفر للأبحاثوباحث دكتوراه (DPhil) في العلاقات الدولية بجامعة أوكسفورد.

في أوائل يونيو/حزيران، نشر تحالف «العيون الخمس» الاستخباراتي، الذي يضم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، نشرة بعنوان «حماية أسرارنا». وحذرت النشرة من أن وزارة أمن الدولة الصينية (MSS) باتت تعتمد بصورة متزايدة على منصات التواصل المهني ومواقع التوظيف مثل LinkedIn وIndeed وUpwork لاستدراج موظفين حكوميين ومدنيين في دول التحالف دون علمهم إلى أنشطة تخدم المصالح الاستخباراتية الصينية.

ورغم أن وزارة الخارجية الصينية سارعت، كما كان متوقعًا، إلى نفي هذه الاتهامات، فإنها تعكس تحولًا أوسع في العقيدة الاستخباراتية الصينية؛ تحولًا يقوم على استغلال الطبيعة المفتوحة للفضاءات الرقمية والتدفقات الهائلة للبيانات العامة من أجل جمع معلومات استخباراتية عالية القيمة. ويتجلى هذا التوجه في أشكال متعددة، بدءًا من الاستخدام المكثف لمنصة LinkedIn لأغراض التجنيد، مرورًا باستغلال نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر القائمة على اللغات الكبيرة، ووصولًا إلى دمج البيانات المتاحة علنًا أو المقدمة طوعًا، مثل المعلومات البيومترية ووثائق السفر، في أنظمة التنبؤ الأمني والمراقبة.

ويثير هذا التحول تساؤلات مهمة حول مكانة الصين بوصفها أحد أبرز الفاعلين الاستخباراتيين عالميًا في عام 2026، وحول الكيفية التي تتكيف بها أجهزة مكافحة التجسس في الدول المستهدفة مع هذا الواقع الجديد.

التجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي

ليس استخدام الصين لوسائل التواصل الاجتماعي لأغراض استخباراتية، ولا سيما التجنيد، أمرًا جديدًا. ففي عام 2017، تواصل ضابط من وزارة أمن الدولة الصينية، مستخدمًا الاسم المستعار «مايكل يانغ»، مع الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) كيفن مالوري. ونجح في بناء علاقة صداقة معه تحولت لاحقًا إلى محاولة تجنيد كاملة، قبل أن تُكشف القضية ويُدان مالوري عام 2018.

وقد حظيت القضية باهتمام واسع لدرجة أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) أنتج عام 2020 فيلمًا قصيرًا مستوحى منها بهدف رفع الوعي بمخاطر محاولات التجنيد المعادية عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تنفذها أجهزة الاستخبارات الصينية.

وبحلول عام 2023، كانت هذه الأنشطة قد تصاعدت بشكل ملحوظ. ففي قمة «العيون الخمس» التي انعقدت في مدينة بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، حذر المدير العام لجهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5)، السير كين ماكالوم، من أن الصين لم تكتفِ بتكثيف محاولاتها لاستهداف العاملين في البنى التحتية الحيوية والمؤسسات الأمنية والدبلوماسية والقطاعات العلمية والتكنولوجية المتقدمة، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ هذه الجهود، مشيرًا إلى أن ما يقرب من 20 ألف محاولة تجنيد جرت في المملكة المتحدة عبر منصة LinkedIn وحدها.

وقد أسهمت التطورات التقنية، خاصة في مجال الأدلة الجنائية الرقمية، في تعزيز قدرة الدول الغربية على مواجهة هذه التحديات. ففي أواخر عام 2025، أطلق جهاز MI5 حملة بعنوان «فكّر قبل أن ترتبط» (Think Before You Link)، إلى جانب تطبيق مخصص لأعضاء البرلمان البريطاني المستهدفين من قبل الاستخبارات الصينية. ويستخدم التطبيق أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على كشف الحسابات المزيفة وسجلات الرسائل المعدلة أو المفبركة.

