من الهيمنة إلى التعددية القطبية: كيف يعيد العالم توزيع القوة؟
يشهد النظام الدولى واحدة من أعمق مراحل التحول منذ نهاية الحرب الباردة، إذ لم تعد الأزمات الدولية مجرد أحداث منفصلة، بل تعكس إعادة تشكيل تدريجية لبنية القوة العالمية. فقد كشفت الحرب فى أوكرانيا، وتصاعد التنافس الأمريكى– الصينى، واضطرابات سلاسل الإمداد، وأزمات الطاقة والغذاء، أن النظام الذى نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتى لم يعد قادرًا على إدارة التوازنات الدولية بالكفاءة التى اتسم بها خلال العقود الثلاثة الماضية.
وخلال التسعينيات ساد الاعتقاد بأن العولمة الاقتصادية والتقدم التكنولوجى سيقلصان أهمية الجغرافيا السياسية، وأن الأسواق المفتوحة ستصبح المحرك الرئيس للعلاقات الدولية. إلا أن التطورات الأخيرة أثبتت عكس ذلك؛ إذ استعادت الدولة القومية دورها المركزى، وأصبحت اعتبارات الأمن القومى توجه السياسات الاقتصادية، بينما تحول الاقتصاد إلى أداة للمنافسة الاستراتيجية عبر العقوبات الاقتصادية، والقيود التكنولوجية، وإعادة توطين الصناعات الحيوية، والسيطرة على الموارد والمعادن الاستراتيجية.
كما أعادت الحرب فى أوكرانيا الاعتبار لعناصر القوة التقليدية، مؤكدة أن القدرة الصناعية والطاقة الإنتاجية والقدرة على تصنيع المعدات والذخائر بكميات كبيرة ما زالت تشكل ركائز أساسية للقوة الوطنية. وأظهرت أيضاً أن الاقتصادات التى تعتمد بصورة مفرطة على الخدمات والقطاع المالى قد تواجه صعوبات فى إدارة الصراعات الممتدة، الأمر الذى أعاد الصناعة إلى صدارة أولويات الأمن القومى.
وفى الوقت نفسه، تواجه الاقتصادات الغربية تحديات داخلية تتمثل فى تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الدين العام، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتراجع إنتاجية بعض القطاعات الصناعية، إلى جانب تصاعد الاستقطاب السياسى والشعبوية. ولا يعنى ذلك أفول الغرب أو فقدانه مكانته الدولية، لكنه يعكس حاجة ملحة إلى إعادة بناء نموذج النمو للحفاظ على قدرته التنافسية فى بيئة دولية أكثر تعقيداً.
فى المقابل، تواصل الصين والهند تعزيز مكانتهما الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تتزايد أهمية قوى آسيوية وإفريقية وأمريكية لاتينية أخرى، فى الوقت الذى أصبحت فيه تجمعات مثل BRICS تعكس اتجاهاً متنامياً نحو تنويع الشراكات الاقتصادية والمالية والبحث عن بدائل للمؤسسات التى تأسست عقب الحرب العالمية الثانية.
ولا يقتصر هذا التحول على موازين الاقتصاد، بل يمتد إلى السياسة الدولية، حيث تتبنى أعداد متزايدة من الدول النامية، سياسات خارجية أكثر استقلالاً تقوم على تنويع الشراكات وعدم الانحياز الكامل لأى من القوى الكبرى، بما يمنحها هامشاً أوسع لحماية مصالحها الوطنية فى بيئة دولية تتراجع فيها ثنائية الاستقطاب التقليدية.
ومن أبرز ملامح المرحلة الراهنة أيضًا تراجع مفهوم العولمة التقليدية وصعود ما يمكن تسميته Selective Globalization، حيث لم تعد الكفاءة الاقتصادية وحدها هى المحرك الرئيس للتجارة والاستثمار، بل أصبحت اعتبارات الأمن القومى، والاستقلال التكنولوجى، ومرونة سلاسل الإمداد، عناصر أساسية فى صنع القرار الاقتصادى.
غير أن التحول الراهن لا يقتصر على إعادة توزيع القوة Distribution of Power بين القوى الكبرى، بل يمتد أيضاً إلى إعادة توزيع الاعتماد المتبادل Distribution of Interdependence. فلم يعد النفوذ يقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية، وإنما بالقدرة على التحكم فى شبكات التجارة العالمية، وسلاسل القيمة، والتكنولوجيا المتقدمة، والبيانات، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، بما يمنح الدول أدوات جديدة للتأثير فى سلوك الآخرين.
ولهذا، أصبح التنافس الدولى يدور بصورة متزايدة حول القدرة على صياغة القواعد المنظمة للاقتصاد العالمى والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتجارة الرقمية والتمويل الدولى. وأصبح مفهوم Rule-making Power أحد أهم مؤشرات النفوذ فى القرن الحادى والعشرين، إذ إن الدولة التى تضع المعايير والقواعد تمتلك تأثيراً قد يفوق أحياناً تأثير القوة العسكرية أو الاقتصادية التقليدية.
كما أن المشهد الدولى لا يتجه إلى استبدال هيمنة أمريكية بهيمنة صينية، بل إلى نظام أكثر تعقيداً تتوزع فيه مصادر النفوذ بين عدد أكبر من الفاعلين الدوليين والإقليميين. ولذلك، يرى عدد متزايد من منظرى العلاقات الدولية أن العالم يتجه نحو Multiplex World، أى عالم متعدد المراكز، تتقاسم فيه الدول الكبرى والقوى الإقليمية والشركات التكنولوجية والمؤسسات المالية أدوارًا متشابكة فى تشكيل النظام الدولى.
وخلاصة القول، إن العالم لا يشهد انتقال القيادة من قوة إلى أخرى بقدر ما يعيش عملية شاملة لإعادة توزيع القوة والنفوذ. فالهيمنة المنفردة تتراجع تدريجياً لتحل محلها منظومة أكثر تنافسية، تتداخل فيها القوة الاقتصادية مع التكنولوجيا، والقدرة الصناعية، والابتكار، والتحكم فى شبكات الاعتماد المتبادل، والقدرة على صياغة القواعد الدولية. وفى هذا النظام الجديد، لن يكون النجاح من نصيب الدولة الأكثر قوة فقط، بل للدولة الأكثر قدرة على التكيف، وبناء التحالفات، وتحويل مواردها الوطنية إلى نفوذ مستدام فى صياغة قواعد النظام الدولى الجديد.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم