لم تعد أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية في نهاية يوليو مجرد أزمة حدودية أو إنسانية مرتبطة بالتدفق المفاجئ لعشرات الآلاف من المهاجرين من الأراضي المغربية، وإنما بدأت تتحول إلى اختبار أكثر تعقيدًا يتعلق بمن يمتلك القدرة على صناعة الرواية وتوجيه الرأي العام وتوظيف الفضاء الرقمي في الصراعات السياسية والجيوسياسية. فمع تجاوز عدد العابرين إلى سبتة نحو 72 ألف شخص خلال يومي 30 و31 يوليو، وسقوط عشرات الضحايا، انتقلت الأزمة سريعًا من مستوى الحدود إلى مستوى السياسة الداخلية الإسبانية والعلاقات مع المغرب والاتحاد الأوروبي، قبل أن تدخل إسرائيل وروسيا بصورة مباشرة في سجال الاتهامات.
وفي أحدث فصول هذا السجال، اتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل، إلى جانب ما وصفه بـ"دولية من اليمين المتطرف"، بنشر وتضخيم معلومات مضللة حول أزمة سبتة. واستند سانشيز إلى تحليلات من جهاز العمل الخارجي الأوروبي، مشيرًا إلى أن منصات وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر روايات خاطئة حول إمكانية بقاء المهاجرين في إسبانيا إذا تمكنوا من الوصول إلى سبتة عن طريق البحر. لكنه، في الوقت نفسه، شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحملة جاءت مباشرة من "فاعل حكومي"، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة.
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في القضية: الفارق بين توثيق التضليل الرقمي وإثبات المسؤولية السياسية عنه. فوجود معلومات كاذبة أو مضللة انتشرت عبر شبكات اجتماعية خلال الأزمة أمر تدعمه بالفعل عمليات تحقق متعددة؛ إذ جرى تداول مقاطع وصور قديمة ومعلومات غير صحيحة حول الحدود وقرارات السلطات الإسبانية، بما في ذلك ادعاءات كاذبة بشأن فتح الحدود أو عدم إمكانية إعادة المهاجرين إلى المغرب. لكن الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول بأن دولة بعينها تقف وراء إنتاج هذه المعلومات أو توظيفها سياسيًا يحتاج إلى مستوى مختلف من الأدلة.
وتزداد أهمية هذا التفريق لأن الهجرة أصبحت واحدة من أكثر القضايا قابلية للتوظيف السياسي في أوروبا. فالمعلومات المضللة المتعلقة بالهجرة لا تحتاج بالضرورة إلى اختلاق أزمة من العدم؛ يكفي أحيانًا تضخيم مخاوف قائمة، أو إعادة تدوير شائعة، أو اجتزاء حكم قضائي، أو نشر مقطع قديم باعتباره حدثًا جديدًا، حتى تتحول المعلومة إلى عامل يحفز السلوك الجماعي. وهذا ما ظهر في سبتة، حيث ساهمت منشورات على شبكات التواصل في نشر الاعتقاد بأن الوصول إلى المدينة عبر البحر سيضمن للمهاجرين البقاء في إسبانيا، وهي معلومة قالت السلطات الإسبانية إنها غير صحيحة.
لكن رواية سانشيز تواجه في المقابل سؤالًا سياسيًا لا يقل أهمية: هل أصبحت نظرية التضليل وسيلة لتخفيف المسؤولية عن الإخفاق في إدارة الأزمة؟ فالحكومة الإسبانية تعرض نفسها بوصفها ضحية لحملة معلومات مضللة، بينما تواجه في الداخل انتقادات بشأن استعدادها للأزمة وحجمها وسرعة استجابتها. وقد أقر سانشيز نفسه بأن أجهزة الأمن والاستخبارات قدمت تقارير عن الوضع، لكنها لم تقدم معلومات تنذر بحجم الأزمة وخطورتها الاستثنائية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الخلاف مع إسرائيل أكثر من مجرد تبادل للاتهامات الشخصية بين سانشيز ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر. فقد جاء الاتهام الإسرائيلي في سياق علاقات متوترة أصلًا بين مدريد وتل أبيب بسبب الموقف الإسباني من الحرب في غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلًا عن الخلافات المتعلقة بالحرب الروسية في أوكرانيا. ولذلك فإن دخول إسرائيل في قضية سبتة يفتح الباب أمام قراءة أوسع تعتبر أن الحرب على المعلومات أصبحت امتدادًا للصراعات السياسية القائمة خارج حدودها الأصلية.
