بث تجريبي
عبد الله عبد السلام

إدمان الخطأ بعد استنفاد الصواب!

آراء حرة - عبد الله عبد السلام

هناك مقولة منسوبة للزعيم البريطانى ونستون تشرشل نصها: «يمكنك دائما الاعتماد على الأمريكيين لفعل الشىء الصحيح بعد أن يكونوا قد استنفدوا جميع الخيارات الأخرى». الآن، تفعل أمريكا الخطأ بعد أن تكون قد استنفدت كل الخيارات الصحيحة الأخرى. خلال السنوات الماضية قوضت إدارة ترامب اتفاقيات دولية مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووى مع إيران ٢٠١٥، وانتهاك قواعد منظمة التجارة الدولية وإضعاف حلف الناتو والتخلى عن الحلفاء. الأخطر هو الدخول فى حروب تفتقر إلى أسباب عادلة أو أهداف محددة قابلة للتحقق أو استراتيجية خروج واضحة المعالم.

نهاية أغسطس الحالى، تمر ٥ سنوات على الانسحاب الأمريكى الكارثى من أفغانستان. فى ٧ أكتوبر ٢٠٠١، غزت واشنطن هذه الدولة الغارقة فى الفقر والفوضى بزعم محاربة الإرهاب التى تعرضت له فى ١١ سبتمبر من نفس العام. لقى مئات الآلاف من الأفغان مصرعهم. قُتل ٢٤٠٠ جندى أمريكى. حاولت أمريكا إعادة بناء أفغانستان، لكنها فشلت. تواصل الإرهاب. لم تجد مفرا من الانسحاب.

لم تحدث عملية إرهابية واحدة بعد الخروج الأمريكى المهين. فى مارس ٢٠٠٣، غزت إدارة بوش العراق بزعم امتلاك صدام أسلحة الدمار وعلاقته بالقاعدة. لم يُثبت صحة ذلك. لقى أكثر من نصف مليون عراقى مصرعهم وفر ملايين خارج البلاد. لا يزال العراق يعانى من كوارث الغزو. حاليا، يتجه ترامب لارتكاب الجريمة نفسها مع إيران. عدوان ظالم أهوج دون هدف واضح، ولا خيارات للخروج. تدريجيا تتحول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى حرب لا نهاية لها.

المسألة ليست مرتبطة بترامب وحده. بعض الباحثين ينظرون للأمر برؤية فلسفية. الإمبراطوريات والقوى العظمى تمر بدورات حياة حتمية. تبدأ القوة العظمى قوية فتية حتى فى أفكارها ومبادئها. تبدو واثقة من نفسها وقدراتها. تعتبر أن فعل الشىء الصحيح هو واجبها لحماية العالم. رغم أن أمريكا لم تتخل عن الغزو والتدخل وفرض الإرادة، إلا أنها كانت تخاطب العالم بالحديث عن الديمقراطية والليبرالية والمساعدات المالية والتقنية والاقتصادية. قوتها الناعمة كانت عنوانها الدعائى الأبرز. المشاكل الداخلية والانقسامات الجذرية الراهنة داخل النخبة وحتى المواطنين العاديين، شجعت أفكار العزلة وأمريكا أولا، وأن العالم يستغلنا، على الانتشار. أصبح شعار أمريكا أولا، الذى نشأ فى العصر النازى «ألمانيا أولا» يحظى بشعبية كبيرة. طور ترامب الشعار إلى: «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا».

أمريكا الآن مسؤولة عن نفسها فقط. الآخرون هم العدو والخصم أو المنافس على أقل تقدير. جرعات الشوفينية والعنصرية واحتقار الشعوب الأخرى، زادت. أى خلاف مع دول كإيران وفنزويلا وكوبا، يجب إنهاؤه بالقوة. هذا التوجه يحظى بقبول شعبى متزايد. لم يعُد هناك إجماع على ما هو صحيح. الصواب بالنسبة لولاية أمريكية مثل فرض رسوم جمركية لحماية المصانع، خطأ كارثى بالنسبة لولايات أخرى، وبالتأكيد لنظام التجارة العالمى والدول الأخرى. باحثون يرون أن ما يحدث إنقلاب فكرى كامل فى المنطق الذى يُقاس به النجاح والفشل.

ترامب ليس سوى مُحفِز، هناك أسباب موضوعية لتحول أمريكا إلى فعل الخطأ فى النهاية بعد أن كانت تحاول أن تستكشف طرق الصواب.

نقلا عن صحيفة المصري اليوم