بناء الجيش السوري الجديد: معركة الدولة ضد إرث الفصائل

تحليلات - Foresight

لم تعد معركة بناء الجيش السوري الجديد مجرد مسألة عسكرية تتعلق بإعادة تنظيم الوحدات وتوزيع القوات والقيادات، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل الدولة السورية ذاتها. فبعد سقوط نظام بشار الأسد، وجدت السلطات الجديدة نفسها أمام إرث عسكري وأمني شديد التعقيد: عشرات الفصائل التي خاضت الحرب لسنوات، لكل منها قياداتها وشبكاتها ومناطق نفوذها وخبراتها القتالية وعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن إدماج هذه الفصائل في وزارة الدفاع لم يكن سوى الخطوة الأولى في عملية أطول وأكثر صعوبة. فالمشكلة لم تكن في نقل المقاتلين من خارج الدولة إلى داخلها، وإنما في نقل الولاء نفسه من الجماعة إلى المؤسسة. وهذا هو جوهر التحول الجاري في الجيش السوري: الانتقال من صيغة جمعت الفصائل تحت مظلة الدولة إلى صيغة تسعى إلى تفكيك قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل هذه الدولة.

وبحسب المادة التي يستند إليها هذا التحليل، تشكل الجيش السوري الجديد في مرحلته الأولى من نحو 22 فرقة كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، مع احتفاظها بدرجات متفاوتة بهياكلها وقياداتها وشبكاتها الداخلية. لكن هذه الصيغة كشفت سريعاً أن مجرد وضع الفصائل تحت سلطة وزارة الدفاع لا يعني بالضرورة بناء جيش وطني؛ إذ يمكن للفصيل أن يتغير اسمه إلى فرقة أو لواء، بينما تبقى بنيته الفعلية وولاءاته وشبكات نفوذه كما هي. لذلك دخلت عملية بناء الجيش مرحلة ثانية أكثر حساسية: تفكيك الفصائل من الداخل، وهنا تبدأ المسألة الاستراتيجية الحقيقية.

من دمج الفصائل إلى إنهاء الفصائلية

يمكن فهم عملية إعادة بناء الجيش السوري عبر مرحلتين متمايزتين. الأولى كانت مرحلة الاستيعاب: نقل الفصائل المسلحة إلى إطار رسمي تحت وزارة الدفاع، ومنحها مواقع داخل الهيكل العسكري الجديد. أما الثانية فهي مرحلة إعادة الهندسة: إعادة توزيع الأفراد والقيادات، تغيير مناطق الانتشار والمهام، وإضعاف قدرة الوحدات على الاحتفاظ بالتماسك التنظيمي الذي كانت تتمتع به قبل دخولها مؤسسات الدولة.

وتكشف هذه النقلة عن إدراك لدى القيادة السورية بأن الدولة لا تستطيع بناء مؤسسة عسكرية موحدة إذا احتفظت داخلها بمجموعة من الجيوش الصغيرة التي تحمل أسماء رسمية. فالمؤسسة العسكرية لا تقوم فقط على وجود وزارة دفاع أو هيئة أركان أو رتب عسكرية، وإنما على وجود سلسلة قيادة واحدة، ومرجعية واحدة للقرار، وعقيدة عسكرية مشتركة، ونظام واحد للموارد والمعلومات والانضباط.

ولهذا فإن إعادة توزيع المقاتلين قد تكون أكثر أهمية من مجرد زيادة أعداد القوات؛ لأنها تستهدف البنية التي تسمح للفصيل بالحفاظ على هويته الخاصة داخل المؤسسة. وقد وصفت المادة هذه العملية بأنها محاولة لـ«قصقصة أجنحة الفصائل داخل الجيش»، في إشارة إلى تقليص قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها السابق. ومن المنظور الاستراتيجي، تمثل هذه الخطوة انتقالاً من دمج القوة إلى احتكار الدولة للقوة، وهذا فارق جوهري.