وقد رد ساعر باتهام سانشيز بـ"الكذب الوقح"، معتبرًا أن اتهام إسرائيل بنشر معلومات مضللة بشأن سبتة محاولة لصرف الانتباه عن فشل الحكومة الإسبانية في إدارة شؤونها الداخلية. أما موسكو، فقد رفضت بدورها الاتهامات الإسبانية، إذ نفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أي علاقة روسية بالأزمة.
غير أن اللافت أن المغرب يقع في قلب هذه المعادلة رغم محاولة مدريد استبعاده من دائرة الاتهام. فقد أكد سانشيز أنه لا توجد لدى الأجهزة الاستخباراتية الإسبانية معلومات تشير إلى تورط السلطات المغربية في موجة العبور الجماعي، ودافع عن استمرار التعاون مع الرباط باعتباره شرطًا أساسيًا لمعالجة الأزمة.
وهذا الموقف يحمل دلالة استراتيجية واضحة؛ فمدريد تبدو حريصة على عدم تحويل أزمة سبتة إلى أزمة مباشرة مع المغرب، خصوصًا في ظل اعتمادها على التعاون المغربي في إدارة ملف الهجرة والأمن والحدود. وفي المقابل، فإن استبعاد الرباط من المسؤولية السياسية المباشرة لا يلغي الأسئلة التي أثارتها المعارضة الإسبانية وبعض الجهات الحقوقية بشأن كيفية وصول هذا العدد الهائل من الأشخاص إلى الحدود خلال فترة زمنية قصيرة.
لذلك، فإن جوهر أزمة سبتة قد لا يكون في السؤال عن "من أرسل المهاجرين؟" فقط، وإنما في سؤال أكثر تعقيدًا: من نجح في توجيه المعلومات التي أحاطت بالأزمة، ولماذا؟
فالحدود الحديثة لم تعد تُدار بالحواجز والأسلاك وحدها، وإنما أصبحت تُدار أيضًا عبر الخوارزميات والمنصات الرقمية والصور ومقاطع الفيديو والشائعات. وفي أزمات الهجرة تحديدًا، يمكن للمعلومة المضللة أن تتحول من مجرد محتوى رقمي إلى عامل مؤثر في حركة آلاف الأشخاص، ثم إلى أزمة أمنية وإنسانية، ثم إلى ورقة في الصراع السياسي بين الحكومات.
ومن هنا، فإن أخطر ما تكشفه أزمة سبتة هو أن الحرب على الهجرة باتت تتقاطع بصورة متزايدة مع الحرب على الحقيقة. وبينما تسعى الحكومات إلى تحميل خصومها مسؤولية حملات التضليل، يبقى التحدي الحقيقي هو تقديم أدلة قابلة للتحقق تفصل بين التضليل العفوي، والمحتوى الذي تنتجه شبكات إجرامية، والحملات المنظمة ذات الأهداف السياسية، والتدخل الحكومي المباشر.
وفي غياب هذا الفصل، يمكن أن تتحول تهمة "التضليل" نفسها إلى أداة سياسية جديدة؛ تستخدمها الحكومات لتفسير إخفاقاتها، وتستخدمها الدول المتنافسة لتبادل الاتهامات، بينما يبقى المواطن والرأي العام الأوروبي أمام فضاء معلوماتي تتزايد فيه صعوبة التمييز بين الأزمة الحقيقية والرواية التي تُبنى حولها.
وهكذا، تبدو سبتة اليوم نموذجًا مصغرًا لتحول أوسع في طبيعة الصراعات الدولية: لم تعد السيطرة على الحدود كافية، بل أصبحت السيطرة على الرواية جزءًا من السيطرة على الأزمة نفسها. ومع تصاعد التوتر بين مدريد وتل أبيب، واستمرار الشكوك بشأن الدور الروسي، وحساسية العلاقة الإسبانية المغربية، فإن أزمة سبتة مرشحة لأن تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح مثالًا جديدًا على كيفية تداخل الهجرة والأمن السيبراني والسياسة الخارجية وحروب المعلومات في أوروبا المعاصرة.
