صدام حفتر وإعادة تشكل موازي القوى في ليبيا قراءة أولية
لا يمكن النظر إلى صعود الفريق أول صدام خليفة حفتر داخل القيادة العامة لـ«الجيش الوطني الليبي» باعتباره مجرد تطور تنظيمي داخل المؤسسة العسكرية في شرق البلاد، أو باعتباره امتداداً طبيعياً لموقع والده المشير خليفة حفتر. فالتوقيت الذي جاء فيه هذا الصعود، وطبيعة المهام التي بات يضطلع بها، وحجم الحراك الدبلوماسي والعسكري المرتبط باسمه، كلها مؤشرات تدفع إلى قراءة الظاهرة ضمن السياق الأوسع للتحولات التي تشهدها ليبيا منذ سنوات، سواء على المستوى الداخلي أو في تفاعلاتها الإقليمية والدولية.
فالبلاد ما زالت تعيش حالة انقسام مؤسسي بين سلطات تنفيذية وتشريعية وأمنية متوازية، فيما تعثرت المبادرات السياسية المتعاقبة في إنتاج سلطة موحدة أو الوصول إلى انتخابات عامة تنهي المرحلة الانتقالية. وفي المقابل، برزت المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا بوصفها إحدى أكثر المؤسسات استقراراً وتنظيماً مقارنة ببقية مؤسسات الدولة، وهو ما جعلها لاعباً رئيسياً في أي نقاش يتعلق بمستقبل النظام السياسي الليبي.
في هذا السياق، يأتي صعود صدام حفتر بوصفه جزءاً من عملية إعادة توزيع الأدوار داخل القيادة العامة، لكنه في الوقت نفسه يعكس محاولة لإبراز جيل جديد من القيادات العسكرية القادرة على إدارة ملفات تتجاوز الشأن العسكري التقليدي لتشمل العلاقات الخارجية وأمن الحدود، والتعاون الدفاعي والتواصل مع القوى المحلية في مختلف المناطق الليبية. وقد أظهرت تحركاته خلال الفترة الماضية اهتماماً ملحوظاً بتوسيع شبكة الاتصالات العسكرية والدبلوماسية، الأمر الذي عزز حضوره في المشهد الليبي.
ومع ذلك، فإن قراءة هذا الحضور على أنه انتقال محسوم للقيادة أو توافق دولي على شخصية بعينها تبقى قراءة متسرعة. فالمواقف الدولية تجاه الأزمة الليبية لا تزال محكومة بأولوية الحفاظ على الاستقرار، ومنع عودة الصراع العسكري واسع النطاق، وتأمين تدفق صادرات النفط، والحد من تداعيات الهجرة غير النظامية والإرهاب، أكثر من ارتباطها بدعم شخصية أو تيار سياسي بعينه. ومن ثم، فإن الانفتاح الذي تبديه بعض العواصم على شخصيات فاعلة في شرق ليبيا يمكن فهمه في إطار توسيع قنوات التواصل مع جميع مراكز التأثير، وليس بالضرورة بوصفه انحيازاً سياسياً نهائياً.
في المقابل، لا يزال الداخل الليبي منقسماً في تقييمه لهذا الصعود، ففي المناطق الشرقية والجنوبية ينظر كثيرون إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها أحد عناصر الاستقرار، ويرون في تجديد القيادات العسكرية عاملاً قد يعزز قدرتها على أداء هذا الدور. بينما تنظر قوى سياسية وعسكرية في غرب البلاد إلى أي توسع في نفوذ القيادة العامة بحذر، انطلاقاً من المخاوف المرتبطة بإعادة إنتاج الانقسام أو اختلال توازنات العملية السياسية.
هذا التباين يكشف أن الجدل لا يتعلق بشخص صدام حفتر وحده، وإنما بطبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة. فالأزمة الليبية لم تعد مجرد أزمة حكومتين أو سلطتين بل أصبحت أزمة بناء دولة وتحديد العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية وصياغة إطار دستوري يحظى بقبول مختلف الأطراف.
كما أن التحركات الخارجية التي شهدتها القيادة العامة خلال الفترة الأخيرة تعكس اتجاهاً أوسع نحو تنويع العلاقات الدفاعية والعسكرية، وهو اتجاه لا يقتصر على ليبيا بل أصبح سمة مشتركة لدى عدد من دول المنطقة التي تسعى إلى توسيع هامش حركتها بين القوى الدولية المختلفة، في ظل بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز النفوذ وتراجع أنماط الاستقطاب التقليدية.
في الوقت نفسه لا يمكن فصل تطورات المؤسسة العسكرية عن البيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بها. فاستمرار الخلافات حول توزيع الإيرادات النفطية وإدارة المؤسسات السيادية وآليات إجراء الانتخابات يجعل أي تغير في موازين القوة العسكرية مؤثراً في مسار العملية السياسية، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج تسوية مستقرة ما لم يترافق مع توافق وطني أوسع.
من هنا، فإن أهمية صعود صدام حفتر لا تكمن فقط في كونه يمثل جيلاً جديداً داخل القيادة العامة، وإنما في كونه يعكس مرحلة جديدة من تطور الأزمة الليبية، أصبحت فيها المؤسسات العسكرية والأمنية جزءاً أساسياً من معادلة التسوية، إلى جانب المؤسسات السياسية والاقتصادية، بعد أن أثبتت السنوات الماضية محدودية الرهان على المسارات السياسية وحدها.
في المحصلة، يبدو أن المشهد الليبي يتجه نحو إعادة تشكيل تدريجية لمراكز القوة أكثر من اتجاهه إلى حسم سريع للصراع. وفي هذا الإطار يمثل صعود صدام حفتر أحد مظاهر هذا التحول لكنه ليس العامل الوحيد فيه، كما أن تأثيره سيظل مرتبطاً بقدرة مختلف الفاعلين الليبيين على التوصل إلى صيغة سياسية جامعة، وبمدى نجاح الجهود الإقليمية والدولية في دعم تسوية تحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، بعيداً عن منطق الغلبة أو الإقصاء.
