كتب: عمر غازي
ماذا يبقى من مكانة الإنسان إذا نزعنا عنه منصبه وثروته واسمه المعروف ثم تركناه وحده أمام مجتمع رقمي لا يمنح الاعتراف بالألقاب وحدها، ربما يبدو السؤال افتراضيًا، لكنه أصبح واحدًا من الأسئلة التي ينبغي أن تشغل متخصصي الإعلام الرقمي والعلاقات العامة الرقمية، لأن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد قنوات تنقل المكانة التي صنعها الإنسان خارجها، بل أصبحت حاضنة لمجتمعات رقمية لها هياكلها وقيمها ومراتبها الخاصة، يستطيع الفرد أن يدخل إليها محملًا بمكانة كبيرة في المجتمع الواقعي ثم يفشل في بناء مكانة مماثلة داخلها، بينما يستطيع آخر أن يحول جزءًا من رصيده الخارجي إلى موقع رقمي يتجاوز حدود منصبه أو ثروته أو شهرته.
وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2020 في المؤتمر الدولي للويب ووسائل التواصل الاجتماعي ICWSM بعد دراسة مجتمعين على منصة Reddit أن إظهار المكانة الاجتماعية التي يمتلكها الفرد خارج المنصة، مثل الدرجة العلمية، منح أصحابها في أحد المجتمعين أصواتًا أكثر ونقاشات أوسع، بينما لم يظهر الأثر نفسه بالدرجة ذاتها في المجتمع الآخر، ولم يستفد فيه بوضوح إلا أصحاب الدرجات العلمية الأعلى مثل الدكتوراه والطب، وهي نتيجة تكشف جانبًا مهمًا من الفكرة، فالمكانة التي يأتي بها الإنسان من المجتمع الواقعي قد تمنحه أفضلية عند دخوله إلى مجتمع رقمي، لكن مقدار الاعتراف بها يتغير وفق المجتمع نفسه ومعايير القيمة السائدة داخله، أي أن المكانة لا تنتقل من مجتمع إلى آخر كما ينتقل الاسم والصورة.
وتكشف حالة معالي المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه في السعودية، مسارًا أول لبناء هذه المكانة، فمنصبه الرسمي يمنحه بطبيعة الحال مكانة مؤسسية كبيرة، لكنه لا يحضر على منصات التواصل الاجتماعي بالصورة التقليدية الجامدة التي يظهر بها كثير من المسؤولين، إذ يجمع حضوره بين الترويج للأنشطة والمشروعات المرتبطة بعمله الرسمي، وبين مشروعاته واهتماماته الأخرى في الرياضة والفن والترفيه، وبين التفاعل المباشر والتعليق والمشاركة في القضايا التي تشغل جمهوره، ولذلك لا يبدو حسابه مجرد نافذة رقمية لمنصبه، بل مساحة تتحرك فيها شخصيته واهتماماته وأعماله معًا، وهو ما صنع له مكانة اجتماعية رقمية لا يمكن تفسيرها بمنصبه الرسمي وحده.
لكن رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس يقدم نموذجًا مختلفًا، فرغم أن مكانته الاجتماعية خارج منصات التواصل الاجتماعي تأسست بدرجة كبيرة على عالم المال والأعمال، فإن حسابه الشخصي لا يعيش باعتباره واجهة دعائية لشركاته، ولا يجعل نشاطه الاقتصادي محورًا دائمًا لما يقوله، بل يتحرك داخل المنصة بوصفه شخصية عامة لها آراء واهتمامات ومواقف، فيعلق على السياسة والرياضة والحياة اليومية، ويمزح ويختلف ويرد على الآخرين، ولذلك يصبح الفصل بين نجيب ساويرس رجل الأعمال ونجيب ساويرس داخل المجتمع الرقمي ممكنًا إلى حد بعيد، فالثروة منحته شهرة سابقة بلا شك، لكنها لا تفسر وحدها طبيعة المكان الذي أصبح يحتله بين مستخدمي المنصة.
أما الملياردير ورجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك فيقدم نموذجًا ثالثًا أكثر تعقيدًا، فهو لا يفصل شخصيته الرقمية عن شركاته بالطريقة نفسها التي نراها لدى ساويرس، ولا يجمع بين الرسمي والشخصي بالطريقة نفسها التي نراها لدى المستشار تركي آل الشيخ، بل يذيب الحدود بين رجل الأعمال وصاحب المنصة والمعلق السياسي والمستخدم شديد النشاط، فيكتب عن شركاته والتكنولوجيا والسياسة والهجرة والقضايا الاجتماعية، وينشر الصور الساخرة ويرد على حسابات أخرى ويعيد نشر محتواها، حتى أصبحت شخصيته الرقمية كيانًا عامًا يتجاوز بكثير وظيفة الترويج لأعماله، وقد أظهر تحليل نشرته صحيفة The Guardian عام 2026 أنه خلال الفترة من 31 مايو حتى 12 يونيو، وهي الأيام التي سبقت مباشرة بدء تداول أسهم SpaceX في السوق، نشر ماسك 303 مرات عن قضايا العرق والهجرة مقابل 114 منشورًا فقط عن الشركة، وهي مقارنة لافتة لأنها توضح إلى أي مدى تجاوز حضوره على المنصة الصورة التقليدية لرئيس شركة يكرس حسابه لأعماله.
