تُعد جمهورية أرمينيا واحدة من الدول ذات الموقع الفريد والحساس في المشهد السياسي الدولي. وخلال السنوات الأخيرة، وجدت يريفان نفسها عالقة في منطقة جيوسياسية رمادية وخطرة بين روسيا والغرب. فمنذ وصول رئيس الوزراء الأرميني الحالي نيكول باشينيان إلى السلطة عام 2018، بدأت البلاد تدريجيًا في إعادة توجيه بوصلتها الاستراتيجية نحو الغرب، ممثلًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالتوازي مع تراجع تدريجي في مستوى العلاقات مع روسيا، رغم اعتماد أرمينيا الكبير على الموارد الطاقوية الروسية.
انتصار باشينيان الانتخابي
في ظل هذه الظروف المتوترة، شهدت أرمينيا انتخابات برلمانية يوم الأحد 7 يونيو. وقد حظي حزب باشينيان بدعم قوي من العواصم الأوروبية وواشنطن، بينما وقفت موسكو خلف أحزاب المعارضة. ويرى العديد من المراقبين الأجانب أن روسيا بذلت جهودًا كبيرة في مجال الحرب السيبرانية لضمان فوز القوى الموالية لها. ورغم أن هذا التقدير قد يكون صحيحًا إلى حد بعيد، فإن الغرب بدوره لم يقف على الحياد، بل دعم الحزب الحاكم بصورة واضحة.
وفي النهاية، وكما كان متوقعًا، حقق حزب «العقد المدني» بزعامة باشينيان، المعروف بتوجهه الغربي، الفوز بنسبة 49.85% من الأصوات. وجاء حزب «أرمينيا القوية» بقيادة رجل الأعمال النافذ سامفيل كارابيتيان في المرتبة الثانية بنسبة 23.31%، وهو حزب يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره قريبًا من موسكو. أما المركز الثالث فكان من نصيب «التحالف الأرمني» الذي حصل على 9.95% من الأصوات، وهو أيضًا محسوب على التيار المؤيد لروسيا.
وتشير هذه النتائج بوضوح إلى أن أرمينيا ستواصل مسارها الغربي، بما يعني عمليًا إطلاق خطوات التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وربما التفكير مستقبلاً في الانضمام إلى حلف الناتو، وإن كان لا يوجد حتى الآن أي سياسي أرميني يتبنى هذا الطرح بصورة علنية.
أرمينيا: حليف روسي موثوق بين 1992 و2018
لفهم التحولات الراهنة، لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. فقد كانت أرمينيا، طوال تلك الفترة، أحد أكثر شركاء روسيا موثوقية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.
فقد انضمت سريعًا إلى رابطة الدول المستقلة من أجل تجنب انهيار اقتصادها المرتبط بصورة وثيقة بروسيا ودول الجوار. كما التحقت بمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تُعد بمثابة النسخة الروسية من حلف الناتو، وتضم إلى جانب روسيا كلًا من كازاخستان وبيلاروسيا وقيرغيزستان وطاجيكستان. وتضمن المادة الرابعة من المعاهدة الدفاع الجماعي عن أي دولة عضو تتعرض لهجوم خارجي، على غرار المادة الخامسة من معاهدة الناتو.
وتوجت الشراكة الاستراتيجية بين موسكو ويريفان بانضمام أرمينيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي عام 2015، لتصبح إحدى أكثر الدول ارتباطًا بالمشروع الروسي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.
الثورة الأرمينية وتغيير التموضع الجيوسياسي
غير أن المشهد تبدل جذريًا عقب الثورة الأرمينية عام 2018، التي أطلق عليها باشينيان اسم «الثورة المخملية». فقد قاد احتجاجات شعبية واسعة ضد الرئيس السابق سيرج سركيسيان بعدما سعى إلى البقاء في السلطة من خلال تولي منصب رئيس الوزراء لولاية ثالثة.
وأجبرت الاحتجاجات سركيسيان على الاستقالة، ليفتح الطريق أمام صعود باشينيان إلى رئاسة الحكومة.
ويرى كثير من المحللين أن ما جرى كان نموذجًا كلاسيكيًا لما يُعرف بـ«الثورات الملونة»، على غرار ما حدث في أوكرانيا عام 2014، حيث أدى الحراك الشعبي في الحالتين إلى إعادة توجيه البلدين نحو المعسكر الغربي.
