هل للمؤسسات مكانة اجتماعية كما للأفراد، وهل يمكن لشركة أصغر أن تحتل داخل مجتمع مهني موقعًا أعلى من مؤسسة أكبر منها عمرًا وثروة وشهرة، اعتدنا أن نصف المؤسسات بالنجاح والسمعة والقوة والحضور، لكن علم الاجتماع التنظيمي يعرف منذ عقود مفهوم المكانة التنظيمية "Organizational Status"، أي الموقع الذي تحتله المؤسسة مقارنة بغيرها داخل حقل اجتماعي أو مهني، وهو موقع لا تحدده أصولها وأرباحها وحدها، بل يتشكل أيضًا من اعتراف الآخرين بها وعلاقاتها وموقعها بينهم.
ومع انتقال جانب كبير من علاقات المؤسسات مع جماهيرها ومنافسيها والمتخصصين في مجالاتها إلى منصات التواصل الاجتماعي، يظهر مستوى آخر يمكن النظر إليه بوصفه المكانة الاجتماعية الرقمية للمؤسسة، وهي الموقع النسبي الذي يمنحه لها مجتمع رقمي وما يرتبط به من اعتراف وتأثير ومرجعية، ولهذا قد تمتلك شركة ملايين المتابعين دون أن تكون مرجعًا داخل مجتمع مهني محدد، بينما تصل مؤسسة أقل شهرة إلى موقع يجعل الآخرين يراقبون ممارساتها ويتعلمون منها ويقيسون بعض أعمالهم عليها.
ولعل أحد أوضح تجليات هذه المكانة أن تكتسب المؤسسة وظيفة لم ينص عليها قرار إنشائها ولا سجلها التجاري، ففي السعودية تأسس مركز التواصل الحكومي بوزارة الإعلام ليعمل ضمن منظومة الاتصال الحكومي ويرفع كفاءة العمل الإعلامي ويوحد الرسائل والهويات ويعزز التنسيق بين الجهات، لكن تراكم ممارساته ومنتجاته البصرية جعله بالنسبة إلى كثير من العاملين في الاتصال والإعلام نموذجًا يُنظر إليه في طريقة عرض البيانات وتصميم الإنفوجرافيك وتبسيط المعلومات بصريًا، فلم تتغير مهامه الرسمية، لكن موقعه داخل المجتمع المهني اتسع، وأضيفت إلى وظيفته المؤسسية وظيفة أخرى لم تمنحها له لائحة، وإنما منحتها له الممارسة واعتراف الآخرين بها.
وهذه ليست فكرة بعيدة عن الأصل السوسيولوجي للمكانة، فقد أظهرت دراسة نشرت عام 1996 في مجلة Industrial and Corporate Change لجويل بودولني وديمون فيليبس، بعد دراسة ديناميكيات المكانة التنظيمية لدى بنوك الاستثمار، أن مكانة المؤسسة تتأثر بأدائها السابق وبمكانة الجهات التي ترتبط بها، وهو ما يعني أن المكانة ليست صفة داخلية تملكها المؤسسة وحدها، بل موقع يتشكل أيضًا من شبكة العلاقات والاعتراف المحيطة بها.
لكن المكانة ليست السمعة، فالسمعة تتعلق غالبًا بكيف يقيّم الناس المؤسسة وما الانطباعات المتراكمة عنها، بينما المكانة تتعلق بالموقع الذي يمنحونه لها مقارنة بغيرها داخل حقل معين، وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2021 في مجلة Long Range Planning واعتمدت على 8,793 مشاهدة سنوية لـ1,186 شركة رأس مال جريء أن السمعة والمكانة مفهومان متقاربان لكن غير متطابقين، وأن تحسن السمعة بمرور الوقت يمكن أن يؤثر إيجابيًا في المكانة، فالسمعة قد تسهم في بنائها لكنها لا تختصرها.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي تصبح هذه المسافة أكثر وضوحًا، لأن المؤسسة لم تعد وحدها من يصنع صورتها، فقد أظهرت دراسة نظرية نشرت عام 2019 في Academy of Management Review أن المنصات غيرت الطريقة التي تتكون بها الأحكام حول المؤسسات وتنتشر، إذ أصبح الجمهور أكثر مشاركة في إنتاج هذه الأحكام وتداولها، ولذلك تستطيع المؤسسة أن تخطط لما تريد أن تكون عليه وتصنع محتواها وتحدد هويتها، لكنها لا تستطيع منفردة أن تقرر أين سيضعها المجتمع الرقمي.
وتقدم شركة ثمانية السعودية طريقًا آخر، فهي مؤسسة إعلامية لا تستمد موقعها من صفة حكومية أو سلطة تنظيمية، لكن طريقة تقديمها للمحتوى وهويات منتجاتها البصرية واستخدامها للخط العربي وتغليفها للبودكاست والمواد الإعلامية جعلت تجربتها حاضرة في النقاش المهني حول صناعة المحتوى العربي، حتى إن بناء هويتها قام على تطوير نظام بصري وخطي مرن قادر على استيعاب منتجات إعلامية متعددة، ولم تعد المسألة نجاح بودكاست أو انتشار حلقة، بل أن تصبح طريقة المؤسسة في تقديم المنتج مما ينظر إليه العاملون في الصناعة عندما يفكرون في شكل المنتج الإعلامي نفسه.
