بث تجريبي

الصين وإيران في مواجهة واشنطن: إدارة التنافس أم إدارة الأزمات؟

تقارير وملفات - Foresight

تكشف المقارنة بين العلاقة الصينية–الأميركية والعلاقة الإيرانية–الأميركية عن واحدة من أهم المفارقات في السياسة الدولية المعاصرة؛ فكلما اتسعت الخلافات بين واشنطن وبكين، ازدادت قدرة الطرفين على إدارة التنافس ومنع الانفجار، بينما قادت خلافات أقل عدداً بين واشنطن وطهران إلى مستويات أعلى من العداء والعقوبات والمواجهات الأمنية والعسكرية. وهذه المفارقة لا ترتبط فقط بطبيعة الملفات الخلافية، بل تعكس اختلافاً عميقاً في فلسفة إدارة الصراع، وفي تصور كل من الصين وإيران لطبيعة القوة، وحدود الأيديولوجيا، والعلاقة مع النظام الدولي.

فعلى المستوى الظاهري، تبدو الخلافات بين الصين والولايات المتحدة أكثر تعقيداً وتشعباً من الخلافات الإيرانية–الأميركية. فالصراع الصيني–الأميركي يمتد من التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى تايوان وبحر الصين الجنوبي والأمن السيبراني والتنافس العسكري وإعادة تشكيل النظام الدولي. بمعنى آخر، إن واشنطن وبكين تختلفان تقريباً في كل الملفات الكبرى المتعلقة بالاقتصاد والجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والنفوذ العالمي. ومع ذلك، لم تصل العلاقة بينهما إلى القطيعة الكاملة أو الحرب المباشرة، بل ظلت محكومة بمنطق "التنافس المُدار".

في المقابل، تبدو الخلافات بين إيران والولايات المتحدة أقل من حيث العدد، إذ تتركز أساساً في البرنامج النووي، والعقوبات، والسياسات الإقليمية، وإسرائيل، والملف الصاروخي، والوجود الأميركي في الشرق الأوسط. لكن هذه الملفات المحدودة نسبياً أنتجت مستوى أعلى بكثير من التوتر وعدم الاستقرار، وصل إلى المواجهة العسكرية المباشرة والعقوبات القصوى والعزل السياسي.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين التجربتين: الصين تنظر إلى صراعها مع الولايات المتحدة باعتباره صراعاً هيكلياً طويل المدى يمكن التحكم به وإدارته وفق حسابات المصالح والكلفة والمنفعة، بينما تتعامل إيران مع خلافاتها مع واشنطن بوصفها مواجهة سياسية–أيديولوجية تمس هوية النظام نفسه، وتجعل أي تسوية تبدو أقرب إلى التنازل الوجودي منها إلى التسوية البراغماتية.

لقد أدركت الصين منذ التحولات التي قادها دنغ شياو بينغ أن الصعود إلى مرتبة القوة العظمى لا يمر عبر المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، وإنما عبر التغلغل الاقتصادي، والتفوق الصناعي، والتوسع التكنولوجي، واستنزاف المنافس على المدى الطويل. ولهذا، تبنت بكين استراتيجية تقوم على الفصل بين مجالات التعاون ومجالات الصراع. فقد تتصاعد التوترات حول تايوان أو التكنولوجيا، لكن التجارة لا تتوقف، والاستثمارات تستمر، وقنوات التفاوض تبقى مفتوحة.

وهذا ما يفسر أن حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة لا يزال يتراوح بين 500 و650 مليار دولار سنوياً، رغم كل الخطابات التصعيدية والحروب التجارية والقيود التكنولوجية. فبكين تدرك أن الاقتصاد ليس مجرد أداة قوة، بل أساس الشرعية الداخلية للحزب الشيوعي الصيني، وأن أي صدام شامل مع الولايات المتحدة قد يهدد النمو والاستقرار الاجتماعي، وهما الركيزتان الأساسيتان لاستمرار النظام.