التحول نحو الغرب رغم الارتباط العميق بروسيا
بعد وصوله إلى السلطة، بدأ باشينيان تدريجيًا في دفع أرمينيا نحو الغرب، بالتوازي مع تقليص اعتمادها السياسي على روسيا، وإلى حد أقل على الصين وإيران والقوى الشرقية الأخرى.
وأثار هذا التوجه تساؤلات عديدة حول مدى واقعيته وجدواه، في ظل اعتماد أرمينيا الكبير على روسيا. فموسكو توفر نحو 82% من واردات الغاز الأرمينية، و60% من النفط ومشتقاته، كما تستحوذ على نحو 35% من التجارة الخارجية الأرمينية.
ورغم هذه الحقائق، واصل باشينيان مساره الجديد. وفي فبراير 2024، أعلنت أرمينيا تجميد عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، في خطوة شكلت نقطة تحول بارزة في علاقتها الاستراتيجية مع روسيا.
ثمن التوجه الغربي: خسارة ناغورنو كاراباخ
لم ينجح التقارب مع الغرب في حماية أرمينيا من الهزائم العسكرية التي تعرضت لها في إقليم ناغورنو كاراباخ خلال عامي 2020 و2023.
ويقع الإقليم، الذي كان يقطنه غالبية أرمنية، داخل الحدود المعترف بها دوليًا لأذربيجان، لكنه ظل خاضعًا لسيطرة الأرمن منذ حروب التسعينيات. وبعد الهزائم العسكرية الأخيرة، اضطر أكثر من مائة ألف أرمني إلى النزوح نحو أرمينيا.
ولم تتخذ الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو أي خطوات عملية لمنع العمليات العسكرية الأذربيجانية أو حماية السكان الأرمن، وهو أمر لا يبدو مفاجئًا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن ناغورنو كاراباخ يُعد قانونيًا جزءًا من أذربيجان، فضلًا عن تنامي أهمية باكو كمصدر للطاقة بالنسبة لأوروبا.
كما أن قوات حفظ السلام الروسية لم تبذل جهودًا ملموسة لحماية سكان جمهورية آرتساخ غير المعترف بها دوليًا.
وكانت روسيا قد لعبت سابقًا دور الوسيط بين الطرفين، وساهمت عام 2016 في التوصل إلى وقف لإطلاق النار. لكن بعد تحول أرمينيا نحو الغرب عام 2018، تراجعت دوافع موسكو للدفاع عن المواقف الأرمينية في النزاعات اللاحقة.
تقارب باشينيان وترامب
رغم الانتكاسات الوطنية التي تعرض لها، تمكن باشينيان من الحفاظ على موقعه السياسي ومواصلة نهجه الموالي للغرب. وفي الوقت نفسه، يصفه منتقدوه بأنه بات أكثر ميلًا إلى المركزية السياسية، من خلال ملاحقة بعض الخصوم والمعارضين بهدف تعزيز سيطرته على السلطة.
ولم يمنع ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من توثيق علاقاته معه. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، شهدت العلاقات بين يريفان وواشنطن تطورًا ملحوظًا.
وفي أغسطس من العام الماضي، وبرعاية أمريكية مباشرة، وقعت أرمينيا وأذربيجان اتفاقية سلام وإقامة علاقات بين الدولتين. وكان من أبرز بنود الاتفاق إنشاء ممر زنغزور للنقل، الذي حمل اسم «طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي» (TRIPP)، ويربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية.
وبينما احتفظت أرمينيا بسيادتها القانونية على الممر، حصلت الولايات المتحدة على امتياز استثماري لإدارته وتطويره لمدة 99 عامًا.
أرمينيا كأصل استراتيجي في رؤية ترامب
في يناير الماضي، وقعت أرمينيا والولايات المتحدة ميثاق شراكة استراتيجية، تبعه اتفاق إضافي في مايو خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى يريفان.
ويبدو أن اهتمام ترامب بأرمينيا يرتبط إلى حد كبير بما تمتلكه من احتياطيات الحديد والنحاس والزنك وغيرها من المعادن الاستراتيجية. فالرئيس الأمريكي ينظر إلى الدول من منظور براغماتي يعتبرها أصولًا جيوسياسية ذات قيم استراتيجية متفاوتة.