المشكلة ليست في السلاح وحده

قد يبدو للوهلة الأولى أن بناء الجيش يتعلق بالسلاح والرتب والانتشار. لكن التجربة السورية، كما يعكسها التقرير، تشير إلى أن المشكلة الأعمق تكمن في شبكات الولاء. فالفصائل التي نشأت خلال الحرب لم تكن مجرد وحدات عسكرية. بعضها طور علاقات اقتصادية وإدارية واجتماعية في مناطق نفوذه، وبنى هياكل قيادية ومصالح وشبكات من العلاقات الشخصية. ولذلك فإن حل الشكل التنظيمي للفصيل لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء نفوذه.

وهنا تظهر واحدة من أصعب معضلات بناء الدولة بعد الحروب الأهلية: كيف تفكك المؤسسة التي نشأت خارج الدولة من دون أن تؤدي عملية التفكيك نفسها إلى صراع جديد؟ فالقوة الفصائلية ليست فقط قوة عسكرية؛ إنها أيضاً رأس مال سياسي واجتماعي واقتصادي تراكم خلال سنوات الصراع.

ولهذا فإن إعادة الهيكلة لا تعني ببساطة نقل المقاتل من فرقة إلى أخرى، وإنما إعادة تعريف موقعه داخل منظومة السلطة. فإذا ظل المقاتل يرى نفسه تابعاً لقائد فصيل قبل أن يكون تابعاً لسلسلة القيادة العسكرية، فإن الدولة تكون قد دمجت المظهر الخارجي للقوة من دون أن تغير جوهرها. أما إذا أصبح الراتب والرتبة والتكليف والترقية والانضباط والقرار العسكري مرتبطة بالمؤسسة وحدها، فإن عملية الدمج تبدأ في التحول إلى بناء دولة.

معركة الولاء: لمن ينتمي الجيش؟

هذه المسألة تجعل الولاء أحد أهم مؤشرات نجاح إعادة بناء الجيش، فالجيش الوطني يفترض أن يكون ولاؤه للدولة، لا لمنطقة أو جماعة أو قائد أو تيار سياسي. وهذا تحديداً ما يجعل إعادة توزيع العناصر والقيادات أداة سياسية–مؤسسية في الوقت نفسه. فعندما يعاد توزيع مقاتلي الفصائل على تشكيلات مختلفة، تتراجع قدرتهم على إعادة إنتاج هياكلهم القديمة، ويصبح استمرار الشبكة الفصائلية أكثر صعوبة.

المادة تشير إلى أن بعض الفصائل ظلت مرتبطة بمناطق معاقلها وبقاداتها وبشبكات اقتصادية وإدارية واجتماعية تشكلت خلال أكثر من عقد.

ومن ثم فإن تفكيك هذه الروابط داخل المؤسسة العسكرية يمثل محاولة لإعادة تعريف علاقة الجندي بالدولة، لكن هذه العملية تحمل في الوقت نفسه مخاطرة مهمة: إذا شعر أحد المكونات بأن إعادة الهيكلة تستهدفه سياسياً أو مناطقياً، فقد يتحول الإصلاح المؤسسي إلى مصدر جديد للتوتر. ولهذا فإن نجاح العملية لا يتوقف على قدرتها على تفكيك الفصائل فقط، وإنما على قدرتها على إنتاج شعور أوسع بالمساواة داخل المؤسسة.

لماذا يمثل صعود القيادة القادمة من «هيئة تحرير الشام» عقدة مركزية؟

أكثر الأسئلة حساسية في عملية بناء الجيش الجديد يتعلق بالدور الذي ستحتفظ به الشخصيات التي جاءت من «هيئة تحرير الشام» وقيادات «جبهة النصرة» السابقة. وتعرض المادة روايتين متمايزتين في هذا الصدد. الرواية الأولى، التي ينقلها أحد المصادر المطلعة، ترى أن الهيكلية الأمنية والعسكرية الجديدة تستهدف الإبقاء على شخصيات من «هيئة تحرير الشام» في المواقع الرئيسية للقيادة والقرار.

أما الرواية المقابلة، التي يقدمها العقيد عبد المعطي الحلبي، فتؤكد أن «هيئة تحرير الشام» حلت نفسها واندفعت نحو الاندماج في الدولة، وأن اختيار بعض قياداتها يعود إلى الخبرة التنظيمية والأمنية والعسكرية التي راكمتها خلال سنوات الحرب وإدارة إدلب. وهنا لا تكمن القضية فقط في هوية الأشخاص، وإنما في المعيار الذي ستُبنى عليه القيادة العسكرية الجديدة.