إضافة إلى ذلك، تتعامل الصين مع الزمن بوصفه عاملاً استراتيجياً. فالصبر الطويل، والتدرج، واستنزاف الخصم، كلها عناصر مركزية في العقيدة السياسية الصينية الحديثة. ولذلك، لا تسعى بكين إلى هزيمة واشنطن دفعة واحدة، بل إلى إعادة تشكيل ميزان القوى تدريجياً لمصلحتها، بحيث تصبح الولايات المتحدة مع الوقت أقل قدرة على فرض هيمنتها الأحادية على النظام الدولي.

أما إيران، فقد تعاملت مع الصراع مع الولايات المتحدة بصورة مختلفة تماماً. فمنذ عام 1979، تشكلت العلاقة بين الطرفين داخل إطار أيديولوجي–أمني عميق، قائم على انعدام الثقة والتصور المتبادل للتهديد. ولم تُنظر إلى الملفات الخلافية بوصفها قضايا قابلة للتفاوض الجزئي أو الإدارة المرحلية، بل باعتبارها حلقات مترابطة ضمن مشروع صراع شامل. ولهذا، فإن أي تعثر في ملف واحد — كالبرنامج النووي أو العقوبات — يؤدي غالباً إلى انهيار العملية السياسية بأكملها.

ومن هنا، تبدو العلاقة الإيرانية–الأميركية أكثر هشاشة من العلاقة الصينية–الأميركية، رغم أن حجم المصالح والتشابكات بين واشنطن وطهران أقل بكثير. فغياب العلاقات الاقتصادية، وغياب التمثيل الدبلوماسي المباشر، واعتماد التواصل على وساطات متقطعة، كلها عوامل جعلت العلاقة محكومة بمنطق “الأزمة الدائمة” لا “إدارة التنافس”.

كما أن إيران لم تستطع حتى الآن الفصل بين متطلبات الأمن القومي ومتطلبات الاقتصاد. ففي حين أعادت الصين صياغة أولوياتها بحيث أصبحت التنمية الاقتصادية هي محور الاستراتيجية الوطنية، بقيت طهران أسيرة التداخل بين الاعتبارات الأيديولوجية والأمنية والإقليمية. وهذا ما جعل العقوبات الأميركية أكثر قدرة على إضعاف الاقتصاد الإيراني مقارنة بتأثير الضغوط الأميركية على الاقتصاد الصيني.

لقد أثبت الاتفاق النووي الإيراني أن الوصول إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة ممكن من الناحية التقنية والسياسية، لكنه كشف أيضاً أن غياب الثقة البنيوية بين الطرفين يجعل أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار مع أي تحول سياسي داخلي في واشنطن أو طهران. فعلى خلاف الصين، لم تستطع إيران بناء شبكة مصالح اقتصادية وسياسية تجعل تكلفة القطيعة مرتفعة بالنسبة للولايات المتحدة أو لحلفائها.

ومن زاوية أوسع، فإن الفارق بين النموذجين يعكس اختلافاً في موقع كل دولة داخل النظام الدولي. فالصين تمثل جزءاً أساسياً من الاقتصاد العالمي وسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والتجارة الدولية، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة وفرض التوازنات. أما إيران، فرغم أهميتها الجيوسياسية والإقليمية، فإنها لا تمتلك الوزن الاقتصادي العالمي الذي يسمح لها بتحويل الاعتماد الدولي عليها إلى أداة ردع سياسية واقتصادية.

ولهذا، تتعامل الولايات المتحدة مع الصين باعتبارها منافساً استراتيجياً يجب احتواؤه دون دفعه إلى الانفجار، بينما تتعامل مع إيران باعتبارها قوة إقليمية يمكن الضغط عليها واستنزافها وعزلها. فواشنطن تدرك أن الانفصال الكامل عن الصين يحمل كلفة اقتصادية عالمية هائلة، بينما ترى أن الضغط على إيران يظل أقل تكلفة وأكثر قابلية للإدارة.

لكن المفارقة أن هذا النموذج التصادمي كلّف إيران أثماناً سياسية واقتصادية وأمنية ضخمة، دون أن يؤدي في المقابل إلى تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية أو الدولية. ولهذا، بدأت داخل بعض الأوساط الإيرانية تظهر تساؤلات ضمنية حول جدوى استمرار إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة بمنطق “الصراع المفتوح”، خصوصاً بعد الحروب الأخيرة، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتراجع فرص التسويات المستقبلية.