بث تجريبي

الاستراتيجية العالمية للصين: استخدام البنية التحتية للموانئ كأداة للقوة

تقارير وملفات - جولييتا بلكاستر
جولييتا بلكاستر
كاتبة من المكسيك

يُنظر على نطاق واسع إلى التوسع الصيني العالمي في البنية التحتية للموانئ باعتباره جزءًا من استراتيجية أشمل تهدف إلى توسيع النفوذ الجيوسياسي، وتأمين الوصول إلى سلاسل الإمداد الاستراتيجية، وتعزيز مكانة الصين على المدى الطويل. ووفقًا لتقرير «ترسيخ الطموحات العالمية» (Anchoring Global Ambitions)، الصادر عن مؤسسة AidData بالشراكة مع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فقد أمضت بكين العقدين الماضيين في بناء شبكة واسعة من الموانئ والممرات اللوجستية التي تتقاطع بصورة متزايدة مع الموارد الاستراتيجية، وطرق الملاحة البحرية الحيوية، ومراكز البنية التحتية الرئيسية حول العالم. وفي إطار هذه الشبكة، أصبحت أمريكا اللاتينية تمثل عقدة متنامية الأهمية.

ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على تسهيل حركة التجارة فحسب، بل قد تمنح الصين أيضًا قدرة أكبر على الوصول إلى البيانات اللوجستية الاستراتيجية، وتعزيز نفوذها على نقاط الاختناق البحرية، وتوسيع هامشها التشغيلي خلال فترات الأزمات أو التوترات الجيوسياسية. ويحذر محللون من أن اندماج الشركات الصينية في تشغيل وتمويل وتحديث البنية التحتية للموانئ الحيوية قد يؤدي إلى زيادة اعتماد دول المنطقة على أطراف خارجية في إدارة سلاسل الإمداد والممرات التجارية الأساسية.

ووفقًا لتقرير AidData الصادر في مارس/آذار 2026، استثمرت الصين ما يقرب من 24 مليار دولار بين عامي 2000 و2025 في تطوير وتحديث البنية التحتية لـ 168 ميناءً موزعة على نحو 90 دولة. ولم تقتصر المبادرة على إنشاء الأرصفة وتوسيعها، بل شملت أيضًا أكثر من 360 مشروعًا مرتبطًا بأنظمة الخدمات اللوجستية، والرافعات، وأجهزة المسح الضوئي، وغيرها من التقنيات الخاصة بالموانئ التي توفرها شركات صينية، بما يعزز دور بكين في تشغيل البنية التحتية البحرية الاستراتيجية.

وقال خوان بيليكوف، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في قضايا الأمن والجريمة المنظمة بجامعة بوينس آيرس في الأرجنتين، إن توسع الصين في الموانئ يعكس استراتيجية طويلة الأمد تستهدف إنشاء مراكز لوجستية عالمية مترابطة.

وأضاف: "إنهم يقيمون سلسلة من العقد اللوجستية حول العالم، بحيث تصبح التجارة الدولية مضطرة إلى المرور عبرها"، مشيرًا إلى تركز تدفقات التجارة العالمية داخل هذه الممرات.

أمريكا اللاتينية: محور استراتيجي في الشبكة اللوجستية الصينية

أصبحت أمريكا اللاتينية منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة في إطار استراتيجية الصين للتوسع في الموانئ. ووفقًا لبيانات منصتي CPORTS 2.0 وCFTM 2.0 التابعتين لـ AidData، يقع ما لا يقل عن سبعة موانئ في المنطقة على مسافة لا تتجاوز 500 كيلومتر من مشروعات تعدين ممولة من الصين.

وتشمل هذه الموانئ: تشانكاي في بيرو، وغواياكيل وبوسورخا وبوليفار في الإكوادور، وبوينافينتورا في كولومبيا، إضافة إلى أحد الموانئ في غيانا.

ويبرز التقارب الجغرافي بين هذه الموانئ المدعومة صينيًا ومشروعات استخراج الموارد الطبيعية مدى الترابط المتزايد بين البنية التحتية اللوجستية وسلاسل إمداد الموارد الطبيعية. ففي بيرو، على سبيل المثال، يقع ميناء تشانكاي بالقرب من مناجم رئيسية مثل توروموتشو وراورا، وهو ما يعزز قدرة الصين على الوصول إلى المعادن الاستراتيجية وممرات التصدير الحيوية لسلاسل الإمداد العالمية.

كما برزت البرازيل بوصفها مركزًا مهمًا داخل هذه الشبكة، إذ تلقت بين عامي 2009 و2023 نحو 505 ملايين دولار من الاستثمارات الصينية المرتبطة بمشروعات البنية التحتية للموانئ. ويحذر محللون من أن هذا الحضور المتزايد يحمل تداعيات تتجاوز النشاط التجاري، خاصة فيما يتعلق بالوصول اللوجستي الاستراتيجي، والتأثير في سلاسل الإمداد، وتعميق الاعتماد طويل الأمد على بنية تحتية تُدار أو تُموَّل من قبل كيانات صينية.

