يمثل تصاعد النشاط العسكري لجماعة الحوثيين في اليمن تطورًا جديدًا في مسار التوتر الإقليمي، ولا سيما مع تنامي المؤشرات المرتبطة بمحاولات الاقتراب من منطقة باب المندب. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمضيق، الذي يشكل أحد الممرات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وتثير العمليات الحوثية الأخيرة نقاشًا بشأن طبيعة العلاقة بين الجماعة وإيران، في ظل تأكيد طهران أن الحوثيين يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة ولا يتلقون أوامر مباشرة منها. وفي المقابل، تشير تقديرات وتقارير إلى وجود مستويات مختلفة من الدعم العسكري واللوجستي الإيراني للجماعة، بما يجعل العلاقة بين الطرفين أحد العوامل الأساسية في تفسير مسار التصعيد، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن كل قرار عسكري حوثي يصدر بصورة مباشرة عن القيادة الإيرانية.
وتأتي التطورات الأخيرة في سياق إقليمي أكثر اتساعًا، تتداخل فيه الحرب والمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية مع أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى النشاط الحوثي في البحر الأحمر ومحيط باب المندب باعتباره جزءًا من شبكة أوسع من أدوات الضغط غير المباشر التي تستخدمها الأطراف المتصارعة في المنطقة.
من هرمز إلى باب المندب
كان مضيق هرمز في وقت مبكر من الحرب أحد أبرز عناصر الضغط المرتبطة بإيران، نظرًا إلى أهميته في حركة صادرات النفط من منطقة الخليج. وكان إغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة عبره يُنظر إليه باعتباره عاملًا يمكن أن يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط.
غير أن تداعيات إغلاق هرمز بدت، وفق المعطيات التي يستند إليها هذا الطرح، أكثر قابلية للاحتواء مما كان متوقعًا في بعض السيناريوهات الأولية. فقد أسهم تراجع الطلب الصيني على النفط، إلى جانب استخدام بعض الدول، مثل الولايات المتحدة واليابان، احتياطياتها الاستراتيجية من الطاقة، في الحد من الضغوط على الأسواق.
كما لعبت دول الخليج دورًا مهمًا في تقليص آثار اضطراب الملاحة في المضيق. فقد أتاحت البنية التحتية القائمة، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق–غرب في السعودية، نقل جزء من النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفر بديلًا جزئيًا عن طرق التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز. وتصل الطاقة الاستيعابية للخط إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، يمكن توجيه جزء منها إلى المصافي المحلية، فيما يخصص الجزء الآخر للتصدير عبر ميناء ينبع.
وتشير هذه التطورات إلى أن قدرة أي طرف على استخدام الممرات البحرية كسلاح اقتصادي لا تعتمد فقط على إغلاق الممر، وإنما كذلك على قدرة الدول المتضررة على توفير مسارات بديلة والتكيف مع الاضطراب.
في هذا السياق، يكتسب باب المندب أهمية إضافية بالنسبة إلى الحسابات الإيرانية. فمع تشديد الضغوط الاقتصادية والعقوبات على طهران، يمكن أن يصبح البحر الأحمر ومحيطه إحدى ساحات الضغط غير المباشر على الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصًا أن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة عبر باب المندب يمكن أن يؤثر في التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل والطاقة.
الضغوط على إدارة ترامب
يربط التحليل كذلك بين التصعيد الإقليمي والحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فارتفاع أسعار الطاقة، في حال حدوثه بصورة كبيرة ومستمرة، يمكن أن يتحول إلى عامل سياسي مؤثر على شعبية الإدارة الأميركية والحزب الحاكم، خصوصًا في الفترات التي تسبق الانتخابات النصفية.
وفي حال تكبد الحزب الجمهوري خسائر كبيرة في مجلسي الكونغرس، فقد تزداد الضغوط السياسية على الإدارة بشأن إدارة الحرب وتكاليفها وأهدافها. كما يمكن أن تتوسع صلاحيات الكونغرس الرقابية والتحقيقية، بما يجعل استمرار أي عملية عسكرية واسعة أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية، حتى مع استمرار قدرة الرئيس على استخدام بعض الصلاحيات التنفيذية في مجال السياسة الخارجية والأمن القومي.
وبالتالي، فإن التأثير المحتمل لإغلاق أو تهديد الممرات البحرية لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمكن أن يمتد إلى البيئة السياسية التي تتحرك فيها الإدارة الأميركية.
السعودية وباب المندب كمسألة أمن قومي
لكن التطورات المتعلقة بالحوثيين تكتسب حساسية أكبر عندما تقترب من الأراضي والمصالح السعودية. فقد شهدت الفترة الأخيرة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية استهدفت مدنًا ومنشآت سعودية، وهو ما أثار ردود فعل إقليمية ودفع إلى اجتماعات بين الدول المنضوية في إطار «ميثاق مكة»، الذي يضم السعودية وباكستان وتركيا.
وتبدو أهمية هذا التطور في أن السعودية وحلفاءها الإقليميين لا يبدون، في المقابل، رغبة في تحويل التوتر إلى مواجهة مباشرة مع إيران. ويظل خيار خفض التصعيد وضبط النفس حاضرًا في الحسابات الإقليمية، مع وجود رسالة أساسية تتمثل في ضرورة إبقاء الصراع داخل الأراضي اليمنية وعدم توسيعه إلى الأراضي السعودية.
