القاهرة والرياض: شراكة تتجاوز الثنائية إلى إعادة رسم معادلات الأمن العربي

تقارير وملفات - Foresight

استقبلت القاهرة في 15 سبتمبر/أيلول 2026 ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في زيارة عمل اكتسبت أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، بالنظر إلى توقيتها الإقليمي والملفات التي حضرت على جدول مباحثاتها. فقد جاءت الزيارة في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة، من تصاعد التوترات في البحر الأحمر والممرات البحرية الاستراتيجية، إلى استمرار الأزمات في فلسطين واليمن والسودان، بما يجعل التنسيق بين القاهرة والرياض جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن المنطقة واستقرارها.

ولذلك، فإن قراءة الزيارة باعتبارها مجرد مناسبة لتأكيد متانة العلاقات المصرية-السعودية لا تكفي لفهم دلالاتها. الأهم هو ما تكشف عنه من اتجاه متزايد نحو تحويل العلاقة بين البلدين من رصيد تاريخي وسياسي إلى قدرة أكبر على التنسيق في الملفات التي تمس الأمن العربي والإقليمي مباشرة.

علاقة تتجاوز الظرف السياسي

العلاقات المصرية-السعودية ليست نتاج أزمة بعينها، ولا ترتبط بملف إقليمي واحد. فهي تقوم على تاريخ طويل من التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى مصالح استراتيجية متشابكة تجعل استقرار أحد البلدين ذا انعكاسات مباشرة على الآخر.

وقد أكدت الرئاسة المصرية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان عمق العلاقات بين البلدين، كما شدد الجانبان على ضرورة زيادة التنسيق والتعاون، وعلى أن الظروف الإقليمية الراهنة تتطلب مزيدًا من التضامن بين القاهرة والرياض ودول الخليج.

لكن قيمة العلاقات لا تُقاس فقط بعمقها التاريخي. الاختبار الحقيقي لأي شراكة استراتيجية هو قدرتها على إنتاج سياسات مشتركة عندما تتعرض البيئة الإقليمية لاختبارات صعبة.

وهذا هو بالضبط ما يجعل التقارب المصري-السعودي الحالي ذا دلالة خاصة.

فالقاهرة تمتلك وزنًا سياسيًا وجغرافيًا وعسكريًا وثقافيًا كبيرًا في النظام العربي، بينما تمثل الرياض مركز ثقل اقتصادي وسياسي وأمني متزايد في الخليج والمنطقة. وعندما تتقاطع مصالح الدولتين في قضايا الأمن الإقليمي، فإن أثر هذا التقاطع يتجاوز حدودهما الثنائية.

البحر الأحمر يكشف أهمية الشراكة

ربما كان البحر الأحمر والممرات البحرية أبرز مثال على ذلك.

فقد أكد الرئيس المصري وولي العهد السعودي خلال مباحثاتهما ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر، كما أكدت القاهرة دعمها للإجراءات السعودية المتعلقة بأمن المملكة واستقرارها، بالتوازي مع دعم التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وهذه النقطة تحمل أهمية استراتيجية خاصة.

فأمن البحر الأحمر لم يعد مسألة تخص الدول المطلة عليه وحدها. فالممر البحري يرتبط بحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، بينما يمثل باب المندب إحدى نقاط الاختناق الأساسية في حركة الملاحة الدولية.

ومن ثم، فإن أي اضطراب مستمر في المنطقة يمكن أن يتحول بسرعة من مشكلة أمنية إقليمية إلى قضية اقتصادية دولية.

وبالنسبة إلى مصر، يرتبط الأمر أيضًا بمكانة قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وبالنسبة إلى السعودية، يرتبط مباشرة بأمن الساحل الغربي للمملكة وبأمن البحر الأحمر وباستقرار بيئتها الإقليمية.

لهذا يصبح التنسيق المصري-السعودي بشأن البحر الأحمر أكثر من مجرد تنسيق سياسي؛ إنه يرتبط بمصالح جيوستراتيجية مباشرة للدولتين.

فلسطين: تقاطع المصالح والمواقف

لم يكن الملف الفلسطيني أقل أهمية في القمة.

فقد أكدت القاهرة والرياض تقارب مواقفهما بشأن القضية الفلسطينية، ودعم حل الدولتين، والتوصل إلى تسوية عادلة وشاملة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية. كما شدد الجانبان على إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة ووقف الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

ولا يمكن فصل هذا التقارب عن الدور التاريخي لمصر في القضية الفلسطينية، ولا عن الثقل السياسي والاقتصادي الذي تمتلكه السعودية في العالم العربي والإسلامي.