هل سيكون المعيار هو الخبرة العسكرية والتنظيمية؟ أم الانتماء السابق؟ أم الثقة السياسية؟ أم مزيج من هذه العناصر؟ وهذا السؤال بالغ الأهمية لأن بناء مؤسسة عسكرية مستقرة يتطلب تحقيق توازن صعب بين الخبرة والشرعية والتمثيل والثقة المؤسسية.

فالاعتماد على أكثر العناصر خبرة قد يوفر للدولة قدرة أكبر على السيطرة والتنظيم في المدى القصير، لكنه قد يثير مخاوف لدى مكونات أخرى إذا بدا أن مؤسسة الدولة الجديدة أصبحت امتداداً لتنظيم سابق.

وفي المقابل، فإن إقصاء أصحاب الخبرة العسكرية لمجرد خلفياتهم السابقة قد يحرم الجيش من قدرات ضرورية في مرحلة شديدة التعقيد.

لذلك فإن التحدي الحقيقي هو تحويل الخبرة التي راكمتها الفصائل إلى خبرة مؤسسية للدولة، لا إلى مصدر جديد لإعادة إنتاج الفصيل داخل الدولة.

الجيش الجديد بين الحاجة إلى الصلابة وخطر إعادة إنتاج المركزية

تطرح هذه المسألة مفارقة أساسية، الدولة الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى جيش قوي ومتماسك وقادر على فرض الأمن. لكن القوة العسكرية لا تصبح بالضرورة قوة دولة لمجرد أنها أصبحت تحت قيادة مركزية.

فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى قواعد واضحة تحكم التعيين والترقية والانتشار والميزانية والرقابة والمساءلة. وإلا فإن توحيد القوة قد يؤدي إلى استبدال تعدد الفصائل بمركزية عسكرية شديدة الارتباط بمجموعة واحدة. وهذا يجعل المأسسة أكثر أهمية من مجرد التوحيد. فالتوحيد يجيب عن سؤال: «من يقود؟» أما المأسسة فتجيب عن سؤال أكثر عمقاً: «كيف يُتخذ القرار، ومن يراقبه، وما القواعد التي تستمر حتى بعد تغير الأشخاص؟» ومن هنا فإن نجاح الجيش السوري الجديد لن يتحدد فقط بما إذا كانت الفصائل قد حُلت، وإنما بما إذا كانت القواعد المؤسسية ستصبح أقوى من الأشخاص.

خمسة فيالق: إعادة هندسة القوة لا مجرد إعادة توزيعها

تشير المادة إلى اتجاه نحو الإبقاء على هيكلية من خمسة فيالق، مع احتمال إجراء تغييرات على القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية. وهذا التحول له دلالة استراتيجية تتجاوز إعادة التنظيم الإداري. فالانتشار العسكري يحدد قدرة الدولة على التعامل مع التهديدات، لكنه يحدد أيضاً طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم. في مرحلة الفصائل، كان الانتشار مرتبطاً في كثير من الحالات بمناطق النفوذ التاريخية لكل مجموعة. أما الجيش المؤسساتي فيفترض أن تكون القوات قابلة لإعادة الانتشار وفق احتياجات الدولة، وليس وفق حدود نفوذ الجماعة. ومن هنا فإن تغيير مناطق الانتشار يمكن أن يكون أداة أساسية في تفكيك الجغرافيا الفصائلية. إذا كان الفصيل يعرف نفسه من خلال منطقة محددة، فإن نقله إلى منطقة أخرى يقلل من ارتباطه بالبنية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تمنحه قوة مستقلة.

لكن الأمر يحتاج إلى إدارة دقيقة؛ لأن تغيير الانتشار العسكري في دولة خارجة من حرب يمكن أن يحمل رسائل سياسية للمكونات المحلية، خصوصاً في المناطق التي ما زالت فيها الثقة بالدولة المركزية هشة.

تركيا: شريك في بناء الجيش أم صاحب مصلحة في شكل الجيش؟

لا يمكن فصل إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية عن الدور التركي، وفق المادة، أصبح التنسيق العسكري السوري–التركي معلناً في مجالات التنظيم والتدريب، مع زيارات متبادلة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، فيما تشير المادة أيضاً إلى وجود قبول أميركي لهذا التعاون.