ومن ثم، فإن نشرة «حماية أسرارنا» ليست سوى أحدث تجليات القلق المزمن لدى أجهزة مكافحة التجسس الغربية من القدرات المتنامية لنظيراتها الصينية ومن استغلالها للطبيعة المفتوحة لمنصات التواصل الاجتماعي. وما يبدو واضحًا هو أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا حاسمًا في مواجهة هذه الظاهرة. فقد أثبتت وزارة أمن الدولة الصينية مهارة كبيرة في توظيف تحليل المشاعر والاتجاهات النفسية في عمليات التواصل، سواء داخليًا أو خارجيًا، بما يسمح لها بصياغة رسائل تتوافق مع قناعات وأفكار الأهداف المستهدفة. ومع ازدياد تعقيد هذه الأساليب، ستصبح أدوات التحليل الجنائي الرقمي المتقدمة أكثر أهمية في كشف هذه المحاولات وإحباطها مسبقًا.

هجمات التقطير: استغلال الكود المفتوح

تتجلى قدرة وزارة أمن الدولة الصينية على استغلال البيئات المفتوحة أيضًا في تصاعد ما يعرف بـ«هجمات التقطير» (Distillation Attacks). فمعظم أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية يمكن إغراقها بسلسلة من الأوامر الآلية المصممة لاستخراج المعلومات من النظام المستهدف. ويمكن بعد ذلك استخدام البيانات المستخرجة لاكتشاف نقاط ضعف إضافية في نموذج المنافس، أو سد الثغرات التقنية في الأنظمة المحلية، أو اكتساب ميزة تنافسية على النماذج الأخرى.

وخلال الأشهر الأخيرة، بدأت الاستخبارات الصينية في استغلال الانفتاح النسبي لبعض أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية عبر تنفيذ هجمات تقطير واسعة النطاق. وبدافع الرغبة في منافسة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، دعمت وزارة أمن الدولة عمليات نفذتها شركات صينية كبرى مثل DeepSeek وMoonShot وMiniMax ضد نماذج أمريكية طورتها شركات مثل Anthropic وGoogle وOpenAI.

وتؤدي هذه الهجمات عمليًا دورًا مشابهًا لجمع المعلومات الاستخباراتية المتقدمة. فمع تزايد دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في البنى الأمنية والعسكرية الوطنية، يمكن لعمليات التقطير أن تمنح المهاجمين الصينيين فهمًا فريدًا لنقاط الضعف السيبرانية والمادية لدى الولايات المتحدة، بما يفتح المجال لاستغلالها مستقبلاً.

ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستتجه أجهزة مكافحة التجسس الوطنية، خاصة في الدول التي تواجه منافسًا بحجم الصين، إلى الحد من مستويات الانفتاح التي تسمح بمثل هذه الهجمات. ورغم أن معظم شركات الذكاء الاصطناعي التجارية تعتمد نماذج تشغيل مغلقة نسبيًا، فإن هجمات التقطير تفرض متطلبات جديدة تتعلق بالتدقيق والتحقق من آليات استخدام الذكاء الاصطناعي. ومن المرجح أن تدفع اعتبارات الأمن القومي نحو مزيد من القيود، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تسريع تلاشي الحدود التقليدية بين الاستخبارات الصناعية والاستخبارات الأمنية الوطنية، بما يحمله ذلك من تداعيات بعيدة المدى على مستقبل الاستخبارات والجغرافيا السياسية.

منصة التحكم الديناميكي: البنية الاستخباراتية الصينية الجديدة

كشفت تقارير حديثة عن نظام صيني يعرف باسم «منصة الإدارة والتحكم الديناميكي للأجانب» (Dynamic Management and Control Platform)، الأمر الذي سلط الضوء على مستوى غير مسبوق من التطور التقني والقدرة شبه الشاملة على جمع وتحليل البيانات الذي تتمتع به وزارة أمن الدولة الصينية.

وتشبه هذه المنصة، من حيث الوظيفة، نظام Maven Smart System الذي طورته شركة Palantir واستخدمته الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب مع إيران. وتعمل المنصة الصينية على دمج كميات هائلة ومتنوعة من البيانات والمعلومات الاستخباراتية داخل واجهة موحدة تتيح للمستخدمين رؤية شاملة للأهداف محل المتابعة.