لكن الأهم أن القضية الفلسطينية لم تعد منفصلة عن قضايا الأمن الإقليمي. فاستمرار الحرب أو غياب التسوية السياسية لا ينتج أزمة إنسانية وسياسية فقط، وإنما ينعكس على أمن الدول المجاورة، وعلى العلاقات العربية والدولية، وعلى احتمالات التصعيد في أكثر من جبهة.

ومن هنا، فإن التنسيق المصري-السعودي بشأن فلسطين يمكن أن يكون جزءًا من محاولة أوسع لإعادة إدخال الملف الفلسطيني في إطار سياسي عربي جماعي، بدل تركه رهينة لتطورات عسكرية متغيرة.

السودان وليبيا وسوريا: الأمن العربي باعتباره شبكة مترابطة

تتجاوز أهمية التقارب بين القاهرة والرياض القضية الفلسطينية والبحر الأحمر إلى الأزمات العربية الأخرى.

وقد أكدت مصر والسعودية خلال القمة دعمهما لأمن السودان واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الوطنية ووحدته وسلامة أراضيه، كما شددتا على أن تهديد وحدة السودان يمثل خطرًا على الأمن الجماعي لمصر والسعودية والمنطقة.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة بحكم الجوار الجغرافي المباشر للسودان، بينما ترتبط الرياض بالساحة السودانية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

أما ليبيا وسوريا، فإنهما تمثلان بدورهما جزءًا من البيئة العربية المضطربة التي تحتاج إلى مقاربة تقوم على دعم الدولة ومؤسساتها، والحفاظ على وحدة الأراضي، ومنع تحول الفراغات الأمنية إلى مساحات مفتوحة أمام الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية.

وهنا تظهر أهمية مفهوم الأمن العربي المترابط.

فالأزمات لم تعد تعمل في مساحات منفصلة. اضطراب السودان يمكن أن يؤثر في البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط بمصر والسعودية، والأزمة اليمنية تتصل بأمن الملاحة والخليج، بينما تتداخل أزمات سوريا والعراق ولبنان مع توازنات إقليمية أوسع.

وبالتالي، فإن التعامل مع كل أزمة بمعزل عن الأخرى قد يصبح أقل فاعلية من بناء تصور إقليمي أوسع للأمن والاستقرار.

من التضامن السياسي إلى التنسيق الاستراتيجي

ربما يكون التحدي الأهم أمام القاهرة والرياض هو الانتقال من التعبير عن التضامن إلى بناء آليات مستدامة للتنسيق.

فالبيانات المشتركة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة سياسة إقليمية.

ما تحتاجه الدولتان هو تطوير قنوات أكثر انتظامًا للتشاور السياسي والأمني والاقتصادي، بحيث يمكن التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.

وهذا يتوافق مع ما أعلنته الرئاسة المصرية عقب القمة من اتفاق الجانبين على استمرار المشاورات والتنسيق المباشر خلال المرحلة المقبلة بشأن القضايا الثنائية والتطورات الإقليمية.

ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية في ظل التحولات التي تشهدها البيئة الدولية. فالنظام الإقليمي العربي يواجه في الوقت نفسه ضغوطًا من قوى دولية كبرى، وتدخلات إقليمية، وصعودًا متزايدًا لدور الفاعلين من غير الدول.

وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تكون للدول العربية مواقف منفردة؛ بل تصبح القدرة على التنسيق إحدى أدوات القوة ذاتها.

الاقتصاد كقاعدة للشراكة السياسية

لا يمكن أيضًا فصل البعد السياسي عن البعد الاقتصادي.

فالعلاقات المصرية-السعودية تشهد نموًا في التجارة والاستثمار، وأظهرت بيانات مصرية أن الصادرات المصرية إلى السعودية ارتفعت خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 20% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 1.8 مليار دولار.

لكن أهمية البعد الاقتصادي تتجاوز الأرقام التجارية.

فكلما زاد التشابك الاقتصادي بين البلدين، أصبح الاستقرار السياسي والأمني مصلحة مشتركة أكثر وضوحًا. كما أن التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار والسياحة والبنية التحتية يمكن أن يمنح العلاقة أساسًا طويل الأجل يتجاوز تغيرات السياسة الإقليمية.

ولهذا فإن الشراكة الاستراتيجية الحقيقية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية قوية بقدر حاجتها إلى التفاهم السياسي.

هل تستطيع القاهرة والرياض إنتاج مقاربة عربية جديدة؟

هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه الزيارة.

فليس المطلوب من مصر والسعودية أن تتحولا إلى بديل عن المؤسسات العربية، أو أن تتحدثا باسم جميع الدول العربية. لكن الوزن السياسي والجغرافي والاقتصادي للبلدين يجعلهما في موقع يسمح لهما بالمساهمة في صياغة مقاربات عربية أكثر تنسيقًا تجاه الأزمات.