لكن الدور التركي لا يمكن تفسيره فقط باعتباره مساعدة تقنية في بناء الجيش، فتركيا تمتلك مصالح أمنية مباشرة في سوريا، وترتبط رؤيتها للترتيبات العسكرية السورية بقضايا الحدود، والأمن القومي، ومواجهة التنظيمات الكردية المسلحة، ومستقبل المناطق الشمالية والشرقية من سوريا. ولهذا فإن التعاون العسكري السوري–التركي يحمل مستويين متوازيين:

المستوى الأول: بناء القدرات المؤسسية للجيش السوري.

والمستوى الثاني: محاولة ضمان أن تكون البنية الأمنية السورية الجديدة متوافقة مع المصالح الأمنية التركية.

وهذا لا يعني بالضرورة تعارض الهدفين، لكنه يجعل استقلال القرار العسكري السوري أحد الملفات التي ستحتاج إلى إدارة دقيقة. فكلما زاد الاعتماد الخارجي في التدريب والتنظيم والتسليح، أصبح السؤال المتعلق بحدود النفوذ الخارجي أكثر أهمية.

الدور الأميركي: دعم إعادة البناء أم إعادة تشكيل البيئة الأمنية؟

تشير المادة إلى أن التنسيق التركي في بناء الجيش يجري بموافقة أميركية، كما تربط هذا التعاون بملف مكافحة الإرهاب. وتكمن أهمية ذلك في أن الولايات المتحدة، مثل تركيا، تمتلك مصالح أمنية مباشرة في سوريا، وإن كانت أولوياتها ليست بالضرورة متطابقة مع الأولويات التركية أو السورية. ومن ثم فإن وجود أكثر من طرف خارجي حول عملية بناء الجيش يجعل المؤسسة العسكرية السورية الجديدة تقع عند تقاطع مصالح متعددة.

وهنا يظهر تحدٍ استراتيجي آخر: هل تستطيع الدولة السورية استخدام الدعم الخارجي لبناء مؤسساتها من دون أن تتحول مؤسساتها إلى ساحة لتنافس الأطراف الخارجية؟ الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على قدرة دمشق على تحديد أولوياتها الوطنية بوضوح، وتحويل التعاون الخارجي إلى موارد تخدم مؤسسة الدولة بدلاً من أن تصبح المؤسسة نفسها أداة لتنفيذ أجندات متباينة.

الفصائل الأكثر تشدداً: بين الاحتواء والتفكيك

تمثل الفصائل الأكثر تشدداً والمقاتلون الأجانب واحدة من أكثر الملفات حساسية، وتشير المادة إلى أن بعض هذه العناصر أُدمجت في الجيش، بما في ذلك ضمن الفرقة 84، وأن المبدأ المعلن هو خضوعها للقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات. لكن دمج العناصر لا يحل بالضرورة المشكلة إذا احتفظت الجماعة بهويتها التنظيمية وقدرتها على العمل الجماعي، وهنا يصبح الفرق بين دمج الأفراد ودمج الجماعات مهماً للغاية.

ويمكن للدولة أن تستوعب مقاتلين سابقين باعتبارهم أفراداً داخل المؤسسة، لكنها تصبح أمام مشكلة مختلفة إذا احتفظ هؤلاء بشبكات القيادة والتواصل والولاء السابقة. ولهذا فإن سياسة توزيع العناصر على وحدات مختلفة قد تكون محاولة لمنع إعادة تشكيل الكتلة الفصائلية داخل الجيش. غير أن هذه السياسة تحتاج إلى موازنة دقيقة بين هدفين متعارضين ظاهرياً: الاستفادة من الخبرة القتالية، ومنع تحول هذه الخبرة إلى قوة مستقلة.