وتزداد حساسية باب المندب بالنسبة إلى السعودية بسبب ارتباطه المباشر بمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر دولي للتجارة، بل يرتبط كذلك بالوصول البحري إلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر وبجزء من حركة صادرات وواردات المملكة.
ومن ثم، فإن أي محاولة لإغلاق باب المندب بصورة مستمرة أو تحويله إلى منطقة تعطيل للملاحة قد تُفهم في الرياض باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية، وليس مجرد امتداد للصراع اليمني.
ميثاق مكة واحتمالات تغير المعادلة
عند النظر إلى ميثاق مكة، من المهم التمييز بين أهدافه المعلنة وبين السيناريوهات التي قد تفرضها تطورات الميدان. فقد أكدت الدول الثلاث عند إنشاء الإطار أنه لا يستهدف إيران، بل إن طهران كانت مدعوة إلى الانضمام إليه. ولذلك، لا يمكن افتراض أن الميثاق يمثل في وضعه الحالي تحالفًا موجهًا بصورة مباشرة ضد إيران.
غير أن طبيعة الترتيبات الإقليمية يمكن أن تتغير إذا تعرضت إحدى الدول الأعضاء لهجمات مباشرة أو متكررة. وفي هذه الحالة، قد تتزايد الضغوط السياسية والأمنية لتفعيل قدر أكبر من التنسيق بين الدول الثلاث، وهو سيناريو لا يصب بالضرورة في مصلحة إيران، خصوصًا إذا تحول الصراع من مواجهة غير مباشرة إلى مواجهة إقليمية متعددة الأطراف.
ومن هنا تبدو حسابات طهران أكثر تعقيدًا؛ فاستخدام الجماعات الحليفة كأداة للضغط على الخصوم يوفر قدرًا من المرونة السياسية، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر فقدان السيطرة على مسار التصعيد، أو دفع أطراف إقليمية كانت تفضل الحياد أو التهدئة إلى تبني مواقف أكثر صرامة.
بين الضغط والمخاطرة
تكشف التطورات المرتبطة بالحوثيين وباب المندب عن معادلة دقيقة. فمن ناحية، يمكن لإيران أن تنظر إلى الجماعة باعتبارها إحدى أدوات الضغط غير المباشر في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة في ظل أهمية البحر الأحمر للتجارة الدولية.
ومن ناحية أخرى، فإن توسيع نطاق العمليات ليشمل استهداف الأراضي السعودية أو محاولة تعطيل الملاحة في باب المندب قد يرفع تكلفة التصعيد بصورة كبيرة، ويفتح المجال أمام ردود إقليمية يصعب التحكم في مسارها.
كما أن قدرة إيران على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع اضطرابات الإمدادات، وبمدى استعداد الدول المتضررة لتوفير مسارات بديلة، فضلًا عن حجم المخزونات الاستراتيجية من الطاقة وقدرة المنتجين على تعويض النقص.
وبذلك، فإن التأثير الاقتصادي لأي تصعيد في باب المندب لا يمكن قياسه بمجرد افتراض إغلاق المضيق، بل ينبغي النظر إلى مجموعة من المتغيرات، من بينها مدة التعطيل، وحجم حركة الملاحة المتأثرة، وتوافر البدائل، وأسعار الطاقة، وردود فعل شركات النقل والتأمين، وقدرة الأطراف الدولية على حماية خطوط الملاحة.
مسار التهدئة يظل خيارًا ممكنًا
في ضوء هذه الحسابات، يبدو أن استمرار التصعيد يحمل مخاطر على مختلف الأطراف. فبالنسبة إلى إيران، قد يؤدي توسيع نطاق المواجهة إلى تشكيل اصطفافات إقليمية جديدة ضدها. وبالنسبة إلى السعودية، فإن استمرار الهجمات الحوثية يفرض أعباء أمنية واقتصادية، بينما يمكن أن يؤدي تعطيل الملاحة في البحر الأحمر إلى تداعيات أوسع تتجاوز أطراف الصراع المباشرة.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار اضطراب أسواق الطاقة والممرات البحرية يمكن أن يزيد الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، خصوصًا إذا تزامن مع استحقاقات انتخابية وضغوط داخلية.
لذلك، تظل إحدى أكثر المسارات قابلية للنقاش هي محاولة فصل الملف اليمني عن المواجهة الإقليمية الأوسع، والبحث عن ترتيبات تقلل من قدرة الأطراف على استخدام الأراضي اليمنية أو الممرات البحرية كساحات لتبادل الرسائل العسكرية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يشكل الحوار السعودي–الإيراني، إلى جانب الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة اليمنية، مدخلًا لتقليص احتمالات التصعيد حول باب المندب. فالمضيق، بحكم موقعه، لا يمثل ورقة تفاوض تخص طرفًا واحدًا، وإنما ممرًا دوليًا تتقاطع عنده مصالح دول الخليج والقوى الدولية والدول المطلة على البحر الأحمر.
وعليه، فإن التعامل مع باب المندب باعتباره أداة للضغط السياسي قد يحقق مكاسب تكتيكية محدودة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر استراتيجية أكبر إذا أدى إلى تحويله من ساحة ضغط غير مباشر إلى بؤرة مواجهة إقليمية مفتوحة. وتبقى إدارة هذه المعادلة، بالنسبة إلى جميع الأطراف، مرتبطة بقدرتها على الموازنة بين استخدام أدوات الضغط والحفاظ على سقف للتصعيد يحول دون اتساع دائرة الصراع.