وتجمع المنصة بين البيانات البيومترية ومعلومات أجهزة الاستشعار والتقارير الاستخباراتية المختلفة المتعلقة بأفراد محددين، بما يسمح ببناء ملفات نفسية دقيقة والتنبؤ بسلوكياتهم المستقبلية. ومنذ الكشف عنها، أثارت مخاوف متزايدة من إمكانية استخدامها كأداة للترهيب والقمع داخل الصين وخارجها.

ويعتمد جزء كبير من نجاح المنصة على استغلال الأنظمة المفتوحة وقواعد البيانات التي تحتوي على معلومات يقدمها الأفراد طوعًا. فبيانات بسيطة نسبيًا، مثل المعلومات البيومترية أو تفاصيل السفر التي يقدمها الأجانب عند التقدم للحصول على تأشيرات الدخول، يمكن جمعها وتنظيمها وتحويلها إلى أدوات فعالة للاستهداف والمراقبة.

ويشير ذلك إلى استنتاج أوسع: فالأجهزة الاستخباراتية الصينية لم تعد بحاجة إلى الاعتماد الحصري على المصادر السرية من أجل استهداف خصومها بدقة عالية. فالمعلومات الشخصية المقدمة طوعًا، إلى جانب المعلومات مفتوحة المصدر (OSINT)، أصبحت كافية عندما تكون بين أيدي جهاز يمتلك القدرة التقنية على تحليلها واستخلاص الأنماط والمعاني منها. وبعبارة أخرى، فإن العامل الحاسم لم يعد حجم البيانات المتاحة، بل القدرة على فهمها واستثمارها، وهو ما يمنح الأنظمة الاستخباراتية الصينية، مثل منصة التحكم الديناميكي، قدرًا كبيرًا من الفاعلية وربما الخطورة.

المعرفة الشاملة لا تعني القوة المطلقة

ومع ذلك، فإن امتلاك الصين لقدرات واسعة في استغلال البيانات المفتوحة لا يعني أنها أصبحت قوة لا يمكن مواجهتها. فقد بدأت أجهزة مكافحة التجسس الغربية بالفعل في تطوير استراتيجيات تهدف إلى تقويض الميزة التي تتمتع بها وزارة أمن الدولة الصينية، بل وحتى تحويلها إلى نقطة ضعف.

فكما تسمح تقنيات الذكاء الاصطناعي للصين بإنشاء حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي أو بتحليل العلاقات الشخصية واستهداف الأفراد، فإنها تمنح الخصوم أيضًا القدرة على ضخ بيانات مضللة داخل الأنظمة التي تعتمد عليها هذه الأدوات. وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا بصورة متزايدة على تجاوز أجهزة الاستشعار البيومترية التقليدية، مما يقوض موثوقية البيانات التي تعتمد عليها منصات مثل منصة التحكم الديناميكي.

ومع استمرار التطور التكنولوجي، قد تصبح البيانات المغذية لهذه الأنظمة أكثر عرضة للتشكيك والتلاعب، الأمر الذي يكشف عن إحدى نقاط الضعف الجوهرية في منظومة الاستخبارات الصينية الحديثة.

عصر جديد للاستخبارات

لم تعد الاستخبارات حكرًا على عالم العمليات السرية والعملاء السريين كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت تتشكل بصورة متزايدة من خلال التدفقات الضخمة للبيانات المتاحة علنًا عبر الفضاء الإلكتروني. وتعكس قدرة الصين المتنامية على إدارة واستثمار هذين المصدرين — البيانات المفتوحة والمعلومات الاستخباراتية التقليدية — التحولات العميقة التي يشهدها عالم الاستخبارات، كما تعكس الوزن الجيوسياسي المتزايد لبكين على الساحة الدولية.

وفي المقابل، سيكون على بقية دول العالم أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد وأن تطور أدواتها واستراتيجياتها لمواجهته، وإلا فإنها تخاطر بالتخلف عن الركب في عالم بات أكثر تنافسًا وخطورة من أي وقت مضى.