الاقتصاد الفصائلي: الحلقة التي قد تعرقل الإصلاح

من أكثر الجوانب أهمية في عملية بناء الجيش، وربما أقلها ظهوراً، مسألة المصالح الاقتصادية التي ارتبطت بالفصائل، فالمادة تشير إلى وجود شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت وترسخت خلال سنوات الحرب. وهذه النقطة شديدة الأهمية لأن الدولة تستطيع حل التنظيم العسكري بقرار إداري، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها تفكيك المصالح الاقتصادية التي تراكمت حوله. وقد يؤدي فقدان الامتيازات الاقتصادية إلى مقاومة إعادة الهيكلة، حتى لو لم تظهر هذه المقاومة في صورة تمرد عسكري مباشر. ومن هنا فإن بناء الجيش لا ينفصل عن إعادة تنظيم الاقتصاد المرتبط بالحرب.

فلا يمكن إنشاء مؤسسة عسكرية وطنية مستقرة إذا ظلت بعض شبكات التمويل والتجارة والموارد تعمل خارج النظام الاقتصادي للدولة. ولهذا فإن نجاح عملية إعادة الهيكلة العسكرية سيكون مرتبطاً، بدرجة ما، بإعادة إدماج الموارد التي كانت تحت سيطرة الفصائل ضمن مؤسسات الدولة.

الجيش باعتباره مشروعاً لبناء الدولة

عند النظر إلى الصورة الكاملة، يتضح أن إعادة بناء الجيش السوري هي في جوهرها عملية إعادة بناء للدولة نفسها، فالجيش هو إحدى أهم المؤسسات التي تجسد سيادة الدولة، واحتكارها للقوة، وقدرتها على حماية الحدود، وفرض القانون، وتطبيق القرار السياسي. ولهذا فإن وجود أكثر من مركز للقوة داخل الجيش يعني وجود أكثر من مركز محتمل للقرار.

وهنا يصبح بناء الجيش جزءاً من عملية أوسع تشمل إعادة تشكيل مؤسسات الأمن، والإدارة المحلية، والاقتصاد، والقضاء، والعلاقة بين المركز والأقاليم. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح عملية الدمج سيؤثر في قضايا تتجاوز المؤسسة العسكرية نفسها.

إذا نجحت الدولة في تحويل الفصائل إلى وحدات وطنية حقيقية، فإن ذلك قد يوفر أساساً لبناء مؤسسات مدنية أكثر استقراراً. أما إذا بقيت الفصائل محتفظة بقدرتها على التأثير داخل الجيش، فإن الدولة قد تجد نفسها أمام نظام جديد شكلياً لكنه يحمل بعض خصائص النظام الفصائلي القديم.

الاختبار الأصعب: ماذا يحدث عندما تتعارض الولاءات؟

الاختبار الحقيقي للجيش الجديد لن يظهر بالضرورة أثناء فترة إعادة الهيكلة، بل عندما تواجه الدولة أول أزمة تتعارض فيها المصالح. ماذا يحدث إذا تعارض قرار القيادة المركزية مع مصالح منطقة معينة؟ ماذا يحدث إذا صدرت أوامر بإعادة انتشار وحدة ترفضها شبكتها المحلية؟ ماذا يحدث إذا نشأ خلاف سياسي بين قيادة الدولة وقادة عسكريين ذوي خلفيات فصائلية؟ وماذا يحدث إذا حاول طرف خارجي التأثير في وحدة أو قائد بسبب علاقاته السابقة؟ هذه السيناريوهات هي التي ستكشف ما إذا كانت عملية الدمج قد أنتجت جيشاً موحداً بالفعل، أم مجرد تحالف مؤقت بين مراكز قوة داخل وزارة الدفاع. ومن هنا فإن السلوك المؤسسي أثناء الأزمات سيكون أهم من الشكل التنظيمي في زمن الاستقرار.

من «الفصائل المنتصرة» إلى «الدولة المنتصرة»

تكمن القيمة الاستراتيجية الكبرى لعملية إعادة الهيكلة في أنها تمثل محاولة للانتقال من مرحلة تاريخية كانت فيها القوة المسلحة موزعة بين فصائل متعددة إلى مرحلة تصبح فيها الدولة هي الإطار الوحيد المنظم للقوة. وهذا الانتقال ليس سهلاً. فالفصائل التي ساهمت في إسقاط النظام السابق تمتلك شرعية مستمدة من دورها العسكري، وبعضها يرى أن له حقاً سياسياً وأمنياً في صياغة النظام الجديد. لكن الدولة لا تستطيع أن تستمر إذا تحولت مساهمة الفصائل في إسقاط النظام إلى حق دائم في الاحتفاظ بمراكز قوة مستقلة داخله. ولهذا فإن نجاح المرحلة الجديدة يتطلب تحويل شرعية الانتصار العسكري إلى شرعية مؤسسية. وهذه واحدة من أصعب عمليات الانتقال السياسي بعد الحروب. فالانتصار العسكري يسمح بإسقاط نظام، لكنه لا يكفي لبناء دولة.