فالنجاح قد ينتج عملًا يلفت الأنظار، أما المكانة فقد تجعل التجربة نفسها معيارًا غير مكتوب، ولا يشترط أن يقلد الآخرون تصميم المؤسسة حرفيًا أو يستخدموا خطوطها أو يتبنوا نبرتها، يكفي أن تدخل تجربتها في حساباتهم حين يبنون تجاربهم، وعندها لا تعود المؤسسة تخاطب جمهور منتجها وحده، بل تؤثر بصورة غير مباشرة في صناع المنتج أنفسهم.
وعالميًا تقدم Duolingo نموذجًا مختلفًا، فتطبيق تعلم اللغات لم يكتف ببناء حسابات تروج لخدماته، بل صنع على TikTok شخصية اتصالية خاصة حول البومة الخضراء التي تمثل علامته، واستخدم الفكاهة والاتجاهات الرائجة والتفاعل مع الجمهور والعلامات الأخرى حتى أصبحت ممارسته الاتصالية نفسها موضوعًا للدراسة، وقد حللت دراسة اتصالية منشورة عام 2024 عددًا بلغ 135 مقطعًا للشركة على TikTok لفهم الاستراتيجية التي صنعت نجاح حضورها، وكانت قد وصلت وقت الدراسة إلى نحو 8 ملايين متابع و176 مليون إعجاب على المنصة، لكن الرقم هنا أقل أهمية من حقيقة أن الآخرين أصبحوا يدرسون كيف فعلت Duolingo ذلك.
ولا تقدم الحالات الثلاث وصفة واحدة، وهذا ما يجعلها أكثر دلالة، فمركز التواصل الحكومي اكتسب مرجعية بصرية ومهنية، وثمانية أصبحت تجربتها حاضرة في طريقة صناعة المنتج الإعلامي وتقديمه، بينما تحولت الممارسة الاتصالية لـDuolingo إلى حالة يتعلم منها الآخرون، والجامع بينها أن المؤسسة في كل حالة تجاوزت حدود الوصول إلى الجمهور وأصبحت تؤثر بدرجة ما في الممارسة المحيطة بها.
وتظهر قيمة هذه المكانة بصورة أوضح في التخطيط الاستراتيجي، فعندما تدرس المؤسسات وضعها الراهن ثم تنتقل إلى اختيار النماذج المرجعية "Benchmarking" والبحث عن أفضل الممارسات، فإنها لا تختار دائمًا أكبر المؤسسات حجمًا أو أكثرها إنفاقًا، بل تبحث عمن يستحق أن تُدرس ممارسته في المجال الذي تريد تطويره، والمؤسسة التي تتكرر الإحالة إليها عند دراسة المحتوى أو التصميم أو التفاعل أو عرض البيانات تكون قد تجاوزت حدود الممارسة الناجحة إلى موقع مرجعي داخل مجتمعها المهني، ولذلك يمكن أن يصبح النظر إلى المؤسسات التي يختارها الآخرون للمقارنة والتعلم أحد المؤشرات التي تساعدنا على قراءة خريطة المكانة الاجتماعية الرقمية في أي قطاع.
لكن حملة ناجحة لا تصنع مكانة، وتصميمًا يقلده الآخرون لشهور لا يكفي لصناعتها، كما أن ملايين المشاهدات قد تمر دون أن تغير موقع المؤسسة بين غيرها، فالمكانة تحتاج إلى قدر من الاستمرار والاعتراف يتجاوز لحظة الانتشار، والمرجعية ليست صورتها الوحيدة، لكنها واحدة من أكثر صورها وضوحًا.
وعند هذه النقطة تصبح إدارة المكانة الاجتماعية الرقمية للمؤسسات أوسع كثيرًا من إدارة حسابات التواصل الاجتماعي، فالسؤال ليس كم منشورًا سننشر هذا الشهر ولا كم متابعًا سنضيف، بل أي موقع تريد المؤسسة أن تحتله داخل المجتمعات التي تهمها، وفي أي ممارسة تريد أن تصبح معروفة، وما الإشارات التي تجعل الآخرين يدركون ذلك، وكيف يمكن قياس انتقالها من الحضور إلى التأثير ثم إلى المرجعية.
وقد يكون هذا هو التغيير الأهم الذي يضيفه المفهوم إلى التخطيط الاتصالي والعلاقات العامة، فبدل أن تسأل المؤسسة فقط كيف نزيد ظهورنا، يصبح عليها أن تسأل ما الذي نريد أن يذهب الآخرون إلينا عندما يريدون معرفة كيف يُفعل، فقد يكون عرض البيانات أو التصميم أو المعرفة أو خدمة العملاء أو الاستدامة أو لغة الاتصال أو إدارة الأزمات، وعندما تعرف المؤسسة المساحة التي تريد أن تحتلها يصبح المحتوى وسيلة لبناء موقع، لا مجرد مادة جديدة تنتظر دورها في جدول النشر.
فالمؤسسات تستطيع أن تختار ما تقوله عن نفسها، وأن تستثمر في صورتها وتحسن سمعتها، لكنها لا تستطيع أن تمنح نفسها المكانة، وربما لهذا لا تكون أعلى لحظات النجاح الرقمي للمؤسسة عندما يصبح الجميع متابعين لها، بل عندما يصبح بعضهم، من دون أن تطلب منهم ذلك، ينظرون إليها ليتعلموا منها.