ثلاثة رجال يمتلكون أصلًا مكانة مرتفعة خارج منصات التواصل الاجتماعي، مسؤول سعودي بارز، ورجل أعمال مصري معروف، وملياردير ورجل أعمال أمريكي يعد من أبرز شخصيات عالم التكنولوجيا، لكن أحدًا منهم لم يبن حضوره الرقمي بالطريقة نفسها، فالمستشار تركي آل الشيخ يمزج الرسمي وغير الرسمي والشخصي، ونجيب ساويرس يكاد يترك شركاته خارج حسابه الشخصي ليعيش داخل المنصة كفاعل في نقاشاتها، بينما يجعل إيلون ماسك الحدود بين أعماله وأفكاره ومواقفه وحضوره الشخصي شديدة السيولة، ومع ذلك وصلت الطرق الثلاث المختلفة إلى نتيجة مشتركة، وهي تكوين مكانة اجتماعية داخل مجتمعات رقمية لا يمكن اختزالها في المنصب أو الثروة أو الشهرة التي يحملها كل منهم خارج المنصات.
لكن النموذج الأكثر إثارة ربما يكون لشخص لم يدخل منصات التواصل الاجتماعي محملًا أصلًا بمنصب رسمي أو وزن اقتصادي يمنحه مكانًا مسبقًا، فصانع المحتوى المصري إسلام فوزي بنى حضوره بدرجة كبيرة من خلال اختيار مقاطع الآخرين والتعليق عليها بسخرية، ومع تراكم الجمهور لم يعد الأمر متعلقًا فقط بالمحتوى الذي يقدمه، بل بالموقع الذي أصبح يحتله داخل مجتمعه الرقمي، حتى بات مجرد اختياره لشخص محدود الشهرة أو لمقطع لم يحظَ بانتشار واسع والتعليق عليه قادرًا في بعض الحالات على نقله إلى دائرة اهتمام أكبر، وهنا تتجاوز المكانة مجرد الحصول على الانتباه إلى امتلاك القدرة على إعادة توزيعه، فصاحب المكانة لا يُرى فقط، بل يستطيع أحيانًا أن يجعل الآخرين مرئيين.
ويمكننا القول أن حالة إسلام فوزي تؤكد كذلك لماذا لا يجوز الخلط بين المكانة الاجتماعية الرقمية والشهرة، فالشخص الذي يسلط عليه الضوء قد يصبح معروفًا لدى جمهور واسع خلال فترة قصيرة، لكنه لا يكتسب بالضرورة مكانة داخل المجتمع نفسه، بل قد يحدث العكس تمامًا إذا تأسست شهرته على السخرية أو الرفض، وهكذا يستطيع صاحب المكانة أن يمنح شخصًا آخر الشهرة دون أن يمنحه المكانة، وهي مفارقة تكشف أن معرفة الناس بك لا تجيب بالضرورة عن السؤال الأهم، كيف ينظر إليك هؤلاء الناس وأين يضعونك بينهم.
ومن خلال مقارنة هذه النماذج يمكننا أن نلمس أن العلاقة بين المكانة في المجتمع الواقعي والمكانة الاجتماعية الرقمية ليست علاقة خطية، فثلاثة منهم دخلوا منصات التواصل الاجتماعي وفي أيديهم رصيد سابق من المكانة المؤسسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ثم أعاد كل منهم تشكيله بطريقة مختلفة، بينما تشكل الجزء الأكبر من مكانة إسلام فوزي داخل المجتمع الرقمي نفسه، فقد يدخل شخص إلى المنصات بمكانة مرتفعة ولا يستطيع تحويلها إلى مكانة مماثلة داخل مجتمع رقمي، بينما يدخل آخر بلا رصيد مماثل ثم يصعد حتى يصبح قادرًا ليس فقط على جذب الانتباه إلى نفسه، بل على توجيهه نحو الآخرين.
ويصبح الفصل بين الشهرة والمكانة الاجتماعية الرقمية أكثر وضوحًا عند هذه النقطة، فمعرفة ملايين الأشخاص باسم إنسان لا تعني بالضرورة أنهم يعترفون له بالموقع نفسه داخل كل مجتمع رقمي ينتمي إليه، كما أن عدد المتابعين لا يخبرنا وحده أين يقع الشخص في البناء الاجتماعي لذلك المجتمع، ومن يستمع إليه، ومن يعترف بقيمته، وما الذي يمنحه هذا الاعتراف، وهل يستطيع تحويله إلى قدرة على التأثير أو الحشد، فالمنصة الواحدة ليست مجتمعًا واحدًا أصلًا، بل يمكن أن تضم مجتمعات عديدة تختلف فيما بينها في القيم والمعايير والأشخاص الذين تمنحهم المكانة.
