في لحظة سياسية حرجة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية بالضغوط الخارجية، اختارت طهران أن تعيد خلط الأوراق عبر خطوة مفاجئة أثارت قلق العواصم الغربية وأربكت موازين التهدئة الهشة في المنطقة. فإعلان إيران في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلغاء اتفاق القاهرة مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، جاء في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع إعادة فرض العقوبات الأوروبية على إيران، ومع اشتداد التوترات الإقليمية المرتبطة بملفات الطاقة والنووي والأمن البحري.
هذه التطورات تضع إيران أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة سياسة "حافة الهاوية" التي لطالما أتقنتها: إلى أي مدى يمكنها تحويل التصعيد إلى ورقة تفاوض؟ وهل ما زالت تمتلك القدرة على المناورة دون أن تدفع ثمناً داخلياً باهظاً؟
طهران بين التصعيد والسيطرة
تسعى إيران من خلال إعلانها الأخير إلى إعادة ضبط الإيقاع الدبلوماسي بما يخدم مصالحها الإستراتيجية، إذ لم يكن القرار مجرد رد فعل على العقوبات الأوروبية، بل خطوة محسوبة تهدف إلى اختبار ردود الفعل الدولية، وفتح مسارات جديدة للتفاوض من موقع قوة. فالمعادلة الإيرانية تقوم على مبدأ "التصعيد المتحكم فيه"، أي استخدام الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وهو أسلوب يمنحها هامش تحرك واسعاً في مواجهة خصومها.
إلغاء اتفاق القاهرة يُقرأ إذاً كجزء من خطة أوسع لتحويل كل أزمة إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية، وإعادة تعريف علاقة إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يضع الملف النووي مجدداً في قلب المساومات مع الغرب. وتأتي هذه الخطوة ضمن نهج مدروس يجمع بين الدبلوماسية العلنية والمفاوضات الخلفية، ويستند إلى ثقة إيرانية بقدرتها على تحمّل الضغوط.
المعادلة الإقليمية... ومخاوف الغرب
تدرك طهران أن خصومها في أوروبا والولايات المتحدة يفتقرون إلى استراتيجية موحدة تجاهها، وهو ما يمنحها فرصة للمناورة السياسية. وتشير تقارير استخبارية أوروبية إلى قلق متزايد من قدرة إيران على إدارة أزمات متزامنة دون انهيار فعلي، سواء في الداخل أو على المستوى الإقليمي. هذا القلق يدفع بعض العواصم إلى اعتماد قنوات خلفية للتهدئة، في الوقت الذي تواصل فيه طهران إرسال إشارات مزدوجة تجمع بين التحدي والانفتاح المشروط.
وفي ظل التحركات الإيرانية المتزامنة مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى، يبدو أن طهران تسعى إلى بناء شبكة أمان اقتصادية وسياسية تقلل من أثر العقوبات، وتمنحها أدوات ضغط إضافية في ملفات الطاقة والتجارة والأمن البحري.
الخلاصة والتقدير
ما يجري اليوم ليس تصعيداً معزولاً، بل اختبار دبلوماسي متكامل لقدرة الجمهورية الإيرانية على تحويل الضغط إلى نفوذ. كل خطوة محسوبة بدقة ضمن إستراتيجية "إدارة الأزمات المتوازية"، حيث تُستخدم العقوبات، والتوترات الداخلية، والتحالفات الخارجية في آنٍ واحد كأوراق تفاوض.
وفي ضوء المؤشرات الراهنة، يبدو أن إيران تمضي في ترسيخ مكانتها لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه، قادرة على قلب موازين التفاوض من دون خوض مواجهة شاملة. غير أن هذا المسار محفوف بالمخاطر: فأي خطأ في حسابات التصعيد قد يحوّل المناورة إلى مقامرة، ويجعل طهران تواجه ضغوطاً لا يمكن احتواؤها.
إنّ الموقف الراهن يكشف عن مرحلة جديدة من "الدبلوماسية الإيرانية تحت الضغط"، حيث لا تسعى طهران فقط إلى النجاة من العقوبات، بل إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية والدولية بما يكرّس حضورها لاعباً أساسياً في معادلة القوة.
