وطن على مائدة لصوص: حين تتوزع الأوطان كالحصص، ويبقى الإنسان خارج المشهد
لا يتفكك الوطن فجأة بصاعقة تصيب وتده، بل يُنهك تدريجياً في الغرف المغلقة. يُمدّ كخارطة على مائدة تحيط بها أيدٍ ناعمة تحمل سكاكين براقة. في تلك اللحظة، لا يعود الوطن فكرة مقدسّة أو تراباً يُفتدى، بل يتحول إلى "كعكة" تُقسّم، وغنيمة تُقترس.
مشهد المائدة: كيف تُسلب المقدرات؟
إن المأساة الكبرى لا تكمن في اللصوصية كفعل إجرامي عابر، بل في "مأسستها" وتجميلها. حين يتصافح الفساد مع النفوذ، ويتحول الحارس إلى شريك، تغدو السرقة عملية أنيقة تُدار بالملفات والصفقات، لا بالسطو المسلح في ظلام الليل.
على هذه المائدة، تُقطع أوصال الدولة إلى ملفات:
نهب الجغرافيا والموارد: تحويل الأصول الوطنية ومقدرات الأجيال إلى رصيد في بنوك مجهولة.
المتاجرة بالآمال: إغراق المستقبل بالديون تحت عناوين براقة لا يستفيد منها سوى القائمين عليها.
تجريف الوعي: إشغال الشارع بظلال الأزمات الجانبية، ليبقى الجميع غارقين في التفاصيل، بينما تفرغ الخزائن في الصمت.
فاتورة الجشع: الإنسان في العراء
بينما تُدار الكؤوس وتُحسب الأرباح بالمليارات على تلك المائدة، يقف المواطن العادي على الهامش. يقلّب كفيه وهو يرى سقف طموحاته يتضاءل من "بناء مستقبل" إلى مجرد "البقاء على قيد الحياة".
"أشد أنواع السرقة قسوة ليست تلك التي تسلبك مالك في حارتك، بل التي تسرق من طفلك حقه في التعليم، ومن شابك أمله في الغد، ومن مسنك كرامته في نهاية المشوار."
إن الحصيلة الحقيقية لولائم اللصوص ليست فقط أرقام العجز في الميزانيات، بل العجز في النفوس. حين يشعر الشاب أن أرضه أضيق من أحلامه بسبب احتكار الفاسدين، يصبح خيار الرحيل هو الإجابة الوحيدة عن سؤال الوجود.
كسر المائدة: استعادة الحق والكرامة
إن اللصوص لا يستمرون في وليمتهم إلا إذا استمر الصمت، والوطن لا يُستعاد بالتمني، بل باستعادة الوعي. الحل لا يبدأ بانتظار معجزة تهبط من السماء، بل بإعادة إيقاط الضمير الجمعي.
إعادة تعريف المواطنة:
التأكيد على أن الوطن ليس "ملكاً خاصاً" لمن يملك القرار، بل هو ملك لكل من يغرس فيه حرفاً أو عرقاً.
تفعيل المساءلة: تحويل السلطة الرابعـة (الإعلام) والمجتمع إلى عين لا تنام، تفضح الصفقات وتكشف المستور.
استرداد الأمل: الرهان الدائم على العقول الحرة والنخب الصادقة التي ترفض أن تكون مجرد شهود زور على بيع الأوطان.
ختاماً
الأوطان لا تموت بسبب فقر الموارد، بل تصاب بالضمور حين تتخثر الضمائر. وحين يدرك صاحب الحق أن المائدة مائده، والخبز خبزه، ويتوقف عن دور "المتفرج"، حينها فقط يتوقف اللصوص عن الأكل، وتعود للوطن هيبته وللإنسان كرامته.