ثلاث معارك في معركة واحدة

يمكن تلخيص عملية بناء الجيش السوري الجديد باعتبارها ثلاث معارك متزامنة:

المعركة الأولى: معركة التنظيم.
وتتمثل في إعادة تشكيل الوحدات والفيالق وتوزيع القوات والقيادات ومناطق الانتشار.

المعركة الثانية: معركة الولاء.
وتتمثل في نقل ولاء الأفراد من الفصيل والقائد والمنطقة إلى الدولة والمؤسسة العسكرية.

المعركة الثالثة: معركة السيادة.
وتتمثل في بناء قرار عسكري سوري قادر على الاستفادة من الدعم الخارجي من دون أن يصبح أسيراً لتوازنات القوى الإقليمية والدولية. وإذا نجحت دمشق في المعارك الثلاث، فإنها ستكون قد قطعت شوطاً مهماً في بناء الدولة.

أما إذا نجحت في الأولى فقط، فقد تحصل على جيش أكثر تنظيماً لكنه لا يزال يحمل داخله مراكز قوة متعددة.

ما الذي سيحدد نجاح التجربة؟

يمكن تحديد عدد من المؤشرات التي ستكشف خلال المرحلة المقبلة طبيعة التحول الذي يشهده الجيش السوري.

 أولها: هل ستصبح الترقية والتعيين والقيادة مرتبطة بمعايير مؤسسية واضحة؟

ثانيها: هل ستختفي الهياكل الاقتصادية المستقلة للفصائل؟

ثالثها: هل ستصبح القوات قابلة لإعادة الانتشار وفق قرار الدولة وليس وفق الجغرافيا الفصائلية؟

رابعها: هل ستنشأ عقيدة عسكرية مشتركة تتجاوز الانقسامات السابقة؟

خامسها: كيف ستتم إدارة العلاقة بين القادة القادمين من «هيئة تحرير الشام» وبقية المكونات العسكرية؟

سادسها: ما حدود الدور التركي والأميركي وغيرهما في التدريب والتنظيم وبناء القدرات؟

وسابعها، وربما الأهم: هل ستنجح المؤسسة العسكرية في بناء ثقة لدى مختلف المكونات السورية بأنها جيش للدولة وليس جيشاً لجماعة أو منطقة؟

هذه المؤشرات أهم من مجرد عدد الفيالق أو أسماء قادتها.

الخلاصة: معركة الجيش هي معركة شكل الدولة

تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن المرحلة الحالية تختلف جذرياً عن المرحلة التي أعقبت سقوط النظام مباشرة. في المرحلة الأولى كان الهدف منع الفراغ الأمني عبر استيعاب الفصائل المسلحة داخل وزارة الدفاع. أما المرحلة الثانية، فهي أكثر صعوبة: إزالة الطابع الفصائلي من المؤسسة التي استوعبت هذه الفصائل. وهذا يعني أن دمشق لا تحاول فقط بناء جيش جديد، بل تحاول إعادة تعريف العلاقة بين القوة والدولة. فإذا نجحت في تفكيك البنى الفصائلية، وتوحيد سلسلة القيادة، وإخضاع الموارد والقرار العسكري للمؤسسة، وبناء عقيدة وطنية، فقد تتحول عملية الدمج إلى إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة السورية الجديدة. أما إذا بقيت الولاءات والشبكات الاقتصادية والهياكل التنظيمية السابقة حاضرة داخل الجيش، فقد يتحول الدمج إلى مجرد إعادة تسمية للفصائل، من دون انتقال حقيقي من منطق الجماعة إلى منطق الدولة. وفي النهاية، فإن السؤال الاستراتيجي ليس: كم فصيلاً جرى دمجه؟ ولا حتى: كم فيلقاً سيض