وقد كشفت دراسة نشرت عام 2018 في مجلة Management Communication Quarterly، بعد تحليل 1,050 منشورًا وإجراء مقابلات مع 32 شخصًا، أن أنماط استخدام منصات التواصل الاجتماعي نفسها أسهمت في إعادة إنتاج تراتبية المكانة داخل المجتمع المدروس، كما أظهرت أن الظهور على المنصة لم تكن له القيمة نفسها لدى أصحاب المواقع المختلفة، وهي نتيجة تضيف بعدًا مهمًا إلى مفهوم المكانة الاجتماعية الرقمية، فطريقة الحضور والتفاعل داخل المجتمع الرقمي لا تعكس المكانة فقط، بل يمكن أن تشارك في تشكيلها وإعادة إنتاجها.
وأظهرت نشرت عام 2026 في Journal of Computer-Mediated Communication بعد تحليل بيانات واسعة من Reddit أن المجتمع لم يستجب للمعلومات المضللة بالطريقة نفسها عندما تغيرت مكانة صاحبها، إذ ارتبط نشرها لدى المستخدمين الأقل مكانة بأصوات إيجابية أقل وخلاف أكبر في النقاشات، بينما كان أثر العقوبة أقل لدى أصحاب المكانة الأعلى، ولا تعني النتيجة بطبيعة الحال أن المكانة تجعل المعلومة صحيحة، وإنما تكشف أمرًا أكثر أهمية هنا، وهو أن موقع الإنسان داخل البناء الاجتماعي للمجتمع الرقمي يمكن أن يغير الطريقة التي يستقبل بها الآخرون حتى المحتوى الذي يصدر عنه.
ومن هنا ربما آن الأوان لأن ينظر متخصصو الإعلام الرقمي والعلاقات العامة الرقمية إلى المكانة الاجتماعية الرقمية بوصفها مجالًا دقيقًا يحتاج إلى الدراسة والممارسة المهنية المركزة، فلا تبدأ الخطة دائمًا من سؤال ماذا سننشر، أو كم متابعًا نريد، أو كيف نحسن الصورة والسمعة، بل ينبغي أن يسبق ذلك سؤال أكثر عمقًا، أين يقف هذا الشخص أو المؤسسة الآن داخل المجتمع الرقمي المستهدف، ومن يعترف بمكانته، وعلى أي أساس، وما مصادر هذه المكانة، وما نطاقها، وهل يستطيع نقلها من مجتمع رقمي إلى آخر، وهل يمكن تحويلها لاحقًا إلى نفوذ أو حشد أو تأثير.
وعندها يمكن أن تصبح إدارة المكانة الاجتماعية الرقمية Digital Social Status Management مجالًا جديدًا للعمل الاحترافي، يبدأ بدراسة المكانة القائمة وقياسها، ثم تحديد المجتمعات الرقمية التي يتحرك داخلها الشخص أو المؤسسة، وتحليل معايير القيمة والاعتراف داخل كل مجتمع، وبعد ذلك تُبنى استراتيجيات المحتوى والتفاعل والعلاقات والحضور واختيار القضايا في ضوء المكان الذي نريد الوصول إليه، فلا تكون الخدمة مجرد إدارة حسابات باسم جديد، ولا حملة لزيادة المتابعين، ولا تحسينًا للسمعة تحت مصطلح مختلف، وإنما عملًا مركزًا على بناء الموقع النسبي للفرد أو المؤسسة داخل مجتمع رقمي محدد.
وهذا لا يعني أن العلاقات العامة الرقمية لم تهتم من قبل بالسمعة أو التأثير أو بناء الصورة أو العلاقات مع الجمهور، وإنما يعني أن المكانة الاجتماعية الرقمية تعيد ترتيب هذه العناصر حول متغير أكثر تحديدًا، هو الموقع الذي يحتله الفرد داخل البناء الاجتماعي للمجتمع الرقمي نفسه، فقد تكون سمعتك جيدة دون أن تكون صاحب مكانة مرتفعة، وقد تكون مشهورًا دون أن يعترف لك مجتمع متخصص بمكانة داخله، وقد تمتلك تأثيرًا عابرًا في قضية دون أن تمتلك مكانة مستقرة، ولذلك يصبح القياس هنا مختلفًا كما تصبح الاستراتيجية مختلفة.
ولعل أحد الأخطاء التي ارتكبتها الممارسة التقليدية للعلاقات العامة هو أن تنقل بعض الشخصيات المهمة إلى منصات التواصل الاجتماعي كما هي، فيظهر الوزير وزيرًا في كل منشور، ورجل الأعمال رجل أعمال في كل صورة، والرئيس التنفيذي متحدثًا باسم شركته حتى في حسابه الشخصي، فتتغير المنصة ويبقى الاتصال جامدًا كما كان، بينما تكشف النماذج السابقة أن المكانة التي تكونت خارج المنصات قد تفتح باب المجتمع الرقمي لكنها لا تحدد وحدها الموقع الذي سيمنحه لصاحبها، كما يستطيع هذا المجتمع نفسه أن يصنع مكانة لمن دخل إليه بلا منصب أو ثروة أو شهرة سابقة، فهل حان الوقت لأن نتوقف عن إدارة الحضور على المنصات، ونبدأ في إدارة المكانة داخلها؟