وقد يكون ذلك أكثر أهمية في مرحلة تتراجع فيها قدرة بعض المؤسسات التقليدية على احتواء الأزمات، بينما تتسع مساحة القوى الإقليمية والدولية التي تتنافس على النفوذ داخل المنطقة.

من هنا يمكن أن تتحول القاهرة والرياض إلى محور للتشاور العربي، لا بمعنى إنشاء محور مغلق في مواجهة أطراف أخرى، وإنما باعتبارهما مركزين قادرين على الدفع باتجاه تسويات سياسية، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة الدول العربية، وتقليل فرص تحول الصراعات المحلية إلى حروب إقليمية.

البحر الأحمر بوصفه اختبارًا للمستقبل

إذا كان هناك ملف يجمع معظم هذه القضايا في نقطة واحدة، فهو البحر الأحمر.

فالتطورات الأخيرة أثبتت أن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفًا بحريًا محدودًا، بل أصبح جزءًا من التنافس الدولي على الطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية.

وهنا تتقاطع مصالح القاهرة والرياض بصورة مباشرة.

مصر معنية بأمن قناة السويس وبحرية الملاحة، والسعودية معنية بأمن ساحلها الغربي وباستقرار البحر الأحمر، بينما ترتبط الدولتان بأمن الخليج واليمن وممرات التجارة الدولية.

ولهذا فإن أي تصور عربي للأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة سيكون ناقصًا إذا لم يضع البحر الأحمر في قلبه.

نحو شراكة أكثر مؤسسية

تكشف زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة عن حقيقة تتجاوز المناسبة ذاتها: العلاقات المصرية-السعودية لم تعد مجرد علاقة ثنائية تقليدية بين دولتين عربيتين كبيرتين، بل يمكن أن تصبح إحدى الأدوات الرئيسية للتعامل مع التحولات التي تعصف بالنظام الإقليمي.

لكن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من قوة العلاقات إلى مأسسة التنسيق.

فالمطلوب هو آليات دائمة للتشاور، وتنسيق أكبر في ملفات البحر الأحمر واليمن والسودان وفلسطين وسوريا وليبيا، وتعاون اقتصادي يوازي التعاون السياسي، إضافة إلى قدرة أكبر على المبادرة الدبلوماسية عندما تتعرض المنطقة لأزمات جديدة.

ولا يعني ذلك أن القاهرة والرياض تمتلكان وحدهما مفاتيح جميع أزمات الشرق الأوسط. فلكل أزمة أطرافها وحساباتها، كما أن نجاح أي تسوية يحتاج إلى مشاركة الأطراف المعنية والقوى الإقليمية والدولية ذات الصلة.

لكن الوزن الذي تتمتع به الدولتان يجعل تقاربهما عاملًا لا يمكن تجاهله في أي معادلة مستقبلية للأمن العربي.

لحظة إعادة تعريف الدور

ربما يكون أهم ما تكشفه قمة القاهرة أن المنطقة تدخل مرحلة تتغير فيها قيمة الجغرافيا وموازين القوة.

فالممرات البحرية أصبحت أدوات استراتيجية، والأزمات المحلية باتت قادرة على إنتاج تداعيات دولية، والقوى غير الحكومية تستطيع التأثير في أمن الدول والممرات التجارية، بينما تتنافس القوى الكبرى على النفوذ في منطقة تحتفظ بأهميتها الاقتصادية والجيوسياسية.

وفي هذا السياق، لا تستطيع القاهرة والرياض الاكتفاء بالحفاظ على علاقاتهما التقليدية.

إن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه العلاقة إلى قدرة على الوقاية من الأزمات قبل انفجارها، ودعم الدولة الوطنية، وحماية أمن الممرات البحرية، وتعزيز التسويات السياسية، وبناء قدر أكبر من التماسك العربي.

وهنا تحديدًا تكتسب القمة المصرية-السعودية معناها الأوسع.

فالقاهرة والرياض لا تملكان القدرة وحدهما على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، لكنهما تمتلكان من الوزن السياسي والجغرافي والاقتصادي ما يجعلهما جزءًا أساسيًا من أي محاولة لإعادة بناء معادلات الاستقرار العربي.

وفي منطقة تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتتغير فيها قيمة الممرات البحرية، وتتداخل فيها الأزمات المحلية مع التنافس الدولي، قد تكون قوة العلاقات المصرية-السعودية أقل أهمية من السؤال التالي:

هل تستطيع هذه العلاقة أن تتحول من رصيد تاريخي إلى قدرة استراتيجية مشتركة على إدارة التحولات المقبلة؟