ويتمثل الهدف الرئيسي للتعاون الأمريكي – الأرميني في الحد من النفوذ الروسي والإيراني والصيني في منطقة القوقاز وتعزيز الحضور الأمريكي فيها. ولهذا السبب، لم يكن مستغربًا أن تعارض موسكو وطهران وبكين هذه الترتيبات الجديدة، ولا سيما الاتفاق المتعلق بممر زنغزور.
هل يوفر الغرب ضمانات أمنية لأرمينيا؟
يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الغرب توفير حماية فعلية لأرمينيا في مواجهة أي ضغوط أو تهديدات روسية محتملة؟
فالواقع أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك قوة عسكرية مستقلة، كما أن الناتو يعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الأمريكية. ومن ثم فإن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة عمليًا على تقديم ضمانات أمنية حقيقية لأرمينيا.
ورغم عدم وجود اتفاق رسمي بهذا الشأن حتى الآن، فإن مثل هذه الترتيبات قد تصبح ممكنة في ظل إدارة ترامب.
سلاح الاقتصاد والطاقة
قد تلجأ روسيا إلى فرض ضغوط اقتصادية على أرمينيا عبر تجميد التبادل التجاري أو تقليص صادرات الطاقة، لكن من غير الواضح ما إذا كان الرئيس فلاديمير بوتين مستعدًا للمضي في هذا الخيار.
كما أن روسيا لا تزال تحتفظ بقاعدة عسكرية مهمة في مدينة غيومري، وقد أكد باشينيان أنه لا يعتزم إغلاقها.
وفي حال قررت موسكو قطع إمدادات الطاقة، يمكن لأرمينيا أن تعوض جزءًا منها عبر الاستيراد من إيران أو أذربيجان، وربما حتى من تركيا رغم انقطاع العلاقات الرسمية بين البلدين منذ عام 1993.
لكن هذه البدائل ستكون أكثر تكلفة بكثير، إذ قد تصل أسعار الطاقة إلى ثلاثة أضعاف الأسعار التفضيلية التي توفرها روسيا. وسيؤدي ذلك إلى ضغوط هائلة على الموازنة العامة وعلى الأسر الأرمينية.
ويقدّر خبراء الاقتصاد أن الناتج المحلي الإجمالي الأرميني قد يتراجع بنسبة تتراوح بين 14 و15%، مع ما يرافق ذلك من ركود اقتصادي وارتفاع معدلات التضخم ونقص الوقود والكهرباء والمواد الغذائية والمدخلات الصناعية، فضلًا عن هروب رؤوس الأموال وتراجع تحويلات الجالية الأرمينية المقيمة في روسيا.
استراتيجية محفوفة بالمخاطر
في المحصلة، يبدو أن التحول الغربي الذي يقوده باشينيان ينطوي على قدر كبير من المخاطرة.
فمن الناحية الجيوسياسية، ربما كانت أرمينيا ستجني فوائد أكبر لو حافظت على دورها كجسر بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي بين تركيا وروسيا وإيران.
وقد سبق أن طُرح منطق مشابه فيما يتعلق بحياد أوكرانيا، غير أن هذا المسار لم يعد مطروحًا بالنسبة لأرمينيا اليوم.
فبعد فوز باشينيان في الانتخابات، سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الترحيب بالنتائج، في حين دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إجراء استفتاء بشأن استمرار عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وتحاول القيادة الأرمينية الحفاظ على نوع من التوازن الاقتصادي بين الشرق والغرب، لكنها سياسيًا تبدو أكثر اقترابًا من المعسكر الغربي.
ومع ذلك، فإن باشينيان لم ينجح في الحصول على أغلبية الثلثين داخل البرلمان، وهو ما يعقد أي تعديلات دستورية محتملة، خصوصًا تلك المتعلقة بالتخلي عن المطالب الإقليمية المرتبطة بناغورنو كاراباخ، وهي خطوة تعد شرطًا أساسيًا لتطبيع العلاقات مع أذربيجان وتركيا.
وهكذا تبدو أرمينيا اليوم وكأنها تسير فوق جليد جيوسياسي رقيق، فيما يبقى رهانها الأكبر على شراكتها مع واشنطن وإدارة ترامب.
ولعل مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر تلخص المعضلة الأرمينية الراهنة:
«قد يكون من الخطر أن تكون عدوًا للولايات المتحدة، لكن أن تكون صديقًا لها قد يكون قاتلًا».