النشاط البحري والمخاوف المتعلقة بالاستخدام المزدوج

لا تقتصر المخاوف المرتبطة باستثمارات الصين في الموانئ على الجوانب التجارية فقط. فبحسب تقرير AidData، سجلت 31.2% من مشروعات الموانئ الممولة صينيًا حول العالم شكلًا من أشكال النشاط البحري الصيني بين عامي 2000 و2025، بما في ذلك زيارات السفن العسكرية، والمناورات البحرية، والفعاليات الرسمية.

وترتفع هذه النسبة إلى 41.5% في الموانئ التي تمتلك فيها الشركات الصينية حصص ملكية مباشرة، وهو ما يعزز المخاوف لدى المحللين بشأن الطبيعة ثنائية الاستخدام لهذه المشروعات، التي يمكن أن تخدم أغراضًا مدنية وعسكرية في آن واحد.

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ميناء كورينتو في نيكاراغوا. ففي يوليو/تموز 2025 وافقت الحكومة النيكاراغوية على تمويل صيني بقيمة 128 مليون دولار لتحديث الميناء، وبعد أربعة أشهر فقط رست سفينة المستشفى العسكرية الصينية "طريق الحرير" (Silk Road Ark) في كورينتو، في أول زيارة معروفة لسفينة عسكرية صينية إلى البلاد.

ويرى محللون أن حالات مثل كورينتو توضح كيف يمكن لمشروعات البنية التحتية التجارية أن تدعم أهدافًا استراتيجية أوسع، من خلال توسيع نطاق وصول الصين وحضورها ونفوذها في المناطق البحرية الحيوية.

كما حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في تقريره «لا ملاذ آمن» (No Safe Harbor) من أن تنامي انخراط الصين في الموانئ الاستراتيجية قد يتيح لبكين الوصول إلى معلومات لوجستية حساسة، ويزيد من قدرتها على التأثير في العمليات التشغيلية داخل المراكز البحرية الرئيسية، خاصة أثناء الأزمات.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن تشغيل الشركات الصينية للموانئ في الخارج قد يخلق فرصًا لجمع المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الدعم اللوجستي، وتعزيز الوصول الاستراتيجي للصين.

السيادة والتحديات أمام المنطقة

يثير التوسع الصيني في البنية التحتية الاستراتيجية أيضًا مخاوف متزايدة بشأن السيادة والاعتماد التشغيلي في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

فقد حذر موقع Expediente Público الاستقصائي من أن الاعتماد المتزايد على البنية التحتية التي تديرها أو تمولها الصين قد يقيد تدريجيًا قدرة الدول على إدارة أنظمتها اللوجستية وسلاسل الإمداد الاستراتيجية بصورة مستقلة.

ويرى محللون أنه كلما تعمق اندماج الشركات الصينية في تشغيل الموانئ، ازدادت صعوبة احتفاظ الحكومات بالسيطرة الكاملة على البنية التحتية البحرية الحيوية.

وأكد بيليكوف أن الموانئ ليست مجرد منشآت تجارية، بل تمثل عقدًا استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل تدفقات التجارة والتأثير في عملية صنع القرار الوطني.

وقال: "الموانئ تمثل نقاط اختناق للتجارة الدولية، بما يسمح للصين ليس فقط بتوسيع حضورها، بل أيضًا بمراقبة سلوك الأطراف الأخرى عند هذه النقاط الحيوية."

وأضاف أن نموذج التمويل الصيني يعكس رؤية استراتيجية طويلة الأمد تختلف جذريًا عن الدورات السياسية والاقتصادية القصيرة السائدة في كثير من دول المنطقة.

وأوضح قائلاً: "قادتنا يفكرون حتى موعد الانتخابات المقبلة، أما الصين فلا تفكر بهذه الطريقة."

استجابة استراتيجية

في ظل استمرار الصين في توسيع حضورها العالمي في مجال البنية التحتية، يرى محللون أن دول أمريكا اللاتينية ستكون مطالبة بصورة متزايدة بتقييم التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى المرتبطة بسيطرة أو نفوذ القوى الأجنبية على البنية التحتية اللوجستية الحيوية.

ويوصي تقرير «ترسيخ الطموحات العالمية» بأن تعمل الحكومات على تعزيز التخطيط طويل الأجل للبنية التحتية، وتنويع مصادر التمويل عبر شراكات مع حلفاء موثوقين، وتحسين آليات التنسيق الخاصة بتقييم الاستثمارات الاستراتيجية.

كما يشدد التقرير على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي بما يضمن رقابة أكبر ومرونة أعلى لشبكات الخدمات اللوجستية الحيوية.

واختتم بيليكوف بالقول: "إن إدارة هذه المراكز لا تتيح فقط التأثير في حركة التجارة، بل أيضًا استباق الاتجاهات وتوجيه القرارات." محذرًا من أنه، رغم ما قد تبدو عليه هذه الاستثمارات من جاذبية على المدى القصير، فإنها في الواقع "تنقل السيطرة إلى أطراف خارجية".

وأكد أن هذه العملية "تترسخ تدريجيًا مع مرور الوقت، وتحد من قدرة الدول على الحفاظ على سيادتها على بنيتها التحتية الحيوية."