قبل أيام، أوقفت أمريكا ضرباتها الليلية على إيران. برر ترامب التوقف قائلا: «طلب الإيرانيون منا ذلك بأدب، وأرادوا إجراء محادثات». لم تمض ساعات حتى بادرت إيران بالهجوم على قاعدة أمريكية بالمنطقة وأهداف أخرى.
بدلا من أسلوبها المعتاد خلال الأسابيع الماضية، وهو الرد على الضربات الأمريكية، اختارت طهران المبادرة بالهجوم. هل هذا التحول فى الاستراتيجية الإيرانية دائم، أم أنه مرحلى غايته تحقيق أهداف محددة؟ وهل تُدرك إيران عواقب ذلك واستعدت للتداعيات؟ ثم ما الخيارات أمام ترامب للتعامل مع هذا التطور المُفاجئ الذى خلط الأوراق بصورة لم يتوقعها كثيرون؟. لن تجد أحدا تقريبا لديه تصور واضح لأسباب هذا التحول الإيرانى اللافت، ولا حجم التأييد له داخل القيادة الإيرانية.
بعض التفسيرات رأت أن حالة اللاحرب واللاسلم الراهنة تضر إيران بشدة. الضربات الأمريكية الأخيرة كانت عنيفة للغاية، وربما تجاوزت ضربات العدوان الذى بدأ ٢٨ فبراير الماضى. أراد الحرس الثورى، تحديدا، إنهاء هذه الحالة.. إما بإجبار ترامب على إبداء تنازلات بشأن مضيق هرمز ووقف القتال خلال مفاوضات جديدة، أو التورط فى حرب برية يُدرك الحرس أن ترامب لن يُقدم عليها. وحتى لو غامر، فإنها كفيلة بفيتنام وربما أفغانستان أخرى. بالتوازى مع ذلك، تتشدد إيران فى مطالبها بشأن المضيق. رفضت مقترحات «حل الوسط» العُمانية. نائب وزير الخارجية كاظم آبادى قال: «لا يمكن أن نعتبر أنفسنا منتصرين إذا عاد المضيق إلى وضعه قبل الحرب. المضيق أداة دفاعية وركيزة لأمننا القومى».
حميد رضا الباحث من أصل إيرانى فى المعهد الألمانى للشؤون الدولية قال: «يبدو أن شيئا جوهريا قد تغير فى نهج إيران. لقد رأت أن المبادرة بشن الهجمات هى الخيار العملى الوحيد للتعامل مع ترامب». طهران فسرت توقف أمريكا عن شن الضربات عدة أيام على أنه ضعف استراتيجى، لا ضبط للنفس.
فى مواجهة ذلك، تبدو الإدارة الأمريكية عاجزة عن التعامل باستراتيجية واضحة ومُتماسكة. وهو ما عبر عنه لايل جولدشتاين الباحث بمؤسسة أولويات الدفاع الأمريكية بقوله: «لا توجد أمام واشنطن خيارات جيدة. نحن حقاً فى مأزق». ليس أمام ترامب إلا تليين موقفه بشأن هرمز أو العودة إلى صراع طويل.
كلا الخيارين مُر ومرفوض حاليا. تسريبات شبكة «إن بى سى» الإخبارية عن أنه أبدى إحباطه الشديد فى اجتماع أمنى عال المستوى بسبب تعثر التوصل لاتفاق مع طهران، دليل على غياب استراتيجية بشأن مدة الحرب والخطوات اللازمة لإنهائها. ليس هناك اتفاق حول الهدف الأساسى للحرب. هل هو منع امتلاك إيران السلاح النووى، أم ضمان حرية الملاحة، أم تدمير منظومة الصواريخ الإيرانية؟. نعم حققت أمريكا سلسلة انتصارات تكتيكية، لكنها لم تُترجمها إلى مكاسب استراتيجية.
حاليا، يبحث ترامب عن أصدقاء لمساعدته، مع أنه أهانهم خلال الفترة الماضية واتهمهم بالجبن ورفض مشاركته فى الحرب. الحديث عن مؤتمر دولى تستضيفه لندن بشأن الملاحة فى الخليج يخرج بحل وسط توافق عليه إيران أحد الخيارات. أمام تعثر خطواتها، تمارس الإدارة الأمريكية «الصبر الاستراتيجى» الذى كان الآخرون يمارسونه فى تعاملاتهم معها.. وسبحان مغير الأحوال.